احتجاجات الأردنيين مستمرة... هل يتدخل بن سلمان لمنع انهيار دولة أخرى على حدود بلده؟

احتجاجات الأردنيين مستمرة... هل يتدخل بن سلمان لمنع انهيار دولة أخرى على حدود بلده؟

يشهد الأردن، منذ عدة أيام، تظاهرات حاشدة، تُعَدّ الأكبر حجماً وتنظيماً منذ وقت طويل، ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وضد فرض ضرائب جديدة على الطبقات الأكثر فقراً، وسط اتهامات لأطراف عربية بالتآمر على المملكة.

الحديث عن التصعيد في الأزمة الأردنية وارد بقوة، حتى بعد استقالة الحكومة، ولا سيما بعد أن صرح الملك الأردني عبد الله الثاني بأن بلده أمام مفترق طرق، محذراً، بلهجة رددها زعماء عرب سابقون، "إما الخروج من الأزمة وتوفير حياة كريمة للشعب، أو الدخول في المجهول".

وحاول الملك إلقاء المسؤولية على الحكومة، قائلاً: "اضطررت في الفترة الماضية أن أعمل عمل الحكومة، وهذا ليس دوري، أنا دوري أن أكون ضامناً للدستور، وضامناً للتوازن بين السلطات، لكن على كل سلطة ومسؤول أن يكونوا على قدر المسؤولية، والذي لا يستطيع القيام بمهامه عليه ترك الموقع لمَن لديه القدرة على ذلك".

لماذا انتفض المواطن الأردني؟

تظهر تقارير اقتصادية أن الأردن يُعَدّ الأول عربياً في غلاء المعيشة ويقع في المرتبة 28 عالمياً. فقد تضاعفت أسعار الخبز، وارتفعت الضرائب على الوقود من 24% إلى 30%. وينفق الأردن 1.2 مليار دولار سنوياً أي 9% من ميزانيته لدعم الغذاء والوقود والماء.

وبلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 95% في العام الماضي، ويدفع فقط 3% من الأردنيين ضريبة دخل، لكن التقشف يضاعف من صعوبات المعيشة التي يعانون منها، خصوصاً أن معدل البطالة هو 18%.

عام 2010، استحوذت سوريا والعراق على ما يقرب من 20% من صادرات الأردن، لكن بعد أن سيطر تنظيم داعش على جزء من العراق عام 2014، اضطر الأردن إلى إغلاق حدوده معه ما أدى إلى انخفاض الصادرات إليه بنسبة 68% في العامين التاليين، وفقاً لمجلة إيكونومست.

وهبطت صادرات الأردن إلى سوريا من 169 مليون دينار عام 2010، أي قبل الحرب السورية، إلى 31 مليون دينار فقط في العام الماضي.

وفي عام 2015، ولأول مرة، تجاوزت صادرات الأردن إلى السعودية المليار دولار ثم انهارت أسعار النفط ودخل الاقتصاد السعودي في مرحلة الركود، فكان أن انخفضت هذه الصادرات بنسبة 27% خلال العام الماضي.

ويوفّر الأردن المأوى لـ656 ألف لاجئ سوري في مخيمات، وتقدّر الحكومة أنها أنفقت 10 مليارات دولار لمساعدتهم، في الوقت الذي تقلصت فيه المساعدات المقدمة من دول الخليج إليها.

سقف مطالب المحتجين... إلى أين؟

يقول أمين عام حزب الوعد الأردني محمود الخليلي إن سقف المطالب اقتصر على سحب الحكومة لمشروع قانون ضريبة الدخل الذي أرسلته إلى مجلس النواب، لكن الحكومة أصرّت على عدم سحبه "تحت ذريعة أنها ملتزمة تجاه صندوق النقد الدولي بإصدار قانون يتضمن موادَّ لمكافحة التهرب الضريبي".

وأضاف الخليلي لرصيف22 أن سقف المطالب ارتفع في الآونة الأخيرة بسبب تأخر الاستجابة وسحب القانون، فبدأت بعض الأصوات تطالب بسقوف أعلى، منها، إقالة الحكومة، وقد تم، ثم ارتفعت الأصوات لتطالب بحل مجلسي الأعيان والنواب.

ويعتبر السياسي الأردني أن وعي الأردنيين سيضبط سقف المطالب "حفاظاً على الممتلكات العامة وعدم الانزلاق إلى الفوضى"، مضيفاً أن المطلوب هو "إصلاح" اقتصادي وسياسي.

هل تهدد التظاهرات الملك الأردني؟

يرى المحلل السياسي الأردني عمر محارمة أن لا مخاوف من حدوث تصعيد أو فوضى في الأردن، حتى الآن، لأن "الحراك في الشارع منضبط وواضح الأهداف ويسير بطريقة سلمية والأجهزة الأمنية تتعامل بأسلوب حضاري ولم يحدث أي احتكاك يدفع إلى الخوف".

ويؤكد محارمة أن "المخاوف الوحيدة مرتبطة بالخطر من استغلال أعداء الأردن، سواء التنظيمات الإرهابية، والميليشيات الطائفية، والنظام السوري، وإيران، وقبل كل ذلك الموساد الإسرائيلي، للتجمعات الجماهيرية من أجل وضع مندسين بين المتظاهرين لتنفيذ أعمال إرهابية أو لمحاولة حرف الحراك عن وجهته وإحداث صدام مع الأجهزة الأمنية".

أقوال جاهزة

شارك غردلن يغامر محمد بن سلمان بانهيار دولة أخرى على حدوده، وسيسارع في نهاية الأمر إلى إنقاذ النظام الأردني الذي يمثّل جداراً قوياً في مواجهة تدفق المسلحين من سوريا إلى المملكة

شارك غرديمكن توقّع أن الدول العربية الغنية والإدارة الأمريكية ستأتي لإنقاذ الملك الأردني ودعمه مالياً، لأن الأردن بلد مهم استراتيجياً في دائرة الدول العربية الموالية للغرب، وهو لبنة مهمة في الجدار المحصن ضد إيران

ويذكر المحلل الأردني أن النظام قوي وراسخ بسبب وجود روافع قوية سياسية واجتماعية متمسكة باستقراره، مضيفاً أن "الشعب مدرك أن نهج النظام لا يسير في الطريق الصحيح، لكن هناك شعوراً عاماً بأن الصبر على مشاكل النظام وعيوبه أفضل كثيراً من مخاطر السعي إلى تغييره".

ويضيف محارمة أن الشعار الرئيسي المرفوع في الشارع هو تصحيح النهج وإصلاح النظام وليس إسقاطه، مؤكداً أن موقف العشائر في الحراك ذاب و"ذابت جميع الهويات تحت الهوية النقابية التي تقود الحراك الدائر حالياً، وحتى الأحزاب السياسية لم تظهر في الشارع".

الإخوان... غائبون عن المشهد

يؤكد محارمة أن جماعة الإخوان غائبة تماماً عن التظاهرات، ولم يكن لها أي حضور كتنظيم في الشارع خلال هذا الحراك، واقتصر الأمر على مشاركة بعض أفرادها بصفتهم الشخصية، دون قرار رسمي من التنظيم.

ونفى محارمة أن يعقد الإخوان أية صفقات لإشعال الموقف أو أن يكون لهم علاقة بأية تهدئة، مشيراً إلى أن التظاهرات والحوار يقودهما مجلس نقباء النقابات المهنية مع رئيس الحكومة الجديدة وفريقه الوزاري، و"موقف الحكومة الجديدة من مطالب الشارع خصوصاً في ما يتعلق بقانون الضريبة والنهج الاقتصادي سيحدد مصير البلاد".

وقف المساعدات الخليجية... عقاب أم نتيجة أزمة؟

يشير تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلى أن استبدال رئيس الوزراء هو تكتيك يستخدمه الملك عبد الله الثاني في محاولة لاسترضاء الجماهير عندما يهدد الاستياء استقرار المملكة، لكن وراء الاحتجاجات الحالية عوامل دولية صعب التعامل معها.

في نهاية عام 2017، أوقفت دول الخليج مساعدات سنوية بقيمة مليار دولار كانت تغطّي الكثير من نفقات الأردن خلال السنوات الخمس الماضية. وبحسب نيويورك تايمز، هناك تساؤلات مطروحة حول ما إذا كان الخليجيون يعيقون المساعدات بسبب انخفاض سعر النفط وهبوط ميزانياتهم الخاصة، أم بسبب الاختلافات السياسية.

وفي العام الماضي، قطعت السعودية والإمارات علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع قطر، لكن الملك الأردني رفض أن يحذو حذوهما.

وأظهر حكام الخليج، وفقاً لنيويورك تايمز، مزيداً من الاهتمام ببناء جبهة مشتركة ضد إيران مع واشنطن وبصورة ضمنية مع إسرائيل، أكثر من اهتمامهم بمواجهة إسرائيل للفلسطينيين.

في المقابل، أظهر الأردن اهتماماً بالقضية الفلسطينية، وعارض ما يُعرف بصفقة القرن. وأكثر من ذلك، شارك الملك عبد لله الثاني في القمة التي دعا إليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول القدس وقاطعها قادة كل من السعودية والإمارات ومصر.

وأفاد تقرير إيكونومست السابق ذكره بأن الملك عبد الله أزعج السعوديين عندما أرسل وحدة صغيرة فقط للمشاركة في القتال ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، مضيفاً أن الأردن كان الوسيط مع إسرائيل، إلا أن دول الخليج تتحدث الآن بشكل مباشر مع تل أبيب ما أدى إلى تآكل قيمة عمّان الاستراتيجية.

في ذات السياق، اتهم رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم آل ثاني، يوم الاثنين، دولاً "قريبة" من الأردن بالوقوف وراء الاحتجاجات العارمة للضغط عليه للقبول بـ"صفقة القرن".

في نهاية الأمر... لا مفرّ من إنقاذ الملك

يذكر الكاتب الإسرائيلي تسيفي بارئيل، في مقال بصحيفة هآرتس، أنه لن يكون من المبالغة أن نتوقع أن الدول العربية الغنية والإدارة الأمريكية ستأتي لإنقاذ الملك عبد الله ودعمه مالياً، لأن الأردن بلد مهم استراتيجياً في دائرة الدول العربية الموالية للغرب، وهو لبنة مهمة في الجدار المحصن ضد إيران.

ويشير إلى أن هذا التدخل سيحدث عندما يردد المحتجون هتافات ضد النظام للمطالبة بسقوط الملك، وليس فقط ضد رئيس الوزراء، ويضيف أن الملك الأردني أثبت خلال فترة حكمه التي امتدت 19 عاماً أنه يعرف كيف يتعامل مع الأزمات ويبقي مملكته على قيد الحياة.

يوم الأحد الماضي، هاتف ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد ملك الأردن من أجل التعبير عن دعم الإمارات لعمان أمنياً، لكن يُتوقع أن يأتي الدعم الأكبر للنظام الحاكم الأردني من رئيس الوزراء الإماراتي وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد المتزوج من شقيقة ملك الأردن، الأميرة هيا بنت الحسين.

في 14 فبراير 2018، وقّع وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون، نيابة عن حكومة الولايات المتحدة، أكبر حزمة مساعدة أمريكية للأردن بزيادة قدرها 28% عن حزمة المساعدات التي كان يتلقاها في الأعوام السابقة.

وفقاً للاتفاق، قررت الولايات المتحدة تقديم 6.4 مليار دولار مساعدات للأردن على خمس سنوات، أي 1.275 مليار دولار سنوياً، بداية من عام 2018 حتى السنة المالية 2022، رغم أن إدارة ترامب أعلنت مراراً وتكراراً نيتها تقليص المساعدات الخارجية.

وفي الأسبوع الماضي، قررت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) منح مساعدات للقوات الخاصة الأردنية بقيمة 22 مليون دولار في إطار خطة دعم سنوية لعمّان التي تُعدّ أحد أهم مراكز انطلاق القوات الأمريكية إلى سوريا بعد توتر العلاقات مع تركيا.

أما السعودية، فقد هاتف ولي عهدها محمد بن سلمان ملك الأردن مساء الاثنين لبحث العلاقات الأخوية بين البلدين ومستجدات الأوضاع بالمنطقة.

بالتأكيد، لن يغامر بن سلمان بانهيار دولة أخرى على حدوده، وسيسارع في نهاية الأمر إلى إنقاذ النظام الأردني الذي يمثّل جداراً قوياً في مواجهة تدفق المسلحين من سوريا إلى المملكة.

ويعتبر كثيرون أن ملك الأردن سيقبل بأية ضغوط، سواء في ما يتعلق بقطر، أو بتحمل عبء القضية الفلسطينية، كي يعيد الهدوء إلى عمان ويثبت عرشه.


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

كلمات مفتاحية
الاحتجاج تظاهرات

التعليقات

المقال التالي