2.5 مليار دولار للأردن... لماذا تدخّلت دول الخليج في هذا التوقيت؟

حرب في سوريا، أزمة خليجية، انتخابات مثيرة للجدل في العراق، مؤتمر دولي لمساعدة ليبيا، انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر، أزمة إنسانية في اليمن، أوضاع مشتعلة في غزة... قد تكون هذه أبرز العناوين التي اهتمت بها وسائل الإعلام العالمية في حديثها عن أحوال الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. لكن الأردن ظل هادئاً وبعيداً بشكل ما عن الأحداث الصاخبة غير المسبوقة التي تمر بها المنطقة.

إلا أن البلد الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 9.5 مليون نسمة، دخل مؤخراً على خط الأحداث المشتعلة، في أواخر مايو من العام الحالي، بعد أن خرجت احتجاجات شعبية واسعة ضد قانون رفع ضريبة الدخل، واعتراضاً على رفع أسعار الوقود والكهرباء، نادى المتظاهرون خلالها بإسقاط الحكومة.

وتفاعلاً مع ذلك، قام رئيس الوزراء الأردني هاني الملقي، في الرابع من يونيو، بتقديم استقالته، عقب لقائه بالملك عبد الله الثاني، ثم تم تكليف عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة. وفي السابع من يونيو، أعلن الرزاز أنه سيسحب القرارات التي تسببت في غضب الأردنيين.

لكن رغم ذلك، لم تهدأ الأوضاع، وهو الأمر الذي جعل بعض دول الخليج تتدخل في مسعى لـ"مساعدة الحكومة الأردنية على تجاوز الأزمة التي تمر بها".

تظهر جملة أسئلة: لماذا تدخل الخليج في هذا التوقيت بالذات؟ وهل ينهي تدخله فعلياً الاحتجاجات في الأردن؟ وماذا عن صندوق النقد الدولي الذي يصر على أن تقوم المملكة الأردنية بعدة إصلاحات اقتصادية؟

قمة مكة

مساء العاشر من يونيو، وصل الملك عبد الله الثاني إلى السعودية، للقاء العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، وأمير الكويت الشيخ صباح الجابر الأحمد الصباح، ونائب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بهدف مناقشة الأزمة الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

انتهت "قمة مكة" التي دعا إليها الملك سلمان بتقديم كل من السعودية والإمارات والكويت مساعدات بقيمة 2.5 مليار دولار أميركي للمملكة الأردنية.

وبحسب البيان الختامي للقمة، فإن هذا المبلغ سيتمثل بـ"وديعة في البنك المركزي الأردني، وبضمانات للبنك الدولي لمصلحة الأردن، وبدعم سنوي لميزانية الحكومة الأردنية لمدة خمس سنوات، وبتمويل من صناديق التنمية لمشاريع إنمائية".

يقول المحلل الاقتصادي الحسيني حسن لرصيف22 إن دول الخليج تدخلت في الوقت المناسب، مضيفاً أن الأزمة الاقتصادية في الأساس كانت قد وصلت إلى مرحلة خطرة تهدد استقرار الأردن سياسياً، ما قد ينقل الفوضى، بحال عمّت، إلى دول أخرى قريبة منه.

وأتت المساعادات الخليجية بعيد ساعات قليلة من حديث مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، عن مساعدات للأردن تبلغ قيمتها 20 مليون يورو، ما يعكس اهتماماً دولياً باستقرار المملكة.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تشهد فيها المملكة الأردنية أزمات "تأخذ شكلاً اقتصادياً"، بحسب حسن. ففي أكتوبر 2012، بدأت نقابات المعلمين والمهندسين والمهندسين الزراعيين إضراباً عاماً شمل معظم المدن الأردنية. ولم يختلف سبب غضب الأردنيين حينذاك عن السبب الحالي، إذ أتى نتيجة قرار الحكومة رفع أسعار معظم المواد الاستهلاكية وعلى رأسها المشتقات النفطية.

ويبرر الكاتب السعودي خالد السليمان في مقال نشرته صحيفة "عكاظ" السعودية مساعدة بلده وباقي الدول الخليجية للأردن بأنه يخدم المصالح الاستراتيجية السياسية والأمنية والاقتصادية للسعودية ودول الخليج في تأمين استقرار المنطقة، بالإضافة إلى "منع الانزلاق نحو المزيد من الاضطرابات المدمرة، وتعزيز القدرات على مواجهة المشروع الإيراني الذي يستهدفها".

أقوال جاهزة

شارك غردتدخلت دول الخليج في الوقت المناسب لمساعدة الأردن، فالأزمة الاقتصادية كانت قد وصلت إلى مرحلة خطرة تهدد استقرار البلد سياسياً، ما قد ينقل الفوضى، بحال عمّت، إلى دول أخرى قريبة منه

ما أسباب الاحتجاجات الأردنية؟

السبب الأبرز للاحتجاجات التي شهدها الأردن مؤخراً كان الزيادة المقترحة على ضريبة الدخل، والتي تلزم كل مَن لديه دخل سنوي قدره 8000 دينار أو أعلى، بدفع ضريبة الدخل، على أن تكون تصاعدية، ما يعني أن مَن يحصلون على رواتب أعلى ستكون ضرائبهم أكبر، وأن الشركات ستضطر لدفع ضريبة أكبر.

واعترض 78 نائباً على القانون الذي يتضمن أيضاً تشديد العقوبات على المتهربين من الضرائب، واعتبروا أن الأمر ليس في مصلحة الشعب الأردني سواء الاقتصادية أو الاجتماعية.

السبب الآخر للاحتجاجات هو قرار الحكومة رفع الأسعار، وإضافة ضريبة تصل إلى 5.5% على أسعار المحروقات، و19% على أسعار الكهرباء. لكن تطور الأحداث أجبر السلطة الأردنية على تجميد تلك الزيادات.

بحسب الحسيني حسن، فإن الأزمة الحقيقية التي أوصلت الأوضاع في الأردن إلى هذا الحد تتعلق بالقرض الذي حصلت عليه الحكومة الأردنية من صندوق النقد الدولي، عام 2016، بقيمة 723 مليون دولار، ووافقت بموجبه على إجراء إصلاحات اقتصادية.

وقالت الحكومة وقتها إن أسباب طلبها القرض هو تقليل الدين العام الذي وصل إلى 94% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأمر الذي جعلها تقرر اتباع سياسة تقشف يصاحبها فرض ضرائب جديدة.

وطالب صندوق النقد الدولي من الأردن القيام بعدة إصلاحات اقتصادية تجعلها قادرة على أخذ قروض أخرى لسداد ديونها الكبيرة، المقدرة بأكثر من 35 مليار دولار.

ويتوقع حسن أن تهدأ الأوضاع بدرجة كبيرة في الأردن بعد حزمة المساعدات الخليجية الضخمة، معتبراً أن أسباب الاحتجاجات اقتصادية بحتة.

ويضيف حسن أن التحدي الأكبر الذي يواجه الأردن الأن هو كيفية تهدئة الشعب الأردني، وفي نفس الوقت الاستجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي، وهي مهمة يصفها بـ"الصعبة جداً".

وأعلن الأردن أكثر من مرة أن اللاجئين السوريين الذين هربوا من بلادهم عقب الحرب تسببوا بمشاكل اقتصادية عدة، وساهموا بدرجة كبيرة في زيادة البطالة.

وتقول بعض الأصوات إن ما يحدث في الأردن حالياً سببه ضغط خليجي عليه بسبب سياساته المختلفة، وأحد تلك الأصوات صوت الكاتب القطري ربيعة بن صباح الكواري الذي تحدث بشكل مباشر في مقال له نشرته صحيفة الشرق القطرية عن أن السعودية والإمارات وراء الأزمة في الأردن.

يرى الكواري في مقاله أن السعودية والإمارات، و"مَن يقف وراءهما من الحلفاء وأصحاب المصالح" يستهدفون الأردن لأن مَن يختلف في سياسته الخارجية مع هذه الدول "أصبح مهدداً بالانتقام منه بأي وسيلة كانت وفي أي وقت تشاء دول الحصار وخاصة السعودية والإمارات" على حد تعبيره.

ومن الملفات الخلافية بين الدول الخليجية والأردن عدم قطع عمّان لعلاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة بعد الأزمة الخليجية، وعدم موافقتها على ما يُطرح بخصوص مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وقبل ذلك، عدم إرسال الأردن سوى وحدة صغيرة للمشاركة في القتال ضد المتمردين الحوثيين في اليمن.


رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
الاحتجاج تظاهرات

التعليقات

المقال التالي