من «أبو عمر المصري» إلى «تيتو» و«ميمي» تقزم «الإرهابيين» الجدد

من «أبو عمر المصري» إلى «تيتو» و«ميمي» تقزم «الإرهابيين» الجدد

"المتهمون استخدموا أسماءً حركية من عيّنة «ميمي»، و«ماركو وتيتو»، و«عبقرينو»، و«بودي» و«بيتر»، و«المستر»، و«كريستيانو»، و«جلجل» أثناء تنفيذهم للعمليات الإرهابية، بهدف الاختفاء وراء هذه الأسماء". هذا ما كشفته تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا بمصر أخيراً في القضية المتهم فيها 278 عضواً ينتمون لمجموعتين مسلحتين «حسم» و «لواء الثورة» التابعتين لجماعة الإخوان المسلمين وذراعها العسكرية.

فاستخدام الإرهابيين لهذه الأسماء بدلاً من عيّنة «أبو مصعب الزرقاوي» و«أبو عمر» و«أبو حمزة» و«أبو القعقاع» و «أبو طلحة الألماني»، كما جاء في نص تحقيقات النيابة العامة، يكشف عن أجيال جديدة من الإرهابيين ذات سمات خاصة أبرزها أسماؤهم التي تدل على تقزم الجيل الجديد منهم، بعد قرابة أربعين عاماً من صراعهم مع الأنظمة السياسية في بلدانهم، أو داخل معسكرات التدريب في أفغانستان التي مثلت حاضنة لتيارات العنف منذ الحرب الروسية في عام 1979 والتي استجلبت هؤلاء المتطرفين من كل حدب وصوب.

أشهر كُنى جماعات العنف والتطرف

«أبو بكر» من أشهر الكُنى التي اختبأ وراءها أمراء جهاديون سابقون في مناطق الصراع والقتال سواء في أفغانستان قبل أكثر من ثلاثين عاماً أو في سوريا والعراق على خلفية ما أطلق عليه "ربيع الثورات العربي" الذي أتاح الفرصة لوجود أكبر لهذه التنظيمات.

«أبو أسامة» من الأسماء التي تتصدر كُنى جماعات العنف والتطرف، تيمناً بـ «أسامة بن لادن»، الزعيم السابق لتنظيم قاعدة الجهاد والذي اتخذ من تورا بورا مقراً لشن حملاته ضد الأمريكان، وتيمناً بــ «أسامة بن زيد»، الصحابي الجليل. انتشر هذا الاسم تحديداً بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة على يد القوات الأمريكية عام 2011.

ومن أشهر الكُنى أيضاً التسمية بأسماء حيوانات قوية مثل «أسد» وهو الاسم المستعار لـ «محمد عمر بن الرحمن» نجل الأمير الراحل للجماعة الإسلامية، عمر عبد الرحمن، والذي توفي في سجنه بالولايات المتحدة الأمريكية أثناء قضائه عقوبة السجن مدى الحياة، فرغم عودة نجل «عمر عبد الرحمن» من أفغانستان فقد كان يُكنى بـ«أسد» من قبل أعضاء «الجماعة» وهو ما عُرف به كصفة لازمته في الإعلام المصري طوال سنوات ما بعد ثورة 2011.

من غير المدهش في هذا العالم أن يكون هناك طفل صغير عمره لا يتعدى العشر سنوات داخل تنظيمات العنف والتطرف ويُكنى بأبي عبد الله وهو لم يتزوج بعد، وبالتالي لم يرزق طفلاً حتى يُسمى بأبي عبد الله أو يُكنى به، ولكنه هذا هو "هوس الكنى" داخل تنظيمات العنف والتطرف.

يبحث التابع لهذه التنظيمات عن شخصيات غير موجودة في عالم الواقع، أو يريد هو أن يصنعها بتطرفه، فأغلب جماعات العنف تمارس الدين في مظهره من خلال اللحية والجلباب والكنية، وهم يعتقدون أنهم نجوم «الجهاد» على غرار نجوم السينما، فيبحثون لأنفسهم عن أسماء جديدة.

مسلسل أبو عمر المصري والإرهابيين

«أبو عمر» من أشهر كُنى جماعات العنف، فهناك «أبو عمر المصري» و «أبو عمر الموريتاني» و «أبو عمر الشيشاني»، ويبدو أن اختيار الاسم مرتبط بمسمى لأمير مصري سافر لأفغانستان في وقت سابق وقُتل في المعارك الدائرة هناك، فتمت التسمية تيمناً بالأمير المصري غير المعروف، وتيمناً أيضاً بشخصية الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، وما عُرف عنه بالجلد والقوة في الحق.

وصودف أن تم إنتاج مسلسل «أبو عمر المصري» من عام 2018 وعرض في شهر رمضان الماضي، بطولة أحمد عز و أروى جودة ومنذر رياحنة وفتحي عبدالوهاب، في الوقت الذي كشفت فيه تحقيقات النيابة عن ظاهرة جديدة لجيل جديد من المتطرفين ليس لهم علاقة بأجيال التطرف القديمة.

تدور أحداث  المسلسل حول المحامي المصري «فخر الدين» وهو من أسس مع مجموعة من أصدقائه المحامين الجدد «تنظيم سلمي» يسعى لإيجاد حلول لمشاكل وقضايا المواطنين البسطاء بعيداً عن مافيا المحامين وأسعارهم المبالغ فيها، إلا أن هذا التنظيم سرعان ما يثير غضب أحد الأجهزة الأمنية الذي لا يجد وسيلة قانونية لإيقاف نشاط هؤلاء الشباب الحالمين بمجتمع مثالي فيلجأ إلى وسائل أخرى «خارج إطار القانون» من خلال تصفية أعضاء هذا التنظيم، لكن ينجو «فخر الدين»  أو «أبو عمر المصري» من محاولة اغتياله التي يُقتل فيها ابن خالته «عيسى»، فيهرب إلى فرنسا منتحلاً شخصية ابن خالته الذي كان يتأهب للسفر إلى باريس لدراسة القانون، وهناك يلتقي بمحبوبته القديمة التي تنجب له ابناً هو «عمر» ثم تموت وهي تنجبه، ليقرر «فخر الدين» أن ينتقل بصحبة طفله للعيش بالسودان، حيث يتحول إلى كادر مهم من كوادر إحدى الجماعات الإسلامية المسلحة، وعينه على العودة والثأر من قاتل ابن خالته.

مسلسل «أبو عمر المصري» تسبب في أزمة دبلوماسية بين مصر والسودان، استدعت الأخيرة على إثرها السفير المصري بالخرطوم وأبلغته احتجاجاً رسمياً بسبب ما اعتقدت السودان أنه «تشويه» متعمد للدولة وتصويرها على أنها ملاذ آمن للإرهابيين والمتشددين من خلال انتقال «فخر الدين» الذي يقوم بدوره الفنان المصري أحمد عز إلى السودان وممارسة نشاطه المحظور.

أقوال جاهزة

شارك غردمن "أبو مصعب الزرقاوي" و"أبو عمر المصري" و "أبو طلحة الألماني" إلى "ميمي"، "تيتو"، و "بودي"... هكذا تحولت أسماء "الجهاديين" على مر العصور. ولكن ماذا عن الأسماء "الأنثوية" التي كانوا يُجبَرون عليها في السجون؟

شارك غردما أشهر أسماء الجهاديين؟ وما قصة "أبو أسامة"؟ ولماذا أَطلق السجانون على الجهاديين أسماء سيدات عُرف عنهم العمل في "الدعارة" أو "الرقص" أو اشتهرت أسماؤهم في أفلام عربية كالراقصة "لولي"؟

أبو عمر المصري كنية لرموز العنف والتطرف في مصر على مدار أكثر من ثلاثين عاماً، فقد استلهم الكاتب عزالدين فشير شخصيته من واقع حقيقي لِكنى جماعات العنف والتطرف التي سافرت منها أعداد كبيرة لأفغانستان حيث معسكرات التدريب، غالباً ما اتخذت هذه الشخصيات كُنى بدلاً من أسمائهم لسببين أولهما، التغطية على شخصياتهم الحقيقية والاختفاء وراء أسماء مستعارة، والسبب الثاني هو تقمص شخصيات ذات بُعد ديني، وكثير من هذه الأسماء تجمع ما بين البعد المتوغل في التاريخ الإسلامي «أتباع أو صحابة» وما بين جنسية هذه الشخصيات كأن نقول «أبو عمر المصري».

أسماء مستعارة داخل الزنازين

أغلب «الجهاديين» لهم ذكريات مع الأسماء المستعارة والتي كانت تُطلق عليهم كنوع من العقاب أثناء تأديتهم فترة العقوبة داخل السجون على جرائم قتل أدينوا فيها. فقد كان يُطلب منهم إطلاق أسماء إناث على أنفسهم كعقاب معنوي؛ وهم الذين يستخدمون العنف ضد الدولة ويستأسدون عليها من خلال استهداف ضباطها.

كان يُطلب من «الجهادي» أن يسمى نفسه باسم أنثى، وعندما كان يرفض البعض كان يُضرب حتى يُغمى عليه، ويعاود العقاب البدني حتى يرضخ فيتحايل هؤلاء الجهاديون على ذلك بإطلاق أسماء يمكن أن تُطلق على الرجال والنساء معاً مثل «رضا» و «عصمت»، إلا أن سجّانيهم أبوا إلا أن يطلقوا عليهم أسماء سيدات عُرف عنهم العمل في «الدعارة» أو «الرقص» أو اشتهرت أسماؤهم في أفلام عربية كالراقصات مثل «لولي».

«الجهاديون» حاولوا أن يخرجوا من إيقاع تسمياتهم كإناث. فبحسب روايات كثيرة، تعتبر هذه الطريقة أشد عليهم كوسيلة تعذيب من العقاب البدني نفسه.

كان الجهاديون في السابق يحاولون بطريقة "التحايل" تسمية أنفسهم أسماء ذات دلالة شرعية ونفسية مثل «أبو عمر المصري» لإثبات رجولتهم، حتى عادوا مجدداً بأسماء مستعارة "أنثوية" ولكن هذه المرة بإرادتهم.

فأراد «توتو» و «ميمي» الهرب بجريمته من يد الأمن بهذين الاسمين.

منير أديب

كاتب مصري وباحث مختص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي.

التعليقات

المقال التالي