حين يستخدم التسلّط ذريعة "التخابر مع إسرائيل"... عن محنة البهائيين في اليمن

حين يستخدم التسلّط ذريعة "التخابر مع إسرائيل"... عن محنة البهائيين في اليمن

عندما اجتاح المسلحون الحوثيون صنعاء في 21 سبتمبر 2014، كان المحقق راجح سعد الدين زايد مشغولاً بملف القضية 232 التي كرّس لها جل جهده ووقته، إلى درجة أن القتال الذي شهدته المدينة لم يكن ليثير اهتمامه إلا حين يعيق عمله.

نهار 29 أكتوبر 2014، امتنع موظفو القلم الجنائي عن مساعدة زايد في تحرير محاضر التحقيق، فكتب بلغة غاضبة يشكوهم إلى رئيس النيابة مذكراً إياه بخطورة القضية التي يعمل عليها. وفي الأيام التي تعذّر فيها إحضار المحبوس بسبب الفوضى الأمنية، كان زايد يذهب بنفسه إلى السجن ليحقق معه.

لم يكن ذلك المحبوس الذي اعتبره زايد عدواً خطراً سوى البهائي حامد بن حيدرة، 53 عاماً، المهندس المدني الذي شيّد جسوراً كثيرة في اليمن على ما تقول زوجته إلهام زراعي لرصيف22، راويةً كيف بقيت منذ ديسمبر 2013 لشهور تتنقل بين حضرموت وصنعاء بحثاً عن زوجها قبل أن تعلم أنه مختطف لدى جهاز الأمن القومي (المخابرات).

تحض البهائية على السلام وطاعة الحكومات ونبذ الجهاد. هي "إسلام خال من العنف وأقل خرافة"، كما يصفها الناشط نزار مزارعة، 39 سنة، والذي تربطه علاقات صداقة ببهائيين، في حديثه لرصيف22. بيد أن طابعها السلمي هذا لم يحمها من بطش السلطات والجماعات الإسلامية المتشددة.

يعود استهداف البهائيين في اليمن إلى عام 2008، إلا أنهم لم يتعرضوا لاضطهاد جماعي ممنهج كما يحدث حالياً على يد الحوثيين، وفق المبادرة اليمنية للدفاع عن البهائيين.

إضافة إلى بن حيدرة، لا يزال خمسة أفراد آخرين من الطائفة البهائية، وهم أكرم عياش، وائل العريقي، وليد عياش، بديع الله سنائي، ورجل آخر، محتجزين بعد أن اعتقلهم الحوثيون في الفترة ما بين أبريل وأكتوبر 2017.

كما يقبع كيوان قادري، وهو مواطن إيراني وُلد وعاش كل حياته في اليمن، رهن الاحتجاز منذ أغسطس 2016، وهو آخر محتجز من مجموعة قوامها 50 شخصاً اعتُقلوا جماعياً في 10 أغسطس، بسبب دينهم على ما يبدو.

إعدام مجاني

تكشف وثائق القضية 232 عن كيفية استخدام السلطات القوانين وجهاز القضاء كغطاء لقمع المعارضين والمخالفين، وتكشف كيف ترفع الأنظمة التسلطية شعار "لا صوت يعلو على صوت المعركة مع إسرائيل"، بغاية سحق حرية وكرامة مواطنيها.

لم يدرج مجلس الأمن الدولي اليمن تحت البند السابع ولم تندلع الحرب الأهلية اليمنية التي مزّقت نسيج المجتمع بسبب البهائية ولا بسبب الهندوسية، بل نتيجة لانقلاب 21 سبتمبر 2014 الذي نفّذته حركة أنصار الله (الحوثيون) التي ترفع شعار "الموت لأمريكا الموت لإسرائيل".

عندما قضت المحكمة الجزائية الابتدائية المتخصصة في صنعاء، في مطلع يناير الماضي، بإعدام بن حيدرة تعزيراً، بتهمة التخابر مع إسرائيل والتآمر على وحدة واستقلال اليمن وتحريض اليمنيين على ترك دينهم، كان البلد قد فقد استقلاله وتحوّل إلى كانتونات مذهبية وجهوية موالية لدول إقليمية تتصارع فوق أرضه بواسطة أبنائه.

يحظر القانون اليمني على النيابة حجز أي شخص أكثر من سبعة أيام ويعطي للقاضي وحده صلاحية مدّ الحبس الاحتياطي لمدد متعاقبة لا تزيد جميعها على 45 يوماً. ولكن هذا الأمر لم يطبّق في حالة بن حيدرة، المعتقل منذ الثالث من ديسمبر 2013.

ظهيرة 23 نوفمبر 2014، نفد صبر بن حيدرة فامتنع عن الإجابة على أسئلة المحقق زايد متهما إياه بعدم الحياد. وبدلاً من الاستجابة لطلبه، مدد القضاة حبسه وأبقوه في السجن المركزي وهو مكان لا يودع فيه إلا مَن حُكم عليه بحكم بات.

هيمن الخطاب التآمري على مسار المحاكمة. عندما تليت رسالة لمنظمة العفو الدولية تدعو إلى إطلاق غير مشروط لسراح البهائي بن حيدرة، اتهم ممثل النيابة المنظمة والأمم المتحدة بتنفيذ مخطط لجعل جزيرة سقطرى موطناً للبهائيين.

أقوال جاهزة

شارك غرديقول بهائيون يمنيون إن تواصلهم مع بيت العدل الأعظم الموجود في مدينة حيفا هو مثل تواصل أي مسلم بمراجعه الدينية كالأزهر والنجف وغيرها، ويتهمون إيران بالوقوف وراء اضطهاد البهائيين في اليمن

شارك غرديعود استهداف البهائيين في اليمن إلى عام 2008، إلا أنهم لم يتعرضوا لاضطهاد جماعي ممنهج كما يحدث حالياً على يد الحوثيين

تصف مدونة السلوك القضائية القضائي بـ"ظل الله على الأرض لتحقيق العدالة"، ولكن لا يزال القضاء اليمني في مقدمة المؤسسات الأكثر فساداً وتبعية للسلطة التنفيذية حسب تقارير متنوعة.

بقرارهم إعدام اليمني من أصل إيراني حامد بن حيدرة، أنجز الحوثيون الشق الثاني من المهمة التي بدأتها حكومة الوفاق الوطني التي تشكلت في نهاية 2011، مناصفة بين النظام السابق والأحزاب المؤيدة لثورة 11 فبراير الشبابية.

وفي مختلف المراحل، لم يحصل المتهم على محاكمة عادلة وفق ما تظهر وثائق القضية 232.

علاوة على اعترافات أنكرها المتهم قائلاً إنه أُجبر تحت التعذيب على التوقيع عليها، استند قرار النيابة ضد بن حيدرة على مراسلات بينه وبين بيت العدل الأعظم، المركز الروحي للبهائيين ومقره في مدينة حيفا في فلسطين، وهي مراسلات تتعلق بأمور إدارية ودينية وشراء أراضٍ لبناء معابد بهائية.

وعلى رغم مضي نحو خمسة شهور على حكم إعدامه، إلا أن بن حيدرة لم يحصل حتى الآن على نسخة من الحكم، وفق ما ذكر لرصيف22 محاميه عبد الكريم الحمادي، وهو ثاني محام يترافع عنه بعد انسحاب محاميه السابق، على خلفية سيطرة الحوثيين على السلطة وتعليقهم للدستور في ربيع 2015.

يقول بهائيون يمنيون إن تواصلهم مع بيت العدل مثل تواصل أي مسلم بمراجعه الدينية كالأزهر والنجف وغيرها، ويتهمون إيران بالوقوف وراء اضطهاد البهائيين في اليمن.

وذكر ناشط شارك في إحدة جلسات مجلس حقوق الإنسان أن المندوب الإيراني في المجلس سعى إلى إلغاء توصية تدين ما يتعرّض له بهائيو اليمن.

وفي سبتمبر 2017، أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً أعرب فيه عن القلق من "القيود الشديدة المفروضة على حرية الدين أو المعتقد، بما في ذلك القيود المفروضة على الأقليات مثل أعضاء الإيمان البهائي"، ودعا إلى "الإفراج الفوري عن جميع البهائيين المحتجزين في اليمن بسبب معتقدهم الديني، ووقف إصدار مذكرات توقيف بحقهم، ووقف المضايقات التي يتعرضون إليها".

وفيما اعتبر ناطق باسم الجماعة البهائية في اليمن أن عدم تسليمهم نسخة من محضر النطق بالحكم يخفي محاولة للتلاعب بأوراق القضية، قال المحقق زايد إن هناك أدلة جديدة، لم يفصح عنها، تكشف عن تشكيل شبكة بهائية وعن ضلوع السفارة البريطانية في هذا المخطط.

وعندما سأله رصيف22 عمّا إذا كان لدى النيابة أو المحكمة دليل على ارتباط بيت العدل بالحكومة الإسرائيلية، امتنع عن الإجابة مكتفياً بالقول: "نحن لا نلفّق".

مصادر قضائية طلبت عدم الكشف عن هويتها بسبب تواجدها في صنعاء اعتبرت تصنيف بيت العدل كمؤسسة إسرائيلية لا يفتقر للدليل فقط بل وينطوي على اعتراف ضمني بالدولة العبرية التي يزعم قادتها أن وجودها قديم قدم المعالم الدينية كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وبيت العدل.

دين الديمقراطية؟

مثلما أدى إفلاس الإيديولوجيات الشمولية من قومية ويسارية إلى انضمام كثيرين إلى جماعات الإسلام السياسي، كذلك يبدو أن جمود الفقه الإسلامي وعنف بعض جماعاته السياسية أدّيا إلى تحوّل كثر إلى ديانات أخرى.

ففي وقت تتقاتل المذاهب الإسلامية في ما بينها، تبدو البهائية وجهة يمنيين وخليجيين باحثين عن ملاذ روحي يستوعب نمط الحياة المعاصرة.

عندما أطل زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في 23 مارس الماضي عبر شاشة فضائية المسيرة، محرضاً على البهائيين، كانت جماعته قد انتهت لتوها من تطهير جغرافيا انتشار أبناء المذهب الزيدي من اليهود اليمنيين والسلفيين السنة.

لم يكن الحوثي وغيره من القيادات الشيعية والسنية يعلمون، على الأرجح، أن انتشار البهائية والمسيحية وكذا الإلحاد ليس مؤامرة دولية كما يزعمون بل نتيجة مأزق يعاني منه الإسلام نفسه، وهو مأزق كل عقيدة دينية لا تكتفي بأن تكون ديناً بل تحاول أن تصبح كل شيء حتى في السياسة والاقتصاد والعلم... على حد قول مزارعة.

قبل خمس سنوات، كان الباحث في مركز الدراسات وبحوث العمل، عبد الله العلفي من المسلمين المدافعين عن البهائيين ثم صار أحد اتباع البهائية وناطقاً باسمها في اليمن.

جاء ذلك "بعد أن وجدت الله في البهائيين أنفسهم. وجدته في أعمالهم وإنسانيتهم ووعيهم الحضاري ومبادئهم الأخلاقية وحبهم للبشرية ونظريتهم للتقدم الإنساني"، يقول العلفي لرصيف22

بتحريمها العنف وقولها بأولوية العقل على النقل والمساواة بين الجنسين تقترب البهائية من مفاهيم معاصرة مثل الفردية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ما يعطيها جاذبية عند الأجيال الجديدة.

يرى مزارعة في البهائية امتداد لأفكار علماء وفلاسفة إسلاميين اتسموا بالعقلانية والاستنارة مثل ابن رشد وابن خلدون

وعلى رغم سطوة الأنظمة الشمولية في الخليج والجزيرة العربية وبطشها إلا أن البهائية حققت حضوراً في المدن وفي المناطق القبائلية، وبين البهائيين شيوخ قبائل مثل وليد عياش المعتقل لدى جهاز الأمن القومي.

إضافة إلى تركيزهم على تنمية المجتمع من خلال التعليم والعمل الخيري، استطاع البهائيون أن يقدّموا نموذجاً سلوكياً يحبب الناس بهم، حسب ما تؤكد لرصيف22 هند النصيري، 25 سنة، والتي جاورت عائلات بهائية في صنعاء، موضحة أن العائلات البهائية كانت تهتم بالموسيقى والأطفال وكانت في المناسبات الإسلامية تقدّم لجيرانها هدايا ووروداً.

يُقدّر عدد البهائيين في اليمن بنحو 2000 إلى 3000 بهائي، بيد أن العدد الحقيقي للبهائيين ربما كان أكثر من ذلك بكثير على ما يرشح من الظهور العلني في الأنشطة الدينية ومن القوائم التي نشرتها الأجهزة الأمنية.


التعليقات

المقال التالي