القضاء العراقي يحاكم أطفالاً عمرهم تسع سنوات... انتقاد مقاربة التعامل مع أقرباء "الدواعش"

القضاء العراقي يحاكم أطفالاً عمرهم تسع سنوات... انتقاد مقاربة التعامل مع أقرباء "الدواعش"

يحاكم القضاء العراقي أطفالاً أجانب، بعضهم لا يتجاوز عمرهم تسع سنوات، بتهمة دخول البلاد بطريقة غير شرعية والانتماء إلى داعش أو تقديم مساعدات له، في مقاربة تثير قلق منظمات حقوقية.

وفي بعض الحالات، حُكم على الأطفال الذين يواجهون "محاكمات متسرعة"، بحسب وصف منظمة هيومن رايتس ووتش، بالسجن لفترات تصل إلى خمس سنوات بتهمة الانتماء إلى داعش، وإلى 15 سنة بتهمة المشاركة في أعمال عنيفة.

هذا ما أفادت به هيومن رايتس ووتش في 21 يونيو، في تقرير دعت فيه القضاء العراقي إلى تغيير مقاربته في التعامل مع النساء والأطفال الأجانب المحتجزين والمتهمين بالانتماء إلى داعش.

وأشارت المنظمة إلى أنه منذ يناير الماضي، أجرى العراق محاكمات متسرعة ضد أجانب متهمين بدخول البلاد بطريقة غير شرعية والانتماء إلى داعش أو تقديم مساعدات له، "دون اهتمام كاف بالظروف الفردية لكل حالة ودون ضمان محاكمات عادلة للمشتبه فيهم".

وينتمي معظم النساء والأطفال الأجانب المحتجزين في العراق إلى مجموعة تتكون من أكثر من 1300 أجنبي، بينهم نحو 813 طفلاً، اعتقلتهم القوات العراقية أواخر أغسطس 2017، أثناء معركة تلعفر، معقل داعش السابق في شمال غرب العراق.

في سبتمبر 2017، أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن أغلب النساء والأطفال لم يرتكبوا أية جرائم، وأن الحكومة كانت على "تواصل كامل" مع بلدانهم "لإيجاد طريقة لتسليمهم".

لكن يبدو أن العراق غيّر هذه المقاربة منذ بداية يناير 2018، وشرع في محاكمة النساء والأطفال في سن التسع سنوات وأكثر.

محاكمات أطفال داعش

لا تخفي هيومن رايتس ووتش أنه "ربّما تورّط الأطفال الأجانب الذين يُحاكمون في أعمال عنف"، ولكنها تضيف أن هؤلاء "في نفس الوقت يُعتبرون ضحايا لداعش".

ويشير التقرير إلى أنه بموجب المعايير الدولية لقضاء الأحداث، على السلطات الوطنية بذل جهود لإيجاد بدائل للمحاكمة وإعطاء الأولوية لإجراءات إعادة التأهيل بهدف إعادة دمج الأطفال في المجتمع.

وفي عام 2007، اعتبرت "لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل" أن احتجاز الأطفال المتورطين جنائياً دون سن 12 عاماً "غير مقبول دولياً".

وتنتقد هيومن رايتس ووتش مقاربة العراق "المقلقة" تجاه الأطفال المتهمين فقط بالانتماء إلى جماعة مثل داعش، وليس بارتكاب أي عمل عنيف.

وتؤكد أن السلطات العراقية "عند تعاملها مع الأطفال"، عليها "التركيز على إعادة التأهيل، وليس الإجراءات العقابية".

أقوال جاهزة

شارك غرديحاكم القضاء العراقي أطفالاً أجانب، بعضهم لا يتجاوز عمرهم تسع سنوات، بتهمة دخول البلاد بطريقة غير شرعية والانتماء إلى داعش أو تقديم مساعدات له، في مقاربة تثير قلق منظمات حقوقية

شارك غرد"قد تتسبب المحاكمات الفضفاضة بتهم إرهابية لجميع المنتسبين إلى داعش، بصرف النظر عن خطورتها الجنائية، في نتائج ظالمة فتضيع في نهاية المطاف المسؤولية عن الجرائم المروّعة التي ارتكبها داعش"

وتلفت إلى أنه "على العراق اللجوء إلى محاكمة الأطفال المشتبه فيهم فقط كملاذ أخير، على أن يكون الهدف من أية عقوبة تصدر ضدّهم إعادة تأهيلهم وإدماجهم في المجتمع".

وتقول إنه لا يجب محاكمة الأطفال الذين جلبهم آباؤهم إلى العراق على دخول البلاد بطريقة غير شرعية إذا لم تكن أمامهم أية خيارات أخرى، و"على السلطات أيضاً إلغاء محاكمات الأطفال فقط بسبب انتمائهم إلى داعش إذا لم يرتكبوا أية جرائم أخرى بأنفسهم".

يُحاكم الأطفال المتهمون بالانتماء إلى داعش في العراق أمام نفس المحاكم التي تنظر في قضايا إرهابية للبالغين، لكن قضايا الأطفال تنظر فيها غرفة مختصة بقضاء الأحداث.

وبحسب محام مثّل العديد من الأطفال الأجانب المتهمين بالإرهاب، "تكون المحاكم أكثر تساهلاً بالنسبة للأطفال بين تسعة و13 عاماً، رغم أنه يُمكن محاكمتهم لدخولهم البلاد بطريقة غير شرعية، وفي بعض الأحيان لانتمائهم إلى داعش".

ويقول المحامي إنه إذا حوكم الطفل فقط بسبب الدخول غير الشرعي، فإن العقوبة تكون السجن من ستة أشهر إلى سنة. أما إذا حوكم بسبب الانتماء، تصير من ثلاث إلى خمس سنوات. وإذا كان متهماً بالمشاركة في عمل عنيف، مثل زرع قنبلة، فإن العقوبة قد تتراوح بين خمس و15 سنة".

وأشار إلى أن العراق أجرى حوالي 400-500 محاكمة لأطفال متهمين بالانتماء إلى داعش، العشرات منهم أجانب، ويواجهون أيضاً اتهامات بدخول البلاد بطريقة غير شرعية.

وحضرت هيومن رايتس ووتش محاكمتين لطفلين من أذربيجان (13 و14 عاماً). حُكم على كل منهما بالسجن ستة أشهر بتهمة دخول البلاد بطريقة غير شرعية رغم أنهما كانا في سن 10 و11 عاماً عندما أدخلهما أبواهما إلى العراق، وقالا إنه لم يكن أمامهما أي خيار آخر.

ويواجه الأطفال الأكبر سناً عقوبات أقسى. فقد حكمت محكمة عراقية على مواطن ألماني في سن 16 عاماً، لاقت قضيته اهتماماً إعلامياً كبيراً، بالسجن ست سنوات: خمس منها بسبب الانتماء إلى داعش وعام سادس بسبب دخول العراق بطريقة غير شرعيّة.

وعادة ما يُحتجز الأطفال دون سن الثلاث سنوات مع أمهاتهم في زنازين تكون غالباً مكتظة. ويُفصل الأطفال بين سن ثلاث وتسع سنوات عن أمهاتهم المحتجزات ويوضعون في مؤسسات حاضنة تديرها الدولة العراقية.

أما الأطفال بين 9 و18 سنة، فيُحتجزون في مراكز احتجاز للأحداث. ويُترك الأيتام الأجانب في دور أيتام محلية. وفي حين نُقل بعض الأطفال الأجانب إلى دولهم الأصلية، ما زال آخرون ينتظرون نقلهم.

انتقاد محاكمات النساء

تقرّ هيومن رايتس ووتش بأن بعض النساء ربما ساهمن في الانتهاكات التي ارتكبها داعش، لكنها تقول إنه "يتعيّن على القضاة ضمان تمكين المتهمات وممثليهن من إعداد وتقديم جميع الأدلة أثناء الدفاع، بما في ذلك الظروف الفرديّة التي أوصلتهنّ إلى العراق، والتحقيق في مساهمتهن في انتهاكات داعش، إن وُجدت".

وتشير إلى أن "غياب الفرص لإعداد دفاع جيّد، والطبيعة الفضفاضة للتهم، والسرعة التي تمت بها المحاكمات، كلها تشير إلى أن هذه المحاكمات لم تراع معايير المحاكمة العادلة".

وتلفت إلى أنه في القضايا التي راقبتها، "يبدو أن السلطات العراقية لم تحقق بما يكفي في الأسباب التي دفعت بالأشخاص إلى السفر إلى مناطق داعش أو في الدور الحقيقي الذي لعبته هؤلاء النساء في المنظمة".

وقد يتسبب الحكم على النساء بالسجن 20 سنة أو الإعدام لمجرد أنهن سافرن مع أزواجهنّ للعيش في ظل داعش أو لزواجهن من أحد مقاتلي داعش أو حصولهنّ على مقابل شهري من داعش لقاء وفاة أزواجهن في انتهاك لمبدأ التناسب.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن على السلطات العراقية إعطاء الأولوية لمحاكمة المتورطين في أكثر الجرائم خطورة مع البحث عن بدائل أخرى لمَن أجبروا على السفر للالتحاق بداعش أو العيش في ظلّ التنظيم دون أن يؤذوا أي شخص في العراق. وقد تشمل هذه البدائل التعويض أو خدمة المجتمع أو المشاركة في الإجراءات الوطنية لكشف الحقيقة.

أما في ظل المقاربة العراقية الحالية، "فإن الذين ارتكبوا أعمال قتل لصالح داعش ينالون نفس العقوبة الصادرة ضد نساء تزوجن بعناصر من التنظيم وأنجبن منهم أطفالاً"، بحسب هيوم رايتس ووتش.

وبرأي المنظمة، "قد تتسبب المحاكمات الفضفاضة بتهم إرهابية لجميع المنتسبين إلى داعش، بصرف النظر عن خطورتها الجنائية، في نتائج ظالمة فتضيع في نهاية المطاف المسؤولية عن الجرائم المروّعة التي ارتكبها داعش".


رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي