الصادق المهدي لرصيف22: النظام السوداني اختطف وطننا... والإمبريالية والجمود صنعا التطرف الإسلامي

الصادق المهدي لرصيف22: النظام السوداني اختطف وطننا... والإمبريالية والجمود صنعا التطرف الإسلامي

يُعتبَر الصادق المهدي، 82 عاماً، أحد أبرز السياسيين والمفكرين السودانيين في العصر الحديث. استطاع أن يجمع بين الدين والسياسة، ففي الوقت الذي يقوم فيه بدوره الفقهي كعالم إسلامي له مؤلفاته وأبحاثه استطاع أن يرأس حزب الأمة السوداني ويؤسس تيار نداء السودان، أحد ممثلي المعارضة السودانية.

وكان المهدي قد تولّى رئاسة وزراء السودان مرتين في الفترتين من 1967 حتى 1969 ومن 1986 حتى 1989، وأصبح من معارضي نظام حكم الرئيس عمر البشير إلى درجة أنه صار مطلوباً أمنياً، بسبب قيادته المعارضة الهادفة للتغيير في السودان.

وفي حوار مع رصيف22، يتحدث الصادق المهدي عن أفكاره الدينية ومواقفه السياسية.

  • حدثنا عن البيئة التي نشأت فيها وكيف أصبحت ما أنت عليه الآن سياسياً وفكرياً ودينياً؟

البيئة التي نشأت فيها هي بيئة مصممة على كيان إسلامي، ولكن ظروف التعامل مع العصر جعلتني طالباً في كلية فيكتوريا في الإسكندرية، وهناك صُدمت بأن أهداف هذه الكلية في الواقع هي ما يمكن أن يُسمّى بغسيل دماغ لأبناء الأسر الكبيرة في الشرق الأوسط، وهناك وجدت حرصاً شديداً على أن نكون "الإنكليزي الأسود" أو "الإنكليزي الشرقي"، بحسب تعبير الكاتب السوداني الطيّب صالح، وهذا يعني أن نكون بعقول إنكليزية رغم هويتنا العربية.

ولهذا صُدمت جداً، وهذه الحقيقة جعلتني أنفر من هذا التعليم الذي بدا لي متناقضاً مع هويتي وثقافتي وخلفيتي. لذلك عدت إلى السودان حيث التقيت أحد العلماء الأفذاذ رحمه الله واسمه الطيب السراج وبالفعل أفادتني جداً علاقتي به وكانت سبباً في ذهابي إلى التعليم الجامعي في أكسفورد بعد أن كنت طالباً في جامعة الخرطوم.

الصادق المهدي - 1964
  • وكيف كانت تجربتك في أكسفورد؟

ذهبت فوجدت في هذه الجامعة ظاهرة مدهشة. هي مؤسسة تعليمة ولكن المجتمع فيه صراع فكري وثقافي حر. وجدت نفسي جزءاً من هذه الصراعات، وكان وقتها لدينا جمعية عربية ونادٍ سميناه "النادي الإسلامي"، وكذلك منبر لمواجهة الإمبريالية اسمه "النادي الاشتراكي". وجدت نفسي أعمل في هذه المجالات وهنالك تبلورت داخلي فكرة ضرورة أن يكون عندنا موقف أيدولوجي نواجه به الأمبريالية الثقافية والأمبريالية السياسية.

كما بدا لي واضحاً تماماً وجود دوائر لا بد من استنهاضها في بلادنا وهي دوائر وطنية وأخرى عربية وإفريقية وإسلامية، وبدأت أفكر في أن هذه الدوائر يجب أن تكون كلها جزءاً من وعينا الفكري والثقافي وينبغي ألا تكون متناقضة وفكرت في كيف يمكن أن أقدم فكراً فيه معاني الانتماء الوطني الذي لا يتناقض مع الانتماء العربي وكذلك الانتماء الإفريقي والانتماء الإسلامي.

وهكذا بدأ المشوار الذي بموجبه استطعت منذ نعومة أظافي وأنا طالب جامعي أن أفكر في هذه الحلقات وكيفية المزاوجة بينها من أجل نهضتنا.

  • البعض رأى أن هذا التزاوج مستحيل ولا يعترف بالوطنية أساساً...

صحيح. ولكن برأيي، هؤلاء يعيشون خارج الواقع. ابن القيم قال الآتي: "على الفقيه أن يدرك الواجب اجتهاداً وليس تقليداً ويحيط بالواقع ويزاوج بينهما"، والوطنية الآن صارت جزءاً مهماً من النظام السياسي في العالم، وهي في الحقيقة كانت جزءاً من تاريخ الأمة الإسلامية، وليست غريبة علينا كمسلمين.

ففي الإسلام، الإنسان يهتم بالدار والجار والأرض، ومن هذه المكوّنات وخاصة في الصراع ضد الإمبريالية نشأ الانتماء الوطني الذي هو جزء من الواقع. ولهذا أقول نحن كعرب يجب أن نفكر في وجودنا الوطني دون أن يمنع هذا من وجود روابط عربية وإفريقية وإسلامية، وهذه الروابط تلحق الوطنية بوحدات أكبر بمفهوم تعاهد أكبر مثل مفهوم الثروة المشتركة التي تم تنفيذها في جنوب إفريقيا. وعلى كل، أقول إن أية محاولة لإلغاء الوطنية هي محاولة عبثية.

  • البعض يربط رفضه للوطنية بنظام الخلافة الإسلامية الذي يجعل الجميع لا ينتمون إلا للإسلام فقط. ما رأيك؟

مبدئياً، الإسلام ليس له نظام حكم معيّن، والخلافة كانت مرحلة تاريخية معينة، وإذا استثنينا الصدر الأول الخاص بالرسول وأصحابه، فقد كانت الخلافة بعدهم تجسيداً للظلم والحكم النافي للآخر والنافي للشورى، يعني الخلافة في عهودها المختلفة الأموية والعباسية والفاطمية كانت في الواقع تقوم على نفي الآخر واحتكار السلطة بالقوة لأنها لا تملك وسيلة لتداول السلطة وكانت للأسف سبباً في اغتيالات مستمرة. كان التداول يتم عن طريق الاغتيالات. قُتل من خلفاء بني أمية خمسة ومن خلفاء بني عباس 12، وهكذا صار الخنجر والسيف الوسيلة الوحيدة للتناوب على السلطة وهذا شيء غريب ومرفوض.

ومن هنا أقول إن الإسلام يدعو إلى تشريع لا إلى نظام حكم، ويتمثل هذا التشريع في بعض المبادئ السياسية مثل المعاهدة والمشاركة كبيان للشورى والمساءلة.

  • وما دليك على هذا؟

أبو بكر الصديق رضي عنه لما تولى السلطة تولاها وقال: "وليت عليكم ولست بخيركم"، وكلامه هذا يعني أن ولايته بشرية وليست إلهية، ثم أضاف: "إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني"، وهذا إقرار بمبدأ المساءلة، ثم أردف: "الصدق أمانة والكذب خيانة" وهذا إقرار منه بمبدأ الشفافية، وتابع: "القوي عندي ضعيف حتى آخذ منه الحق والضعيف عندي قوي حتى استرد له حقه" وهذا دليل واضح على سيادة القانون. ومعاني الديمقراطية هي المشاركة، المساءلة، الشفافية وسيادة القانون.

  • إذاً الديمقراطية ليست ضد الإسلام كما يروّج البعض؟

الديمقراطية ليست ضد الإسلام بالطبع، والذين يتحدثون عن هذه الضدية متعلقون بالحكم السلطاني، فالخلافة التي مورست في بلادنا الإسلامية سلطانية أقرب إلى كسرى وقيصر منها إلى محمد، يجب أن نراجع هذا كله، وأكرر لا يوجد نظام حكم في الإسلام وكذلك لا يوجد نظام اقتصادي في الإسلام ولكن توجد مبادئ.

  • ما هو شكل نظام الحكم الأقرب للإسلام إذا؟

التجربة الإنسانية الصاعدة من الناحية السياسية فيها مشاركة ومساءلة وسيادة حكم القانون ومؤسسات مستقلة للتشريع وعملية فصل بين السلطات. هذا كله يمكن استصحابه من منطلقات إسلامية دون وجود أي تناقض، وهذا ما يجب أن يفهمه الناس. إن ما تصل إليه عقولنا هو من الدين وهو من القضاء والقدر وليس صناعة بشرية معاكسة لإرداة الله كما يردد البعض.

  • البعض يعتبر أن مَن يُعمل عقله يتحدى إرادة الله؟

هذا هراء. ابن خلدون قال إن كل ظاهرة في الوجود تخضع لقانون طبيعي أو اجتماعي أو إنساني. من واجبنا أن نستعمل عقولنا كي نكتشف هذه القوانين، فالحضارة الغربية استطاعت أن تكشف سنن الكون وتستخدمها كالكهرباء والإنترنت وهي سنن لتمكين الإنسان كله، ليس الإنسان المؤمن وحده، ولذلك لا يجب أن يكون عندنا أي تحفظ في الاستفادة من هذه الاكتشافات.

  • هل إعمال العقل يجوز في التعامل مع القرآن ونصوصه أو الدين بشكل عام؟

بالطبع، يجب أن نتدبر القرآن، ولا نتحدث فقط عن النصوص، كما لا يمكن أن نأخذ الفقه كما فهمه الأقدمون. لا مانع من أن نعرف تجربتهم ولكن لا بد أن يكون هناك تطوير للفقه، مراعاةً للواقع، فنحن لسنا بمتلقّين فحسب.

أقوال جاهزة

شارك غردالصادق المهدي لرصيف22: الخلافة التي مورست في بلادنا سلطانية وأقرب إلى كسرى وقيصر منها إلى محمد. يجب أن نراجع هذا كله. لا يوجد نظام حكم في الإسلام ولا يوجد نظام اقتصادي. في الإسلام توجد مبادئ فقط

شارك غردالصادق المهدي لرصيف22: الوطنية الآن صارت جزءاً مهماً من النظام السياسي في العالم، وهي في الحقيقة كانت جزءاً من تاريخ الأمة الإسلامية، وليست غريبة علينا كمسلمين

  • بإعمال العقل، ظهرت مطالب تدعو إلى حقوق أكبر وأكثر للمرأة في الإسلام ومساوتها بالرجل وفقاً للواقع الجديد. فما رأيك فيها؟

لا نستطيع أن نتحدث عن المرأة دون مراعاة الواقع. الواقع حالياً فيه ثقافات متخلفة بالنسبة للمرأة، ولكن في الوقت ذاته الوصول إلى الأهداف العليا للمرأة يجب أن يكون على مراحل خاضعة لمبادئ أساسية أهمها أن المرأة والرجل هما الإنسان وكلاهما الإنسانية، وأي كلام عن أن المرأة ناقصة عقل ودين أحاديث غير صحيحة.

أما في مسألة التكاليف الربانية، فهناك تكاليف تخص الرجل وحده وتكاليف تخص المرأة وحدها، نظراً لأدوارهم المختلفة، ولكن هذا للتكامل وليس للتفاضل، وأرفض تماماً ما يردده البعض من أن الرجال مقدمون على النساء مثل "القوامة"، فالقوامة لا تعني السيطرة بل تعني مراعاة الرجل لحق المرأة كونه خلقاً أقوى منها.

الصادق المهدي - 1987
  • كيف ترى قضية زي المرأة التي لا تزال مثال جدل في عالمنا؟ فالبعض لا يزال مثلا ينادي بوجوب النقاب؟

أولاً، النقاب الذي يُستخدم الآن جاء من حضارات أخرى غير إسلامية وغير عربية، ولكنه على كل صار موجوداً ويجب أن نتعامل معه على أنه واقع. ولكني أقول إن ما هو واجب في زي المرأة شرعاً هو فقط أن يكون محتشماً، مثله مثل زي الرجل، لا يُظهر من الجسم ما قد يتسبب في فتنة، بحيث لا يصف ولا يشفّ، هذه هي القاعدة فقط، وعلى المجتمعات أن تحدد شكل هذا الزي وفقاً لأحوالها.

  • وماذا عن الحجاب فهو مذكور في القرآن؟

الحجاب الذي جاء في القرآن لا يعني ملابس بل معناه ساتر، وكان عبارة عن ساتر بين المؤمنين ونساء الرسول فقط، ولا ينبغي أن يُستخدم وكأنه يصف زي المرأة، والآية نزلت بعد حديث الإفك وأصبح هناك خطر على كيان الدعوة بما يمكن أن يُلصق بآل بيت الرسول من افتراءات، وظهرت ضرورة للحجاب بمعنى الفصل لا بمعنى زي من الأزياء فالقرآن لم يأمر المرأة إلا بالاحتشام فقط دون تحديد شكل الزي.

  • القضية الأهم بشأن المرأة هي الميراث. هل تدعم الأصوات التي تنادي بمساواة المرأة بالرجل في الميراث رغم وجود نص يحرم ذلك؟

عندما نعود إلى الأصول الدينية، نجد أن هناك مَن يقول إن للرجل مثل حظ الأنثيين في الميراث، ولكن نجد في الوقت ذاته حالات يتساوى فيها الرجل والمرأة كحال الجدين. وعلى كل، ما دام الرجل مسؤولاً عن كسب المعيشة للأسرة يكون هناك تمييز لأن عليه واجبات أكبر، ولكن ماذا لو تغيّر الواقع كما هو الحال الآن بحيث صارت هناك أسر كثيرة جداً تعيلها النساء، ماذا نفعل؟ نعود إلى المقاصد، ونجد أن الجد والجدة متساويان لأن مسؤولياتهما واحدة وهناك تأتي المساواة بين الرجل والأنثى في المقام هذا.

عندما تتغيّر الواجبات تتغيّر الأحكام، البعض سيقول ماذا عن النصوص؟ أقول إن النصوص لا بد أن تعامل على أساس الواقع ولا تقفز فوقه، والحل بالنسبة إلي، وحتى ننفّذ هذا دون اصطدام مع النصوص: يتم تقسيم الميراث قبل وفاة رب الأسرة بالتساوي بين جميع أبنائه إدراكاً لهذه التطورات التي حدثت. فهناك داعٍ حقيقي لمراجعة هذا الموضوع على أساس مراعاة الواقع الاجتماعي الجديد.

لا ينبغي أن يقول شخص "لا اجتهاد مع النص" فأنا أقول هناك اجتهاد في النص لمراعاة ما في الواقع. فاليوم مثلاً، لا يوجد ما هو موجود في النص مثل الرق وملكات اليمين والثأر، كل هذا ليس موجوداً الآن، يجب أن نقول للعالم لا رق الآن ولا ملكات اليمين، وهذه ليست ثورة ضد الدين والنصوص بل مراعاة للواقع الذي هو المرجعية في التشريع.

  • هل الجمود في التعامل مع النص كان سبباً في ظهور تنظيمات إرهابية مثل داعش والقاعدة؟

الفكر المتطرف الموجود حالياً هو استجابة لفراغ موجود. فحركات العنف الحالية في الغالب أتت كردود فعل على تصرفات إمبريالية. دعنا في البداية نبدأ بالقاعدة. لم يكن هناك شيء اسمه قاعدة في عالمنا العربي قبل غزو أفغانستان، فالقاعدة كانت رد فعل على الغزو السوفييتي ثم الاحتلال الأمريكي. الطريقة التي حوربت بها القاعدة أعطتها قوة لأنها صارت وكأنها مواجه للإمبريالية في المنطقة، ولهذا دعم موقفها كثيرون، فما بين 2001 وحتى يومنا هذا توسعت وأصبح لها 100 فرع في كل أنحاء العالم الإسلامي بعد أن كانت محصورة في باكستان وأفغانستان.

وبالطبع، هناك عوامل أخرى لظهورها مثل الظلم والقهر، ما شحن الحركيين الإسلاميين وأعطاهم مبررات لإرهابهم. ولنا أن نتذكر مقولة سفير بريطانيا في إيطاليا الذي قال عن بوش الابن إنه أكبر مساعد للقاعدة في عمليات التجنيد، وذلك بسبب استفزازاته للعالم العربي.

وبالطبع، لا أنكر أن هناك نصوصاً استخدمتها تلك التنظيمات لتجنيد الشباب مثل بعض الأحاديث المغلوطة كحديث بعثت بالسيف حتى الساعة، وهذا الحديث متناقض مع الواقع ومتناقض مع حقيقة الإسلام الذي لم ينتشر بالسيف. فالسيدة عائشة قالت إن المدينة فتحت بالقرآن، الجزيرة العربية ما استُميلت بالسيف بل بالإقناع خلال سنتي صلح الحديبية، مكة فتحت بتظاهرة، الإسلام نفسه ما انتشر في العالم بالقوة.

صحيح أن هناك نزاعاً بين الدولة الإسلامية والفرس والروم ولكن هذه الصراعات كان سياسية بدليل أنه لم يحدث إجبار لأحد كي يدخل الإسلام من سكان هذه الدول بعد انتصار الإسلام وهذا ما أكده السير توماس أرنولد وقال إن الإسلام لم ينتشر بالقوة بل بقوة المنطق، والدليل إندونيسيا وجنوب شرق آسيا وإفريقيا. لم يسلموا بالسيف بل أسلموا والدولة الإسلامية في أضعف أحوالها.

  • وماذا عن ظهور داعش؟

لم يكن هناك داعش قبل غزو العراق. بعد الغزو، حدث خلل في التوازن الطائفي بين السنة والشيعة، وبسبب هذا الخلل قرر متطرفون في بلاد الرافدين الانتصار للسنة وإعلان قيام "الدولة الإسلامية" لتكون دولة سنية كما للشيعة دولة هي إيران، وأؤكد أنه لولا احتلال العراق ما كان هناك داعش.

أتذكر هنا شخصاً يدعى فولر كتب في مجلة العلاقات الدولية مقالاً بعنوان "ماذا لو لم يكن في المنطقة إسلام؟" وقال إن هناك ناساً كثيرين سيرحبون بذلك وأكد أن أية منطقة مهما كانت تركيبتها الدينية إذا واجهت المظالم الداخلية والخارجية التي تواجهها هذه المنطقة لظهرت فيها نفس تصرفات جماعات العنف المسلح بغض النظر عن الديانة المنتشرة فيها.

  • بعيداً عن الحوار الفكري، دعنا ندخل عالم السياسة. ماذا يحدث في السودان ولماذا تتم مهاجمتك بهذه الضراوة؟

السودان يحكمه نظام مختطِف. الأمر باختصار أن جماعة اختطفت وطناً، هذه الجماعة ذات مرجعية إخوانية، خلقت تناقضين: أولهما بين جسم المسلمين السودانيين كون المسلمين ليسوا كلهم إخواناً؛ وتناقضاً مع غير المسلمين وهم أهل الجنوب، وأدى هذا التناقض إلى انفصال الجنوب الذي أتى كرد فعل على محاولة أسلمة البلاد، إذ اجتمعت الأحزاب الجنوبية كلها في واشنطن في نوفمبر عام 1993، حتى مَن كانوا وحدويين أي يؤيدون الوحدة السودانية، وقالوا: السودان بموجب انقلاب البشير قرر هوية الدولة كإسلامية عربية، ونحن لسنا مسلمون ولسنا عرب، بمعنى أنهم تخوّفوا من العيش في السودان كمواطنين درجة ثانية وثالثة، ولذلك طالبوا وبالإجماع بالانفصال.

  • ما هو دور المعارضة السودانية لإيجاد حل للأزمات التي يعيشها السودان وكيف تعامل معها النظام؟

النظام تعامل مع المعارضة بمراوغة إلى درجة أنه خلع جلده لاستيعابها ومحاولة ردعها فأفرغ نفسه من برنامجه الأيديولوجي ليصير مجرد شعار خلفه سلطة مخندقة تحكم بالقوة فقط، الأمر الذي تسبب بوجود فشل كبير في معيشة السودانيين.

لما أتى هذا النظام، كان الدولار يساوى 12 جنيهاً سودانياً والآن يساوي 40 ألف جنيه سوداني. هذا يدل على الإخفاق في الإدارة، وهناك أيضاً إخفاق في التعاملات الخارجية. أصبح هناك عدم مبدئية بالضبط كالبيت الشعري الذي يقول "خاطبت كل جليس بما يلائمه لأروق الجليس فعند الرواة أدير الكلام وعند السكات أدير الكؤوس". فقدنا ثقة الأطراف كلها، فالنظام يقول كلاماً مع السعودية وقطر في محاولة لاسترضاء كل منهما، وهذا يستحيل أن يحدث، فيفقد المصداقية مع الجانبين. وهذا ما يحدث أيضاً في قصة أزمة مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة. وأصبح الجميع يتعامل مع النظام السوداني على أنه لا يوثق به ويقول كلاماً ويفعل أفعالاً أخرى.

  • هل هناك خطوات تصعيدية من المعارضة السودانية قادمة؟

جميع مَن في السودان معارض بل هناك شخوص داخل النظام السوداني الذي يحكم أصبحوا أيضاً معارضين، وأصبح أمامنا طريقان لا ثالث لهما: طريق يقوم على حوار بيننا وبين النظام ونوقّع على شيء اسمه خارطة طريق تشرف عليها الهيئة العليا الإفريقية وتكون فيها أسس لحوارنا الذي يهدف إلى إيجاد مخرج وهذا هو الحل السلمي المتفاوض عليه؛ وهناك طريقة أخرى وهي توحيد المعارضة ونقدم كتاب "بناء الوطن" وفيه معالم بناء الوطن في المستقبل وطرق الإصلاحات الشاملة وبعده ستكون هناك مواقف واعتصامات سيرفع الناس فيها شعار فيه معنى واضح وهو: "فشلتم سلموا السلطة للشعب وسنعاملكم بالعدالة لا بالانتقام"، وسوف يدعمنا في هذا مجلس الأمن.

  • هل كل هذا كان سبباً لمحاولة اعتقالك؟

هذه مكايدات من النظام السوداني، فهذا رابع مشروع مكايدة، النظام مقتنع بأن الصادق المهدي نزعت منه السلطة ولكن ما نزعت منه الشرعية، لذلك عرضوا علي عدة مرات مشاركة بأقصى درجة ممكنة، وأنا رفضت لأني أرفض المشاركة دون دستور ديمقراطي، ولما فشلوا في إلحاقي بهم دبروا لي ما أسميه أنا "اغتيالاً قانونياً" ونفّذوا هذا الأمر أربع مرات من خلال إلحاق تهم بي، متناسين أنهم أنفسهم ملاحقون دولياً وجنائياً أمام المحكمة الجنائية بسبب جرائم حرب.

  • ماذا تطلب من الرئيس عمر البشير؟

البشير أمامه خياران: إما أن يقبل مشروعنا الذي يتضمن تسوية وطنية شاملة مع إيجاد مخرج عن طريق مجلس الأمن الذي ذهب به إلى المحكمة الجنائية؛ أو يفعل كما فعل رئيس كينيا لما طلبته إلى المحاكمة المحكمة الجنائية فقد استقال وذهب إلى لاهاي فبرأوه.

  • ما حقيقة مجلس الحكماء الذي تنوي تأسيسه؟

أنا مع آخرين لدينا مشروع حكماء بهدف التصدي للخناقة الإسلامية الإسلامية، الشيعية السنية، الإسلامية العلمانية، لأن هذه المواجهات صار العدو يراهن عليها للقضاء على الأمة. بدأنا في جمع الأسماء. الآن نكتب مذكرة ونجتمع حتى نعطي هذا المجلس شكلاً حركياً، على أن يكون هدفنا حل التوترات التي يراهن عليها العدو لتمزيق المنطقة وتفتيتها. لا بد أن نعترف بالواقع ونحتوي جميع الفرقاء.

  • وما هي أهم المشاريع التي ستقدمونها كمجلس حكماء؟

سنقدم مشروعاً يخاطب مخاوف الأطراف للوصول إلى كلمة سواء. برأيي، لا بد من كلمة سواء بين مكوّنات الأمة المتناقضة، لا بد من القيام بمعاهدة أمن عربية إيرانية تركية. المبادرة عبارة عن إقرار التعايش والسلام.


صحافي مصري مهتم بملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

التعليقات

المقال التالي