خمسة أيام في بيت رئيس مصر... ماذا حدث في منزل زكريا محيي الدين وقت النكسة؟

خمسة أيام في بيت رئيس مصر... ماذا حدث في منزل زكريا محيي الدين وقت النكسة؟

"زكريا رجل عاقل ومتزن، ثم إنه قادر على التفاوض مع الأمريكان بسبب ميوله شبه العدائية للاتحاد السوفيتي". هذه الكلمات قالها الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل لترجيح كفة زكريا محيي الدين على حساب شمس بدران، فكان أن اختاره جمال عبد الناصر ليكون خليفته، في خطاب التنحي الشهير في التاسع من يونيو 1967، بعد النكسة، كما أوضح هيكل في كتابه "الانفجار".

كان كل شيء مفاجئاً. تنحى عبد الناصر عن الحكم بعد إعلانه أنه يتحمل المسؤولية كاملة عمّا حدث في النكسة، وأعلن أن بديله هو زكريا محيي الدين، أحد مؤسسي تنظيم الضباط الأحرار ومؤسس جهاز المخابرات العامة المصرية ورئيس وزراء سابق.

زكريا محيي الدين

هكذا، وبعد الزلزال الذي اجتاح الوطن العربي بعد تلك الاستقالة، كان هناك زلزال آخر في بيت مَن أصبح رئيساً لمصر.

في شقة في عمارة فاخرة بحي الزمالك الراقي، كان يسكن زكريا محيي الدين وقت إلقاء خطاب التنحي. هي نفس الشقة التي يقيم فيها الآن ابنه النائب في البرلمان المصري محمد.

رأى محمد كل شيء ويتذكر ما حدث جيداً، وتحدث لرصيف22 عن كواليس خمسة أيام عاشتها أسرته، من بداية النكسة وحتى إعلان التنحي وتنصيب والده ثم تراجع ناصر عن التنحي.

5 يونيو

يبدأ محمد زكريا محيي الدين حديثه بالقول: "لم أكن أتوقع أن هناك حرباً ولكن أبي كان يدرك ذلك جيداً، إلا أنه فوجئ بالتوقيت. يدل على ذلك أنه كان من المفترض أن يسافر إلى واشنطن في الخامس من يونيو من أجل عقد مفاوضات أخيرة مع الولايات المتحدة لتجنب الحرب. ولذلك كان صباحاً يمسك بشنطته قبل أن يسمع أنباء بدء الحرب".

محمد زكريا محيي الدين

تلك الواقعة يعتبرها محمد حسنين هيكل في كتابه "الانفجار" جزءاً من خطة الخداع الاستراتيجي التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد مصر لعدم اتخاذ أية تدابير عسكرية. أوهموا عبد الناصر أن هناك محاولة لتجنب الحرب من خلال اجتماع بين زكريا محيي الدين ومسؤولين أمريكيين ولكنها مقابلة لم تتم.

يشير محمد إلى أنه لم يُعر الأمر أي انتباه، خاصة أن البيانات العسكرية كانت تشير إلى أن مصر منتصرة، قبل كشف زيفها. ترك أبوه البيت بعد أول بيان، لكنه يتذكر والدته التي جلست طوال اليوم بعين شبه باكية بجوار الراديو، وحين سألها عن أبيه بكت، ولا يعرف سر هذا البكاء لكنها كما يؤكد، لم تنم الليل ولم يتصل أبيه.

6 يونيو

في اليوم الثاني لحرب 67، كان الأمر مختلفاً، بعد اتضاح الكارثة. يقول محمد إنه يوم الاتصالات في بيتهم. كانت البداية من محمد حسنين هيكل الذي اتصل ليعرف مكان والده ولم يكن أحد يعرف مكانه، ثم جاء اتصال آخر من السياسي السوري أكرم الحوراني و"حين أخبرته أن والدي غير موجود كان سؤاله عما يحدث"، يروي محمد.

ويكمل: "في منتصف اليوم جاء بعض أقارب والدتي ليحمونا من أي هجوم، وعرضوا علينا الانتقال إلى صعيد مصر كجزء من الحماية، وطوال تلك الفترة لم يأتِنا أي اتصال من والدي، واستمر حال والدتي كما هو. فقط أجرت بعض الاتصالات بأسرة عبد اللطيف البغدادي وحسين الشافعي للاطمئنان عليهم وعرفت من أسرة الأخير أن أبي في القيادة العامة للقوات المسلحة بجوار جمال عبد الناصر وكان هذا أول خبر عن مكانه".

زكريا محيي الدين مع عبد الحكيم عامر

7 يونيو

لا زال الرجل الذي سيصبح بعد ساعات رئيساً لمصر غائباً عن البيت. تروي منيرة زكريا محيي الدين لرصيف22 أنها كانت مَن استقبل مكالمة والدها الأولى في ظهيرة السابع من يونيو. ردت عليه ونادت والدتها ولم تستغرق المكالمة أكثر من دقيقة لكن والدتها قالت لهم بعد انتهاء المكالمة "بابا بخير وبعتلنا عساكر تحمينا".

وبالفعل، جاء ضابط وعسكريين ووقفوا أمام البيت و"عرفنا أن هذا الإجراء تم تعميمه على جميع أعضاء تنظيم الضباط الأحرار والشخصيات المسؤولة في البلاد، واستمر أقاربنا معنا أيضاً في ذلك اليوم حتى المساء وبعدها غادروا"، تروي.

8 يونيو

لم يحدث أي جديد في هذا اليوم. تقول منيرة إنه مرّ عادياً وكانت المشكلة فقط في الاطمئنان على أسرة المشير عبد الحكيم عامر، إذ "كانت تجمعنا بها علاقة قوية ولكن في ذلك اليوم كانت خطوط الاتصالات في بيتهم غير متاحة"، تروي.

9 يونيو

"تطبيقاً لنص المادة 110 من الدستور المؤقت الصادر فى شهر مارس سنة 1964 فلقد كلفت زميلي وصديقي وأخي زكريا محيي الدين بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية، وأن يعمل بالنصوص الدستورية المقررة لذلك، وبعد هذا القرار فإنني أضع كل ما عندي تحت طلبه، وفي خدمة الظروف الخطيرة التي يجتازها شعبنا". هذا كان جزءاً من خطاب التنحي الذي كتبه هيكل، وكان كافياً لأن يجعل هذا اليوم "من أطول أيام حياتي"، كما يصفه محمد زكريا محيي الدين.

أقوال جاهزة

شارك غردكانت أسرة زكريا محيي الدين في التاسع من يونيو 1967 تشاهد خطاب تنحي عبد الناصر. كانت تتوقع خطاباً حماسياً يشجع على الصمود ولكن بمجرد أن نطق ناصر اسم محيي الدين صرخت زوجته: "يا لهوي" ثم بكت

شارك غردفي 9 يونيو 1967، تنحى عبد الناصر عن الحكم بعد إعلانه أنه يتحمل المسؤولية عن النكسة، وأعلن أن بديله هو زكريا محيي الدين. هكذا، ضرب "زلزال" بيت مَن أصبح رئيساً لمصر، وتروي العائلة لرصيف22 تفاصيل تلك الساعات

يتذكر كل شيء. يقول لرصيف22: "كنت أجلس أنا ووالدتي نشاهد الخطاب. لم يدر في خلدنا أن تأتي أية مفاجأة. توقعنا أنه خطاب حماسي من جمال عبد الناصر كي يشجعنا على الصمود ولكن بمجرد أن نطق اسم والدي صرخت والدتي ‘يا لهوي’ ثم بكت ولم نفهم وقتها ما سر هذا البكاء ولكن لم يكن أمامنا وقت طويل فقد جاءت الحوادث سريعة".

أولى تلك الحوادث هي تجمهر الناس أمام بيت زكريا محيي الدين لرفض توليه منصب الرئيس. يقول محمد إن ذلك حدث بمجرد انتهاء خطاب جمال عبد الناصر، ما يعني أن "الأمر مدبر" من وجهة نظره. انطلقت الهتافات التي تندد باختياره لخلافة الزعيم وتتهمه بالخيانة.

يوري غاغارين بجانب زكريا محيي الدين

ويضيف محمد: "وكانت المشكلة أن الحراسة التي تواجدت خلال الأيام الماضية اختفت، ما جعلني أفزع ولا أجد مفراً سوى الاتصال ببيت جمال عبد الناصر شخصياً، وكان ذلك بعد ما يقارب ساعة من تجمهر الناس".

ويتابع: "بالفعل اتصلت به وكان هو من رد عليّ، وبكلمات مقتضبة قال اطمئنوا ثم وجدنا حراسة أقوى مكونة من تشكيلة عساكر وضابط برتبة عقيد أمام البيت واستطاعوا حمايتنا في الساعات القادمة".

تلتقط منيرة طرف الحديث وتوضح أنه كان من المستحيل أن يخرجوا من البيت. بعد مكالمة جمال عبد الناصر جاءت مكالمة من الزعيم الجزائري هواري بومدين استفسر فيها عن صحة ما سمعه وعن تواجد والدها، ثم أخيراً عرض مساعدته لنا إن كنا بحاجة لذلك.

أعقب هذا الاتصال، كما توضح منيرة، اتصال آخر من السياسي السوري أكرم الحوراني الذي حاول الاستفسار عن مكان والدها. واستمرت تلك المكالمات الآتية من شخصيات عربية أخرى مثل صلاح البيطار، والرئيس اللبناني الأسبق فؤاد شهاب. كما جاءت بعض المكالمات الغاضبة من أسرة عبد الحكيم عامر التي "اتهمتنا بالخيانة"، وكذلك اتصال من أنور السادات يتأكد فيه من أننا في أمان ويسأل إذا كنا بحاجة لمزيد من الحراسة، وتكرر مضمون المكالمة من حسين الشافعي.

قضى محمد وقته يراقب المواطنين من سطح بيته خشية أن يقتحموه. لم يتصل الوالد في ذلك اليوم "الطويل" الذي اجتاحت فيه مصر التظاهرات إلا في الليل. طمأنهم وطلب منهم طمأنة كل مَن يتصل بهم.

ويوضح محمد أنه عرف بعد ذلك من والده أنه ذهب إلى بيت جمال عبد الناصر فور سماع البيان وقال له "أنت اللي دخلتنا المشكلة وإنت اللي هتطلعنا منها"، كدليل على رفضه لتولي المنصب، كما أرسل بياناً للإذاعة بإعلان رفضه للمنصب وأذيع في نفس يوم التظاهرات لكن لم يستمع إليه أحد إذ إن الإذاعة بثته في وقت متأخر من الليل.

ثم عاد ناصر إلى الحكم ولم تنقطع صلته بزكريا محيي الدين الذي "حزن عليه كثيراً في وفاته"، يروي محمد. أما عن إحساس أن أباه أصبح رئيساً، فيقول: "في ذلك الوقت كانت كارثة وحين أتذكر رد فعل والدتي أقول ‘عندها حق’".


عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

التعليقات

المقال التالي