رمضان قديروف... الشيشاني الذي وهب حياته لفلاديمير بوتين

رمضان قديروف... الشيشاني الذي وهب حياته لفلاديمير بوتين

تمتلئ العاصمة الشيشانية غروزني منذ عقد بصور شاب أشقر ذي لحية بنية كثة... هو رمضان قديروف، رجل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشيشان والجمهوريات القوقازية، وذراعه القوي لإرهاب معارضيه.

في الشيشان، جنوب روسيا، حيث يعيش نحو مليون وأربعمئة ألف نسمة، تعتنق أغلبيتهم الديانة الإسلامية، يحكم قديروف مدعوماً بستة آلاف "قديروفيتسي" (حرسه الخاص)، ومباركاً من بوتين الذي وهب الرئيس الشيشاني له حياته.

الحرب الشيشانية... بزوغ قائد ميليشيا

رمضان قديروف، المولود في أكتوبر 1976، هو نجل "مفتي الاستقلال الشيشاني" أحمد قديروف. قاد الأب والابن جهاديين مسلمين متمردين بهدف الانفصال عن الحكومة الروسية، خلال حرب الشيشان الأولى في الفترة ما بين عامي 1994 و1996، إلا أنهما عادا وانفصلا عن باقي الجهاديين بسبب خلافات بين الميليشيات الانفصالية، ووقفا بجانب القوات الفدرالية الروسية فى حربها مع الجماعات الإسلامية الشيشانية.

في الحرب الشيشانية ضد الروس، قاد العشريني المراهق ميليشيا عسكرية كانت تسمى بـ"قديروفيتسي"، إلى أن دب الانقسام بين الانفصاليين بسبب رفض الأب مشاركة المجاهدين العرب في الحرب.

انتهى الأمر بانضمامهما إلى صف القوات الروسية ضد الانفصاليين والعرب. وتحوّلت ميليشيا "قديروفيتسي" في ما بعد إلى قطاع الحراسة الخاصة به، محافظة على الاسم نفسه.

جنى "مفتي الاستقلال" ثمار مواقفه في الحرب الشيشانية الثانية باختياره رئيساً لجمهورية الشيشان المستقلة عام 2003، لكنه لم يهنأ بالمنصب كثيراً واغتيل عام 2004. بعده، تسلم الابن راية القيادة تدريجياً بدعم من الرئيس الصاعد بوتين، فعُيّن عام 2004 نائباً لرئيس الوزراء ثم رئيساً للوزراء.

لم يكن قد مضى على إتمامه الثلاثين من عمره إلا ثلاثة أشهر فقط حين عُيّن رئيساً مؤقتاً للشيشان في فبراير 2007، بعد تنحية علي ألخادوف، وهنا يظهر بوضوح استغلال بوتين لبلوغه الثلاثين، الحد الأدنى لتولي مقاليد الحكم في الشيشان.

"جزء من شرعية رمضان بني على ما أنجزه والده في الحرب الشيشانية، فوالده له باع كبير ساعده في إنهاء الحرب بعد المصالحة مع الحكومة وانتزاع الحكم الذاتي"، تتحدث نورهان الشيخ، الخبيرة في الشأن الروسي وأستاذة العلاقات الدولية في جامعة القاهرة، عن صعود نجم قديروف في العقد الأخير.

فرض رمضان نفسه كرجل دولة قوي منذ اللحظة الأولى بحربه الشرسة على العناصر المتمردة في القوفاز وبإعادة إعمار الشيشان، فحوّل غروزني من مدينة جبلية إلى عاصمة جميلة حضارية، بجانب بناء أكبر مسجد في أوروبا. كل ذلك عوامل جعلته يحظى بتعاطف شعبي كبير وكسب ثقة فلاديمير بوتين، تقول الشيخ.

القديروفيتسي... ضد النساء والمثليين والصحافيين

منذ تعيينه رئيساً لوزراء جمهورية الشيشان، يفرض قديروف قيوداً على الحريات الشخصية، وتحديداً المتعلقة بالنساء. فقد كان إجبار نساء الجمهورية على ارتداء الحجاب ضمن أولى قرارته الرسمية في منصبه الجديد، ليكشف عن هويته المتشددة مبكراً.

أفرد الرئيس الشاب مساحة كبيرة لفرض الرقابة على حريات النساء. طبّق نظاماً إلزامياً يخص الرداء الإسلامي للسيدات، وتسامحت الحكومة مع الهجمات العنيفة على النساء اللواتي يرتدين ثياباً غير محتشمة، من وجهة نظر المتشددين، كما حظرت على السيدات غير المحجبات العمل في القطاع العام، واتخذت خطوات لفرض الحجاب على الطالبات في المدارس والجامعات.

حملة الحجاب وصلت إلى حد استهداف عشرات النساء في غروزني بطلقات بنادق طلاء مؤلمة في صيف 2010، لارتدائهن ثياباً اعتبر متشددون أنها كاشفة ولعدم تغطيتهن رؤوسهن. وثّقت ذلك شبكة هيومن رايتس وويتش في تقرير تحدثت فيه مع ضحايا الاعتداءات.

بارك قديروف زيجات كثيرة لمراهقات بضباط شرطة يكبروهن بعقود، إرضاء لرجاله المخلصين، كما شكل لجنة لتعيد الأزواج المطلقين إلى بعضهم، مبرراً رفضه للطلاق بحجة أن الأطفال الذين يأتون من أسر مفككة سيكونون أكثر عرضة للتطرف والتجنيد من قبل المتطرفين في القوقاز.

ليس النساء وحدهنّ مَن تعرّضن للقمع. فالمثليون لم يسلموا من رجال قديروف، ولجأ كثيرون منهم إلى "اللجوء الجنسي" للهرب خارج الشيشان، بعد تعرضهم للتعذيب والخطف على يد قوات الأمن أو الإجبار على الخضوع لجلسات طرد الأرواح الشريرة من قبل ذويهم. لكن رمضان ينفي أية تقارير حقوقية عن قمع أصحاب الميول الجنسية المختلفة في معسكرات تعذيب ويدّعي أن المثليين غير موجودين في بلاده من الأساس.

أقوال جاهزة

شارك غرد"هو لا يقود عصابة مثقفة بل جاهلة ولولا المركز الروسي لأصبح داعشياً يحكم وينهي ويأمر ويسفك الدماء"... قصة الرئيس الشيشاني رمضان قديروف

شارك غردلا يدخر الرئيس الشيشاني رمضان قديروف جهداً في مساعدة بوتين على التخلص من أعدائه، ويستطيع أن ينفّذ عمليات ضد ساسة ورجال أعمال وصحافيين دون المساس بسمعة الرئيس الروسي

يعتمد قديروف على جهازين أمنيين في جمهوريته، واحد لحفظ الأمن العام، والآخر لحمايته وتنفيذ عمليات خارج إطار القانون. يسمون بالقديروفيتسي أو القديريون، ويقدر عددهم بستة آلاف، ويشتهرون ببزاتهم السوداء التي تميّزهم عن أي جهاز أمني آخر في روسيا.

"لا نسميها شرطة بل عصابة قديروف المهووس والعنيف والموتور. هو لا يقود عصابة مثقفة بل جاهلة ولولا المركز الروسي لأصبح داعشياً يحكم وينهي ويأمر ويسفك الدماء". هكذا يتحدث الباحث السياسي أشرف الصباغ، وهو روسي من أصل مصري، عن القديروفيتسي.

برأيه، لا يدخر قديروف جهداً في مساعدة بوتين على التخلص من أعدائه، فيقود عمليات خارجة عن القانون ويستطيع أن ينفذ هذه العمليات ضد ساسة ورجال أعمال وصحافيين دون المساس بسمعة الرئيس الروسي.

ويرتبط اسم الرئيس الشيشاني بعمليات قتل نتاليا استيميروفا، عضوة جمعية ميموريال لحقوق الإنسان في روسيا، التي قتلت في الشيشان في يوليو 2009، بعد أن هددها بالقتل قبل وفاتها ببضعة أشهر لتخويفها من الاستمرار في نشاطها المعادي لحكومته، وكذلك الصحافية آنا بوليتكوفسكايا التي قتلت عام 2006، أثناء توليه منصب رئيس الوزراء، بعد تحقيق أجرته عن انتهاكات لحقوق الإنسان في الشيشان.

هذه الاتهامات لا تهز موسكو أو غروزني، وفقاً للدكتور عمرو الديب، المحاضر بجامعة نيجنى نوفغورود الحكومية الروسية. يقول لرصيف22: "بالطبع نسمع بين الحين والآخر اتهامات لرمضان قديروف بانتهاك حقوق الإنسان أو ما شابه، إلا أن هذه الاتهامات باطلة تماماً بسبب وجود جماعات إرهابية انفصالية حتى الآن فى جمهورية الشيشان وشمال القوقاز ككل، ولا توجد حقوق إنسان عندما نكون بصدد النضال ضد جماعات إرهابية انفصالية".

وتدافع نورهان الشيخ أيضاً عن قديروف في تهم ارتباط اسمه بجرائم ضد الإنسانية واعتباره مجرم حرب، وتقول: "هذا وارد لأن الحكومة الشيشانية لا زالت تتصدى للمتمردين الإسلاميين في القوقاز، والادعاءات جزء من عمل القوى الدولية للنيل من شخصيته".

وتبرر الشيخ ذلك بأن القوقازيين من الشعوب حادة الطباع، لذا "قد يحدث خروج عن القانون في قضايا المثليين والحريات الشخصية للنساء"، برأيها.

قديروف وبوتين... الموت من أجل روسيا

لا يكل قديروف من مدح وتعظيم دور بوتين في استمرار روسيا الاتحادية، ولا يفوّت مناسبة لتجديد فروض الولاء والطاعة للرجل الذي نصبه رئيساً على مسلمي الشيشان دون أن يستغلها، لذا وهب حياته له وتعهد بالموت دفاعاً عنه، حتى كافأه بوتين بميدالية "Hero of Russia"، أرقى وسام عسكري في البلاد، مقابل مواقفه وخدمته لروسيا الاتحادية ومشاركته في "حماية سلامة أراضيها".

هذه الحماسة تجاه بوتين دفعت قديروف إلى فرض عقوبات هزلية على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وقادة دول الاتحاد الأوروبي، إذ أصدر قراراً يمنعهم فيه من دخول الأراضي الشيشانية وقرر تجميد أرصدتهم في بنوك الشيشان، على خلفية أزمة انفصال جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014.

العلاقة بين قديروف وبوتين تُعّدّ طبيعية في نظر الباحث الروسي أشرف الصباغ، فكلاهما حصل على السلطة بالقوة، والروس يحكمون الشيشان الآن عن طريق أشخاص يدينون لهم بالولاء، بدلاً من التورط في نزاعات مباشرة مع المتمردين المسلمين، غير أن موسكو والأجهزة الفدرالية تستفيد منه لأنه على استعداد لفعل أي شيء.

أما الديب المطلع على موقف الحكومة الروسية، فيعتبر أن قديروف لا يتملق الرئيس الروسي ولا يستقوي به، لإدراك بوتين أهمية دوره في قمع التمرد القوقازي وكذلك القوات التي أرسلها الرئيس الشيشاني إلى سوريا لحماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد، فدوره معروف ومثمن لدى الكرملين.

"قديروف مجرد رئيس لجمهورية في نظام فدرالي صارم، وليست له أية مواقف دولية مستقلة عن الدولة الفدرالية الروسية"، يضيف الديب لرصيف22.

رمضان الصوفي!

يقدم الرئيس الشيشاني نفسه كنموذج للإسلام الصوفي الملتزم بتعاليم الدين والمناهض للإسلام الوهابي الذي شكل البيئة الخصبة للانفصاليين في الحروب الشيشانية مع روسيا، وهو أيضاً حريص على أن يتحلى بالمظهر الصوفي من خلال السبحة التي يضعها حول عنقه، وافتخاره بامتلاك شعرات من الرسول وأجزاء من ردائه.

ونظّم قديروف تظاهرة شعبية ضد الرسوم المسيئة للرسول، عندما ثارت القضية، وذلك في يناير 2015.

لكن صورة قديروف المتدين تتعارض مع الجرائم المنسوبة إليه، وهو ما يصفه أشرف الصباغ بالازدواجية، فهو في الأساس ليس رجل دين بل يضفي مسحة صوفية على مظهره وعاداته الدينية، ويتساءل: "كيف لرجل دين أن يقود ميليشيا ويعيش في بذخ ويرتبط اسمه بتجارة النفط والسلاح وتهريب المخدرات؟".

لا تغيب عن خطابات قديروف محاولات استمالة الجانب العربي، فهو يعتبر تحرير القدس من قضاياه الرئيسية، ويحتفظ بقنوات اتصال مع دول عربية كمصر والإمارات والسعودية، وإن كانت الأخيرة تراه كارهاً لها بسبب أزمة مؤتمر شيخ الأزهر الذي عُقد في غروزني قبل عامين، تحت عنوان "من أهل السنة والجماعة؟"، إذ استثنى البيان الختامي الصادر عنه الوهابيين من أهل السنة.

يفسر الصباغ علاقة قديروف بالدول العربية بقوله إن "السلطات الروسية تحاول اللعب بالدين من خلال تبني الإسلام في بعض فدرالياتها، فالشيشان والقوقاز تُقدّم على أنها دول إسلامية في أوروبا، وذلك من أجل كسب الصوت العربي لصالح روسيا الاتحادية في معاركها لتصفية حسابات مع أمريكا".

ويبرز عمرو الديب اهتمام قديروف بالأزهر، ويقول إنه يرى فيه مذهبه الذي ينتمي إليه "الإسلام الوسطي"، ويرتبط مواطنو بلاده بالدراسة في جامعاته.

قديروف... وشاكيرا ومارادونا وصلاح

لقديروف هوايات رياضية مثل حبه للخيول والملاكمة وقيادة الدراجات النارية، وهو يعي أهمية الرياضة في الترويج لبلاده سياسياً، لذا سعى إلى استقطاب شخصيات رياضية تحظى بشعبية عالمية، مثل دعوته أسطورة الأرجنتين مارادونا لحضور افتتاح ملعب جديد لنادي تيريك غروزني، ودعوته النجم البرازيلي رونالدينيو.

كما طلب قديروف من المغنية الكولومبية الشهيرة شاكيرا إحياء حفل عيد ميلاده، وأخيراً كانت قصته مع النجم المصري محمد صلاح خلال مشاركة منتخب بلاده في كأس العالم بروسيا.

صلاح وقع ضحية الاستخدام السياسي للزعيم الشيشاني بعدما منحه المواطنة الفخرية، وجابت صوره معه أغلفة الصحف العالمية التي اعتبرت ما جرى ترويجاً لشخص متورط في جرائم وانتهاكات ضد حقوق الإنسان.

وبرأي عمرو الديب، فإن قديروف استغل وجود صلاح جيداً، ليقدم نفسه إلى العالم على أنه شخص محب ومقدر للرياضة والرياضيين.

إلى متى سيستمر قديروف بسلطاته الواسعة في الهيمنة على إقليم الشيشان الروسي؟ برأي الصباغ، يرتبط مستقبله بمستقبل بوتين، ويضيف: كما تشكل على يده سينتهي أيضاً على يده.


التعليقات

المقال التالي