المصريون واشتراكية عبد الناصر... جردة حساب لخسائر ومكاسب الناس من نظام الثورة

المصريون واشتراكية عبد الناصر... جردة حساب لخسائر ومكاسب الناس من نظام الثورة

"تقضي على الاستعمار والاستغلال، تنهي مجتمع السادة والعبيد، تعطي للإنسان آدميته، وحقه في الحياة، نؤسس لمجتمع عزيز". هذا أبرز تعريف وضعه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للاشتراكية.

ورغم الهالة الكبيرة التي صنعتها لعبد الناصر أحاديثه عن القومية العربية، لا سيّما في عصر الوحدة مع سوريا، إلا أنّ "الاشتراكية" أحدثت خلافاً في المجتمع المصري، وثارت تساؤلات عن تعامل الشعب مع إجراءاتها.

الاشتراكية العربية... "مطب سخيف"؟

يميّز الكاتب والباحث الاستراتيجي عبد الحليم قنديل بين "الاشتراكية" بشكل عام وبين "الاشتراكية العربية"، ويقول لرصيف22: "الصورة العربية تختلف عن غيرها فهي لم تتضمن تأميماً شاملاً لكافة الأنشطة الاقتصادية. حدث تأميم جزئي في بعض القطاعات، وخاصة في القطاع الصناعي، أمّا القطاعات التجارية والزراعية فتُركت غالباً للملكية الخاصة أو التعاونية".

ويضيف: "تأميم الأنشطة الصناعية كان محدوداً، لأن الجانب الأساسي كان إنشاء الدولة لصناعات جديدة، وفكرة الملكية الخاصة أو الملكية التعاونية كانت موجودة إلى جوار الملكية العامة من حيث أشكال الملكية".

في تاريخ الناصرية، وُجّهت انتقادات عديدة للجمع بين الاشتراكية والقومية العربية. يقول المؤرخ مدحت عبد الرازق: "عبد الناصر ومستشاروه لم يدركوا حقيقة المطب في هذا المصطلح. جمع المصطلحين سخافة فكرية لأنّ الدولة التي تمشي على قدم اشتراكية وأخرى قومية عربية هي دولة عرجاء لا تستطيع الحركة بشكل مستقيم".

ويضيف في بحثه "التحول الاشتراكي في مصر وأثره على نواحي الحياة العامة": "لا مفر لهذه الدولة من أن تستعين تارة بالسوفييت وتارة بالأمريكان فلا تسلم من كليهما، فالاشتراكية هي صراع مفتعل بين الطبقات في الأمة الواحدة، بينما القومية العربية هي تعايش وتكافل بين الجميع، ولن يُنتج ما عُرف بالاشتراكية العربية سوى إفلاس مزدوج اشتراكي وقومي عربي، وهذا هو ما حدث فعلاً للزعامة الناصرية".

ولعل أبرز معالم اشتراكية عبد الناصر هو توزيع الأراضي على الفلاحين. وبالعودة إلى سبب حرمانهم من قبل من تملك الأراضي، فإنّ الأمر يعود إلى زمن محمد علي.

كان محمد علي قد امتلك كل الأراضي وأصبحت خاصة به فقط، ثم وزّعها بعد ذلك على "ملتزمين" يحصلون مثلاً على محافظة ويتولّون مهمة جمع الضرائب والمحصول الخاص بها، وبالتالي حرم هذا النظام المصريين من تملكها.

ورغم أنّ عبد الناصر حرص على إظهار الاشتراكية على أنّها خدمة لعامة الشعب، إلا أنّه لا يوجد نظام سياسي أو اقتصادي إلا ويكون فيه طرف مستفيد وآخر خاسر، خاصةً إذا كان النظام في بداياته.

إجهاز على الفلاح

رغم ما قيل عن الإصلاح الزراعي وفائدته للفلاحين ودوره في بناء المصانع العملاقة التي تشغّل آلاف العمال وتحسين معيشتهم ورغم منحهم 50% من عدد المقاعد في مجلس الأمة والمجالس التشريعية، إلا أن المؤرخ عبد الرازق يوضح أن "الاقتصاد الموجّه أشرف على محصول الفلاح، وكانت الدولة تجبره على زراعة محصول معين ثم تشتريه منه بأبخس الأثمان، وكذلك كانت الدولة تغري الفلاحين تارة وتُضيّق عليهم تارة أخرى لكي يتركوا أراضيهم ويتحوّلوا إما للتطوع في الجيش أو للعمل في المصانع، أي أن يتحولوا إلى عمال".

وبالنسبة للعمال، يذكر أن "الدولة كانت تسيطر عليهم عن طريق ملكيتها للمصانع وأدوات الإنتاج ووسائله، وبذلك اكتملت قبضة جمال عبد الناصر على رقاب الطبقة الفقيرة التي انتمى إليها من خلال التحكم في أرزاقها، وبالتالي وجد عبد الناصر السند الشعبي له".

الاشتراكية... بين مستفيد وخاسر

يمكن القول إنّ أي حراك سياسي مثل "23 يوليو" يتبعه مستفيد وخاسر، ويتم وضع الميزان وفقاً لعدد الذين استفادوا من الأوضاع السياسية والاقتصادية الجديدة وعدد مَن خسروا جرّاء الإجراءات المتّخذة.

يروي الباحث في التاريخ والدبلوماسي السابق معصوم مرزوق شهادته على تلك الحقبة، ويقول: "في سبتمبر 1954، أصدر نظام عبد الناصر قوانين الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية إذ كانت قبل ذلك 200 فدان ثم أصبحت 100 فدان، وتم توزيع الأرض للمرة الأولى في التاريخ على الفلاحين المصريين".

أقوال جاهزة

شارك غردرغم الهالة الكبيرة التي صنعتها لعبد الناصر أحاديثه عن القومية العربية، لا سيّما في عصر الوحدة مع سوريا، إلا أنّ "الاشتراكية" أحدثت خلافاً في المجتمع المصري، وثارت تساؤلات عن تعامل الشعب مع إجراءاتها

شارك غرداشتراكية عبد الناصر... "الرهبة في حد ذاتها كفيلة بأن تولّد الشعور بالخوف، الخوف من الرجل الذي تهتف له جماهير عريضة تموج كالبحر الهادر، مهما حاول هذا الرجل تمثيل التواضع وأبوة المشاعر"

ويضيف لرصيف22: "الفلاح المصري ظلّ منذ عصر الفراعنة إلى ذلك العصر عبارة عن عبيد الأرض ورقيقها، يحصد الزرع ولا يذوق منه شيئاً، وبالتالي ما حدث بدون شك كان ثورةً هائلةً في التاريخ المصري. تحوّل الفلاح إلى مالك".

ويوضح أن "قوانين يوليو الاشتراكية عام 1961 مصّرت الاستثمارات التي كانت في الأساس عبارة عن مستعمرات اقتصادية داخل مصر... كان هناك احتكار مثلاً لتروماي بورجيلة ومصانع الزيوت والبنوك والبنسيون والطرابيشي، إذ كانت جميعها ملكيات لليهود المصريين، وتم التمصير وتعويض مَن تمّت مصادرة أملاكهم بشكل عادل وفقاً لمقاييس تلك الفترة".

وبالعودة إلى معيار المستفيد والخاسر، حدّد مرزوق ما نسبته 80% من الشعب المصري استفادوا من "اشتراكية عبد الناصر"، ويروي ما عاصره عن ذلك: "هذه النسبة تعود بالنظر إلى مجالات التعليم والصحة، وأيضاً السترة وهو كان نظاماً تطبّقه وزارة التموين وتمنح بموجبه كل مواطن مصري بطاقة يصرف بها كسوة صيفية وأخرى شتوية، وهذا حدث لأنّ الإنسان المصري عاش محروماً إذ كان مجتمع الـ0.5% هو الذي يتمتع بكل الرفاهية حتى أنّ السلاسل التجارية الكبرى آنذاك مثل صيدناوي وشاملة والطرابيشي كانت ترتادها فقط الطبقة التي كانت تتحكّم بالثروة المصرية".

ويتحدث أيضاً عن النقابات العمالية ونظام التأمين الصحي الذي كان ناجحاً جداً في فترة الستينيات وكان ذلك بمثابة ثورة، فالفقير لم يكن يجد مكاناً للعلاج أساساً وإذا وجد المكان لم يكن لديه ما يستطيع به أن يعالج نفسه.

ويروي مرزوق واقعةً عن التأمين الصحي: "عاصرت شخصياً رحلات إلى قرى بعيدة، وكنا من أجل الوصول نركب قطاراً وسيارةً وحماراً ونعبر ترعة بالمعدية وكنا بعد ذلك نجد مركز رعاية طبية رائعاً، به طواقم طبية وخدمات جيدة".

ويذكر أن "80% من الشعب كانوا راضين عن الاشتراكية والتزموا بتطبيق ما تنص عليه، وهذا لأنّهم اكتسبوا أشياء جديدة، ولا يمكن لأحد أن يكره ويقاوم شيئاً يكسبه الجديد كل يوم، ونسبة الـ80% تضم مَن كان لا يمتلك أساساً شقة أو لا يمكن له استئجار واحدة وأصبح لديه شقة، ومَن كان غير قادر على الذهاب إلى طبيب وأصبح قادراً على ذلك، ومَن كان لا يمتلك القدرة على إدخال أبنائه إلى مدارس وتغيّر حاله... وشخصياً عاصرت ذلك فالأسرة كانت لا تحمل هماً في إرسال أبنائها إلى المدارس مهما بلغ عددهم بسبب مجانية التعليم التي أقرّها النظام الجديد، وكانت تُوزَّع علينا كتب وكراريس وتُصرف لنا وجبات خلال النهار".

الخاسرون... الـ20%

أمّا عن نسبة الـ20% الخاسرة، فيوضح "الدبلوماسي السابق" أنّها استمرت تعمل في الخفاء من أجل إجهاض النظام الجديد الذي وضعه عبد الناصر، لكن نسبة كبيرة منهم لم تكن قد تبخّرت كل ثروتها، لأنّ أموالهم بالخارج كانت أضعاف ما لديها في الداخل.

ويتابع: "هؤلاء الناس هم الأسر التي وفدت إلى مصر مع الأرناؤوطيين والمماليك واستمرت حتى فترات طويلة بأسماء عائلات معروفة، وجزء منها خان كل الحركات الوطنية المصرية".

ولم يلجأ عبد الناصر إلى تدمير تلك السلالات أسوةً بحركات سياسية في دول أخرى، على اعتبار أنّ هذه الطبقات ربما تؤذي الحقبة الجديدة.

ويوضح مرزوق أنّ هذه الطبقات ظلّت كامنةً تحت السطح، وعن طريق المحسوبية باتت تتزاوج وتتصاهر وتكتسب مواقع داخل السلطة مثل مناصب مهمة في بعض الوزارات، وفي البنوك والوكالات التجارية.

ولم يلتزم أكثر الأغنياء بتطبيق بنود الاشتراكية التي وضعها عبد الناصر، ويروي مرزوق في شهادته، واقعة لأحد كبار الإقطاعيين في صعيد مصر (الجنوب)، كان يمتلك مناحل وإسطبلات خيل، فأحرق المحاصيل والإسطبلات والخيل رافضاً تسليم ذلك إلى عبد الناصر، إذ كان يرفض أن يأخذ منه الرئيس ما ورثه عن أجداده.

واستمرت هذه السلالات نتيجة للطابع التسامحي للشعب المصري الذي "لا يطيق رؤية الدم ولا يحب الانتقام"، بحسب مرزوق الذي يضيف: "في الماضي كان الإقطاعيون يوجّهون للفلاحين أشكالاً عدة من الإهانة، لكن بعد توزيع الأراضي على الفلاحين، حصل كل واحد منهم على خمسة أفدنة، وكان حين يزور أحد الإقطاعيين فلاحاً، فإنّ الأخير كان يرحب به بشدة ويذبح من أجله فرحاً بزيارته. الشعب المصري متسامح للغاية، وعندما بدأ عصر السادات خرج هؤلاء من مواقعهم وأعادوا مكتسباتهم السابقة، وأضيف إليهم مَن استفادوا من مراكز القوى".

مع نهاية حقبة عبد الناصر، وبداية حكم الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، عادت تلك الطبقات بقوة كبيرة بمساعدة مَن وصفهم مرزوق، بـ"المرابين والسماسرة" الذين قال إنّ السادات صنعهم، ما أدّى إلى تفشي الفساد والمحسوبية. ويقول: "هذه الطائفة كانت أقل ثقافة وأكثر سوءاً من الطبقات السابقة التي كانت في عصر عبد الناصر أو في عهد الملكية".

الحب القهري لاشتراكية الزعيم

رغم الروايات التي تتحدث عن استفادة طبقات عريضة من الشعب مقابل خسارة فئات أقل، فإنّ كثيرين أيّدوا اشتراكية عبد الناصر بسبب حالة الخوف والقمع التي رأى مؤرخون أنّها سادت في تلك الفترة.

يقول المؤرخ مدحت عبد الرازق إن "الفلاح المقهور من الجوع ومن التضييق عليه والعامل الفقير المسكين، عانيا من القمع الناصري"، ويوضح: "القمع ليس فقط تعذيب ومعتقلات وأسياخ تحمّى بالنار ومشانق تتدلى، بل هو أيضاً دعاية وقاعدة حزبية ضخمة وهتافات جماهير تحتشد بالملايين وتظاهرات تتحرك وصيحات مفتعلة يملى على مطلقيها ما يقولون، وهذه الهتافات والتجمعات والصيحات والتظاهرات وحالات البكاء والإغماء في حب الزعيم إنما تضفي على القلوب والأفئدة رهبة كبرى وتساعد في عملية التنويم المغناطيسي للشعب على يد الزعيم الذي تكال له عبارات التمجيد والتقديس، فيصير مؤلهاً".

ويضيف: "الرهبة في حد ذاتها كفيلة بأن تولّد الشعور بالخوف، الخوف من الرجل الذي تهتف له جماهير عريضة تموج كالبحر الهادر، مهما حاول هذا الرجل تمثيل التواضع والحنان واصطناع الابتسامة وطيبة القلب وأبوة المشاعر".

ووفقاً للمؤرخ، كان عبد الناصر يحشد الملايين من أجل الهتاف والصراخ له، ويقول: "كانت أولى أولويات رؤساء مجالس إدارات المؤسسات التي تتبع لها المصانع المؤممة أو المستحدثة أن يعطوا أوامرهم التي يتلقونها من اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي إلى جميع مديري المصانع الي تتبع لهم وأن يشرفوا على عملية تجميع أكبر عدد من عمالهم للذهاب إلى حيث يخطب الرئيس، فيقوم الاتحاد الاشتراكي بنقل العمال والموظفين إلى هناك، من خلال وسائل الترغيب في مكافآت سخية أو الترهيب من التضييق في العمل وخصومات في المرتب أو فصل الرافض".

ويوضح: "كانت لمدير كل مصنع من مصانع الثورة سلطات واسعة أشبه ما تكون بسلطات الوزير، فما عليه إلا أن يرفع سماعة التليفون لإحدى إدارات المخابرات أو لإدارة السجن الحربي للشكوى من عامل أو من مجموعة عمال تخلفت عن حضور خطاب للرئيس حتى تحضر مجموعة من الضباط والعساكر وتنقلهم إلى معتقلات كسر روح الإنسان، أو تضعهم أمام الكلاب الشرسة التي تنهش الكرامة والكبرياء قبل أن تنهش الجسد وتمتص الدم، ويكون ذلك إنذاراً صارماً لكل عامل يتخلف عن حضور خطاب الرئيس والصياح له".

ويروي شهادته كذلك عن التضييق على الفلاحين، ويقول: "كان عبد الناصر بحاجة إلى عمال يديرون الماكينات العملاقة في مصانع التصنيع الثقيل، وكانت الحقول هي أقرب وأسهل وأوسع وسيلة لإيجادهم، فكان يتم إغراء الفلاح بالمرتب الثابت أو التضييق عليه بالضرائب أو خنقه بإبخاس ثمن محصوله لكي يتحوّل إلى المصانع، فيكون بذلك قد تحوّل من حظيرة واسعة يرعى فيها، إلى مصيدة ضيقة تطوله يد السلطة فيها بسهولة".

ويضيف: "كذلك كان عبد الناصر في تحوله الاشتراكي يقلد الدولة السوفييتية بالكربون، وهي كانت دولة عمال في المقام الأول ثم دولة فلاحين، ويتسلط الحزب الواحد في روسيا على الجميع، وهذا ما طبّقه عبد الناصر في مصر. أرداها دولة عمال في المقام الأول، ثمّ دولة فلاحين، وتسلط حزبه على الجميع".

هكذا، توسعت طبقة العمال وانتشر الفلاحون السابقون على طول العواصم وعرضها تاركين أرضهم في أول موجات الهجرة الداخلية، وأصبح لزاماً على الدولة أن تقيم لهم المساكن وتوفّر لهم البيوت، فكان أول ظهور للعشوائيات في عهد جمال عبد الناصر.

بنت الحكومة في البداية بلوكات إسمنتية مسلحة تشبه الزنازين في طرة البلد والمعصرة بالقرب من منطقة المصانع بحلوان، ثمّ حوّلت قصر خوشيار هانم ("الوالدة باشا"، والدة الخديوي إسماعيل) بفدادينه وحدائقه الشاسعة الجميلة وأشجاره اليانعة بحلوان إلى مساكن متواضعة وبيوت صغيرة وعمارات "كئيبة" لسكن العمال، حتى عُرف قصر الوالدة باشا بـ"عزبة الوالدة"، وهي عزبة كبيرة لسكن الطبقات الفقيرة.

ويذكر عبد الرازق: "أصبحنا أمام ظاهرة ضخمة ملحة اسمها العشوائيات. بدأت للمرة الأولى في العهد الناصري بتدبير من الحكومة ثم بإهمال منها وغض الطرف عن أي مواطن يريد أن يبني على أية قطعة في أية فسحة، وكانت تتكاثر القطع والبيوت جنب بعضها البعض بشكل سريع، وفجأة تتحول إلى منطقة عشوائية تجاور أصحاب السكن الراقي... وشيئاً فشيئاً شارك الأحياء الأموات في قبورهم والحيوانات في معيشتهم".


التعليقات

المقال التالي