شتائم، وشتائم بس.. لماذا يهين المصريون رئيسهم بدلاً من التظاهر ضده؟

شتائم، وشتائم بس.. لماذا يهين المصريون رئيسهم بدلاً من التظاهر ضده؟

"منه لله.. الرئيس الـ..." جملة قالها بغضب رجل خمسيني داخل إحدى عربات مترو أنفاق القاهرة الكبرى، وأنهاها بإهانة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مكونة من ثلاثة أحرف، تنتهي بحرف الصاد، وتعني في العامية المصرية الرجل القواد.

شتيمة الرجل للسيسي تأتي بعد ساعات قليلة من قرار رفع أسعار الوقود، والذي تسبب في حالة غضب شعبي، اتخذ شكل الشتائم فقط، لكنه لم يؤدي،على الأقل حتى هذه اللحظة، إلى التظاهر في الميادين ضد الرئيس المصري.

وفي السنوات الأخيرة، واعتراضاً على قرارات اقتصادية يرى النظام المصري أنها "تصب في مصلحة المواطنين"، بينما يعتبرها المصريون قرارات قاسية، كثر من تفنن في توجيه شتائم من كل شكل ولون للسيسي، وأصبح من الشائع أن تخرج شتائم من أفواه المصريين في أماكن مختلفة، منها،  المقاهي، وسائل المواصلات، الأسواق الشعبية، وحتى بعض مقرات المصالح الحكومية.

ويمكن النظر لتوجيه شتائم للسيسي ، باعتباره شكل الاعتراض الوحيد تقريباً، الذي يستطيع المواطن العادي القيام به، خصوصاً بعد أن صار التظاهر من دون ترخيص، جريمة بحسب القانون المصري.

لماذا يشتم المصريين السيسي؟

"أشتمه حتى لا أموت من الغيظ" هكذا يقول حسام غالب، 28 سنة، والذي يعمل سائق توكتوك، لرصيف22 ويضيف أن السيسي، هو المسؤول الوحيد عن كل القرارات التي يعتبرها الشاب "تدوس على المواطن الفقير، وتقتله كل يوم بالضربة القاضية"، لذلك يفضل أن يشتمه هو وليس الحكومة.

"لا يعني أبداً إنني حين أشتم السيسي إنني شخص غير محترم، بل على العكس، أنا بصفة عامة لا أشتم أي إنسان، وأرى أن الشتيمة أمر غير أخلاقي، لكن مع السيسي الأمر مختلف، أحياناً أشعر أن شتيمته حق، وتجعلنا نحصل على حسنات، ما يقوم به من قرارات تجعله يستحق الشتيمة عن جدارة". يقول غالب.

لكن على العكس يقول أحمد علي، الذي يعتبر نفسه أحد الداعمين بقوة للرئيس المصري، أن توجيه شتائم للسيسي أمر غير أخلاقي، ويدل على أن المعارضة في مصر "أصبحت فارغة، ضعيفة، وغير قادرة على الاعتراض باحترام"، بحسب تعبيره.

يعتبر علي أن الاعتراض الحقيقي لا يجب أن يصاحبه شتائم من شعب يدعي أنه "متدين بطبعه".

ولم يكن الحديث مع مواطنين عاديين عن أسباب شتيمتهم للسيسي أمراً سهلاً، فرغم أن بعضهم يمارس هذا الفعل بشكل متكرر وفي أماكن عامة، لكن هناك حالة خوف من الحديث عن ذلك الأمر لوسائل الإعلام.

يتشابه الأمر مع فكرة الخوف من التظاهر ضد الرئيس المصري، فالأمن مستعد بشكل دائم للقبض على من يفكر في التظاهر ضد السيسي، لكنه يتسامح بشكل ما ضد من يقومون بإهانته في الأماكن العامة، وكأن الأمر ترجمة لجملة "اتركوا الناس تنفس عن غضبها، ما داموا لا يتظاهرون".

ويوم 11 مايو الماضي، وبعد قرارات رفع أسعار تذاكره، تحولت محطات مرفق مترو أنفاق القاهرة الكبرى إلى ثكنات عسكرية، وتم القبض على مواطنين شاركوا في احتجاجات محدودة ضد القرار، لا زالوا يحاكمون حتى الآن بتهمة التظاهر من دون ترخيص، والانضمام لجماعة محظورة هي جماعة الإخوان، وتخريب ممتلكات عامة.

ما أبرز الشتائم الموجهة للسيسي؟

إهانات عدة توجه للسيسي في الأماكن العامة في مصر، أشهرها كلمة، "عـ.."، والتي كانت في الأساس حملة على وسائل التواصل الاجتماعي قام بها أنصار جماعة الإخوان المسلمين، حين أعلن السيسي ترشحه لرئاسة مصر في العام 2014، وانتشرت وقتها على الحوائط المصرية جملة "انتخبوا العـ..".

لكن الكلمة سرعان ما خرجت من بين أنصار الرئيس المصري الأسبق المنتمي لجماعة الإخوان محمد مرسي، وأصبحت تستخدم على نطاق أوسع بين كثر من المصريين حتى من غير المنتمين لتيارات سياسية.

الكلمة التي بها إهانة لشخص الرئيس نفسه ليست الوحيدة، فهناك شتائم أكثر تستخدم ضد السيسي، تبدأ بكلمة "ابن..." وتليها صفة تحمل إهانة لوالده أو والدته.

أقوال جاهزة

شارك غردبحسب القانون من يسب شخص مثل رئيس الجمهورية سيعاقب بناء على المادة 185 من قانون العقوبات، بغرامة لا تقل عن 10,000 جنيه، أما إذا تضمن السب طعناً في عرض الأفراد أو خدشاً لسمعة العائلات، فيكون الحكم بالحبس والغرامة معاً

شارك غردسبّ الرئيس السيسي آخر صيحة اليوم والسلطات تغضّ النظر لان السبّ يخفف الاحتقان لكن الخط الأحمر هو التظاهر او الدعوة للتظاهر، هذا ما يخيف السلطة اليوم

حتى الدعاء على السيسي يعاقب عليه القانون

يرى محامي مصري، فضل عدم ذكر اسمه، أن السب والقذف أمر يعاقب عليه القانون المصري، ويلفت إلى أن الكثير من نشطاء الإنترنت يحاكمون حالياً بتهمة سب وقذف الرئيس المصري على الإنترنت، وهو ما يعرف إعلامياً بجريمة إهانة الرئيس.

"بحسب القانون فأن النشاط الإجرامي المكون لجريمة السب يتحقق حين يسند المتهم إلي المجني عليه عيباً معيناً يمكن أن يخدش شرفه أو اعتباره، وأحد الأمثلة على ذلك، أن يقول عنه أنه فاسد أو نصاب، أو ظالم، كذلك يعاقب القانون كل من يستخدم أي تعبير من شأنه الحط من قدر المجني عليه، على سبيل المثال وصف المجني عليه بأنه حيوان أو كلب أو إبن كلب" يقول المحامي.

بحسب المحامي فانه حتى الدعاء على السيسي أمر يعاقب عليه قانون العقوبات المصري، مؤكداً أن الركن المادي في جريمة السب يتحقق سواء إذا كانت عبارات السب صريحة أو ضمنية، مثل أن يتم الدعاء على المجني عليه بالشر، كالدعاء بموته أو سقوطه.

يكمل المحامي أن عقوبة السب البسيط بحسب القانون المصري هي الغرامة المادية، التي لا تقل عن ألف جنيهاً مصرياً، ولا تزيد علي عشرة ألف جنيهاً، لكن العقوبة تشدد إذا كان السب موجهاً إلى موظف عام.

وبحسب القانون فأن من يسب شخص مثل رئيس الجمهورية سيعاقب بناء على المادة 185 من قانون العقوبات، بغرامة لا تقل عن عشرة ألآف جنيهاً، أما إذا تضمن السب طعناً في عرض الأفراد أو خدشاً لسمعة العائلات، فيكون الحكم بالحبس والغرامة معاً، وفقاً للمادة 308 من قانون العقوبات.

"ورغم انتشار الشتائم الموجهة للسيسي في الشوارع المصرية والتي تكون علنية، إلا إنه غالباً لا يتم القبض على من يقوم بهذا الفعل، وهو ما اعتبره شخصياً موافقة ضمنية من النظام على أن يهين المصريين الحكومة أو حتى الرئيس، كنوع من أنواع التنفيس عن الغضب، بشرط ألا يقرروا التظاهر والاحتجاج المنظم، فوقتها لن يتسامح الأمن على الإطلاق".

يبرر المحامي على صحة وجهة نظره بأنه حتى الآن لم يتم مسح عبارات عدة على الحوائط المصرية بها إهانات للسيسي، بينما يتم القبض على من يحرضون على التظاهر سواء على الإنترنت أو على أرض الواقع في نفس اللحظة تقريباً.

أنت تشتم؟ إذاً أنت صادق

رغم أنه لا يمكننا أبداً اعتبار إطلاق الشتائم أمر أخلاقي، إلا أن هناك دراسة هولندية حديثة تظهر أن هناك علاقة قوية بين الشتم والصدق.

تظهر الدراسة التي تبحث العلاقة بين الشتم والصدق والوضوح في الأشخاص والمجتمع، أنّ الأشخاص الذين يطلقون الشتائم غالباً ما يكونون أكثر صدقاً من غيرهم، وأنه بالفعل هناك علاقة قوية بين الفرد الذي يشتم وعنصر الصدق لديه.

لكن هل يعني هذا أن نشتم دائماً؟ بالتأكيد لا، ولا تنصحكم أبداً الدراسة الهولندية بالقيام بهذا الفعل خصوصاً إذا كان الأمر سيعرّضكم لعقوبة أو اعتقال.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي