كفريا والفوعة... قصة آخر المناطق المحاصرة في سوريا

كفريا والفوعة... قصة آخر المناطق المحاصرة في سوريا

في الأيام الماضية، تجددت الاشتباكات في بلدتي كفريا والفوعة، البلدتين السوريتين الشيعيتين، لتعيد التذكير بالمصير المؤجل لما يُعتبر آخر المناطق المحاصرة في سوريا.

وبدأت الاشتباكات مع قيام هيئة تحرير الشام، بقيادة جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) وتجمع سرايا داريا وفيلق الشام بالتسلل إلى نقاط قريبة من البلدتين في ريف إدلب الشمالي، ورد الجيش السوري بغارات على مناطق في إدلب.

"لم نكن نشعر باختلاف المذهب"

"لم نكن نشعر باختلاف المذهب"، يصف المدير التنفيذي للمركز السوري لدعم الديمقراطية والحريات العامة حمود قطيش العلاقة بين أهل الفوعة وكفريا وبين سكان باقي بلدات وقرى محافظة إدلب قبل الثورة.

كانت علاقات أبناء البلدتين جيّدة مع جيرانهم، وارتبط بعضهم ببعض بشبكات صداقة ومصاهرة، ولم يكن يظهر إلى العلن التمييز بسبب الخلاف المذهبي.

ويقول أبو يوسف خضرة، أحد أهالي الفوعة، إن أبناء البلدتين بعيدون كل البعد عن الطائفيه، "فزوجة أخي وزوج ابنتي سنيان، بينما زوج ابنتي الأخرى وزوجة ابني علويان".

ويروي قطيش لرصيف22 أن أهالي البلدتين كانوا يحظون بمعاملة متميزة في دوائر الدولة، وخصوصاً في عهد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، بحكم علاقاتهم المميزة مع إيران، حليفة النظام.

ويشير إلى أن سكانهما تربطهم علاقات وثيقة مع طهران، تختلف عن السائد في باقي أرجاء سوريا، نظراً لأنهم من نفس المذهب، وكانت وفود إيرانية تأتي إليهم، وتضم علماء دين وشخصيات سياسية وعامة، بعلم الدولة السورية.

حصار البلدتين

نجحت فصائل المعارضة السورية المسلحة، في بدايات الحرب السورية، عام 2012، في انتزاع محافظة إدلب بالكامل من النظام، وقطعت الطرق التي تربط الفوعة وكفريا بالمناطق التي بقيت تحت سيطرة النظام، وبالتالي فرضت عليهما حصاراً لا يزال مستمراً.

ولكن للمقاتلين المعارضين وجهة نظر مختلفة للأحداث. "لم نأتِ للانتقام ولكن هذا الحصار وسيلتنا الوحيدة لإنقاذ أهلنا"، بهذه الكلمات يشرح القيادي في أحرار الشام وأحد قادة القوات التي تحاصر البلدتين، راشد قيدار، أسباب الحصار.

ويشير راشد، وهو أحد أبناء الزبداني التي حاصرها النظام السوري وحلفاؤه لمدة ست سنوات حتى هجر أهلها منها إلى الشمال السوري، إلى أنه والمقاتلين الذين خرجوا من الزبداني تسلموا نقطة مرابطة على ثغور البلدتين لفرض الحصار عليهما بهدف فك الحصار عن مضايا والزبداني اللتين فتك الجوع والبرد بأهلهما بسبب حصارهما.

ويعتبر أن حصار البلدتين كان ورقة الضغط الوحيدة التي ساهمت في فك حصار النظام لأهالي الزبداني.

بداية الأزمة

يروي أبو يوسف خضرة لرصيف22 أنه في بداية الأزمة أيدت البلدتان النظام بعكس جيرانهما، وبدأ الخلاف مع الأخيرين برغم الروابط الاجتماعية معهم من زواج متبادل وأفراح، و"في البداية حاول العقلاء من الطرفين إيجاد حلول للخلافات، ولكن في أحد الاجتماعات تم طرد وفد البلدتين بطريقه مهينة".

بعد ذلك، بحسب خضرة، بدأ المسلحون بالتضييق على الخارجين من البلدتين إلى إدلب لممارسة أشغالهم، وتلت ذلك عمليات خطف بعضهم والتفاوض على المال لإطلاق سراحهم، وقتل عدد من أبناء البلدتين بذريعة أنهم يتعاملون مع الدولة.

أقوال جاهزة

شارك غردهناك عائلات أخرجت أطفالها فيما بقي الكبار، وأخرى قُتل جميع أبنائها، وعائلات بقي منها طفل واحد بدون أهل، وأخرى أسرت ولا تزال مفقودة... قصة الفوعة وكفريا، آخر المناطق المحاصرة في سوريا

وفي إحدى الحوادث، خطف مسلحون حافلة كانت متوجهه إلى دمشق، فقام أهالي البلدتين بعمليات خطف مضادة لأشخاص من البلدات المجاورة، وانتهت القصة بتسليم المخطتفين لديهم مقابل جثث مخطوفيهم.

ولم يطل الأمر كثيراً على هذا الحال حتى جرى إحكام الحصار على البلدتين.

سنوات الجوع

يصف خضرة حصار البلدتين بـ"المهول"، ويروي: "لا طعام إلا القليل مما تنبته الأرض أو ما يأتي عن طريق الإسقاط بالمظلات، أو عن طريق عمليات التهريب التي قُتل خلالها نحو 50 شخصاً من أبناء البلدتين. وبلغت المواد الغذائية أسعاراً فلكية".

ولكن كثيرين يرون أن حال أبناء الفوعة وكفريا كان أفضل من حال المناطق التي كانت تحاصرها قوات النظام السوري لأن طائرات كانت تسقط لهم المساعدات بواسطة المظلات.

ولكن خضرة يقول: "ما تسقطه الطائره لا يكفي لربع السكان وكل أسبوع يسقطون كمية من الخبز، حصة الشخص منها رغيف ونصف، عدا استهداف الفصائل المسلحة للمظلات، وعدم انتظام عمليات الإمداد".

عانى أبناء البلدتين لتأمين قوتهم كثيراً. "الخضروات والفاكهة لم يعرفها السكان لمدة ثلاث سنوات، وأحياناً تبقى أسر بلا طعام ليومين أو أكثر"، يقول خضرة.

"دفعت أصغر أبنائي ثمناً لقصف المسلحين"، يتحدث خضرة عن عمليات قصف البلدتين التي بدأت في أغسطس 2015، وأسفرت عن سقوط المئات قتلى والآلاف جرحى.

"لا تترك الدماء ساحة البلدتين يوماً"، يضيف مشيراً إلى أن 60% من المنازل تدمّرت ولم يبقَ سوى مستشقى واحد مع كادر طبي غير كافٍ والأدويه نادرة، يتلف أغلبها أثناء إسقاطها من الجو.

وأشار خضرة إلى أن المقاتلين في المدينتين ينتمون إلى قوات الدفاع الوطني مع تشكيل لجان شعبية، وحالياً دمجوا في مجموعة واحدة، ويمنع خروج مَن عمرهم أقل من 17 عاماً للقتال.

الرواية الأخرى

يقبع أبو قيس الحلبي، إعلامي سوري من بلدة تفتناز، على الجهه الأخرى من البلدتين، عند نقاط مرابطة المحاصِرين التي تنتشر في بلدات محاذية هي تفتناز، بنش، طعوم، زردنا، رام حمدان، معرة مصرين.

يقول أبو قيس إن مقاتلي المدينتين يتزودون بالسلاح والذخيرة عبر مساعدات ترميها عبر مظلات طائرات ترسلها الأمم المتحدة على أنها مساعدات إنسانية، ويقوم النظام بتجهيزها في مطار دمشق الدولي ويضع فيها أنواعاً من الذخيرة.

ويشير إلى أنه اكتشف ذلك عبر عملية إسقاط فاشلة، حين انحرفت مظلتان عن طريقهما في الجو، وهبطتا في القرى المحاذية، وكان في أول مظلة مبلغ ملياري ليرة سورية، وفي الأخرى ذخيرة لرشاشات ثقيلة.

"نظام مرابطة غير مُحكم". هكذا يصف الحلبي حصار الفصائل للبلدتين، فهناك ثغرات ومواقع جغرافية لا تسمح بوضع نقاط مراقبة عليها لأنها مكشوفة تماماً أمام القناصات، ويتم استغلال هذه الثغرات والمساحات ليلاً من قبل تجار التهريب.

وقال الحلبي إن القصف على البلدتين متقطع بحسب هجوم مقاتليهما على نقاط المرابطة، معتبراً أن البلدات المحاذية تدفع فاتورة الحصار، وآخر خسائرها سقوط عشرات القتلى في الأيام الماضية جراء قصف النظام الجوي.

اتفاق المدن الأربع

برأي قطيش، كان حصار كفريا والفوعة جزءاً من خطة شاركت فيها أطراف الأزمة المختلفة لتحويل الحرب السورية إلى حرب طائفية. وبرأيه فإن هذا الحصار برّر للنظام حصار مدن سنية قبل تهجير قسم من سكانها باتجاه إدلب.

ولطالما استخدم حصار البلدتين في مقايضات كثيرة، إذ كان السماح بإدخال المساعدات إليهما سابقاً يُشرط بإرسال المساعدات إلى الزبداني ومضايا أو اليرموك.

وبرأي قطيش، كان لجبهة النصرة اليد الطولى في رسم هذا الشكل الطائفي للحرب، فهي تسيطر على المنطقة الأكبر حول البلدتين.

وفي 12 أبريل 2017، دخل حيّز التنفيذ اتفاق يقضي بخروج مسلحين وجرحى من بلدتي الفوعة وكفريا مقابل خروج مثلهم من مضايا والزبداني في ما عُرف بـ"اتفاق البلدات الأربع".

وحين خرجت حافلات من القرتين الشيعيتين المحاصرتين، تعرضتا في 15 أبريل لتفجير أسفر عن سقوط نحو 150 قتيلاً بينهم عشرات الأطفال.

ولكن هذا الاعتداء لم يمنع استكمال الاتفاق الذي كانت نتيجته تفريغ مضايا والزبداني من المسلحين فيما بقي مسلحو الفوعة وكفريا داخل بلدتيهم، علماً أن الاتفاق كان يقضي بخروج كل أبنائهما وعددهم 16 ألفاً.

"خيانة". هكذا يصف قطيش الاتفاق المذكور الذي رعته إيران وقطر.

ويكشف خضرة أن الاتفاق أفضى إلى خروج 3000 شخص من الفوعة وكفريا. وكان هو من الخارجين من الفوعة بعد التفجير بأربعة أيام، ويروي أن الحافلة التي تتسع لـ50 شخصاً استقلها 80.

بعد خروج الخارجين باتجاه حلب، وُزّعوا حسب رغبتهم على دمشق واللاذقية وحمص وطرطوس.

وتفسر ورود شحادة، منسقة شبكة أخبار كفريا والفوعة، وتقطن في بلدة كفريا، رفض سكان البلدتين لاتفاق المدن الأربع بالمأساة التي حلّت على أولى الدفعات المغادرة وبعدم استكمال إخراج باقي الدفعات، مضيفة أن القوى المسيطرة على القرى المحيطة تتكوّن من عدة فصائل ولا توجد جهة وحيدة للتفاوض معها.

وقالت شحادة لرصيف22: "باقون في أرضنا ونفضل الموت العزيز فيها على الخروج المذل"، لافتةً إلى أن الأهالي وضعوا شروطاً للخروج من البلدتين وهي أن يكون الإجلاء دفعة واحدة بضمانة تركية روسية يحققها رتل عسكري من الشرطة العسكرية التركية والروسية، وأن يخرج السكان بآلياتهم ويأخذوا معهم بعضاً من ممتلكاتهم المادية.

ويصف مراسل التلفزيون السوري في الفوعة محمد زنوبة المشهد الحالي بقوله لرصيف22: "هناك عائلات أخرجت الأطفال فيما بقي الكبار، وأخرى استشهدت بالكامل، وعائلات بقي منها طفل واحد بدون أهل، وأخرى أسرت ولا تزال مفقودة، والوضع على شفير كارثة إنسانية قد تودي بحياة أكثر من 3000 طفل.

وبرأي الحلبي، لن يتم تغيير الوضع الحالي إلا بسيناريوهين: الأول دخول القوات التركية إلى إدلب، والثاني اعتبار إدلب فدرالية ومنع القصف الجوي عبر اتفاق يتضمّن إخراج أهالي البلدتين.


كلمات مفتاحية
حصار

التعليقات

المقال التالي