حملت السلاح لتحقيق مشاريعها وصاغت فكراً جديداً عن العالم... الحركة الصوفية السنوسية

حملت السلاح لتحقيق مشاريعها وصاغت فكراً جديداً عن العالم... الحركة الصوفية السنوسية

بخلاف النظرة الشائعة عن الصوفية كتيار منقطع عن شؤون الدنيا، ظهرت طرق صوفية عُرفت باسم "الصوفية الجديدة" انغمست في شؤون الحياة، وحملت مشاريع سياسية، ومارست نشاطات اقتصادية، ومن هذه الطرق الحركة المهدية في السودان، والسنوسية في ليبيا.

وكانت الحركة السنوسية حركة إصلاحية عالمية الطابع، حملت لواء الدعوة الإسلامية في إفريقيا، واهتمت بنهضة المجتمعات وفق رؤية تدعو للعودة إلى الكتاب والسنة، وترك البدع.

وتزامنت نشأة الحركة مع تهديد الاستعمار الأوروبي للأقطار الإسلامية، فكان الاستعداد لقتال المستعمر ركناً أساسياً في الطريقة، بجانب العبادة والعمل لكسب العيش.

نشأة الحركة السنوسية وأفكارها

في كتاب "السنوسي الكبير"، يذكر محمد الأشهب أن الحركة السنوسية تُنسب إلى محمد بن علي السنوسي الذي وُلد في تلمسان بالجزائر عام 1798، ويمتد نسبه إلى الخلفاء الأدارسة الذين حكموا المغرب (688 -974) وتلقى العلم في جوامع الجزائر وفاس. وكان للسنوسي مشروعاً دعوياً يحمل رؤية سياسية للعالم الإسلامي.

وفي كتاب "الحركة السنوسية نشأتها وتطورها في القرن التاسع عشر"، يبيّن أحمد الدجاني أن السنوسي تأثر بالروح الصوفية التي كانت تسيطر على المغرب العربي، ودرس على يد عدد من شيوخ الطرق الصوفية، كما درس الفقه المالكي. وبجانب ذلك، كان لديه اهتمام بالأمور السياسية، فشغله التصدي لجور الحكام، وسوء وضعف الحكم العثماني في الجزائر، وأطماع الدول الأوروبية فيها، فبدأ يمارس نشاطاً سياسياً أثناء وجوده في مدينة فاس.

ويضيف الدجاني أن السنوسي تولى التدريس في الجامع الكبير بمدينة فاس، وحقق شهرة واسعة، فطلبه سلطان مراكش مولاي سليمان للعمل في بلاطه إلا أنه رفض، واستمر في دعوته الدينية والسياسية للوحدة الإسلامية، ما أدى خوف سلطان مراكش منه، خشية أن تنقلب دعوته على حكمه، فاضطر السنوسي لترك مراكش، ليبدأ رحلته إلى مكة، ومرّ أثناءها بالجزائر ومنها بتونس وليبيا ومصر.

أمراء السنوسية ومعهم شيوخ بعض القبائل الليبية

ويوضح الأشهب في كتابه أن السنوسي التقى في مكة بالشيخ أحمد بن إدريس، شيخ الطريقة القادرية والطريقة الخضيرية، ومؤسس الطريقة الإدريسية، والذي كان أيضا متأثراً بأفكار الوهابيين الدينية، فأخذ عنه السنوسي ولازمه لمدة 15 عاماً.

ثم بدأ السنوسي دعوته في مكة، وصار له تلامذة، واستجاب لدعوته عدد من حجاج طرابلس الغرب والحجاز، وبنى أول زاوية في أبي قبيس بمكة لنشر دعوته الإصلاحية عام 1827، ثم تتالى إنشاء الزوايا، فكانت أول زاوية في ليبيا في البيضاء عام 1842، وانتشرت الزوايا في ليبيا والصحراء الإفريقية ومصر وبلاد المغرب والشام والحجاز.

ويقول المدرس المساعد بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة والباحث في الحركة السنوسية أحمد الشربيني لرصيف22: تُعتبر السنوسية حركة تجديدية بالنسبة إلى تراث الصوفية السابق، ويُطلق عليها مع طرق أخرى منها المهدية في السودان ‘الصوفية الجديدة’، واتسمت بتبني مشروع سياسي، وبكونها تبشيرية على عكس الصوفية قبلها، كما أنها حملت السلاح لتحقيق مشاريعها السياسية، بجانب صياغتها لفكر جديد عن العالم وعن الشريعة والعقيدة والتصوف".

ويضيف الشربيني: "السنوسية حركة صوفية سنية تحمل سمات حركات التجديد مثل الوهابية، إذ واجهت كل الوسائط بين الله والعبد، واشتبكت في معركة التقليد والاجتهاد، ورأت نفسها حركة اجتهادية فقهية، وحركة توحيد تسعى لاستيعاب الطرق قبلها، وهي أكثر سنية والتزاماً بظاهر النصوص من الحركات السابقة، كما رفضت الباطنية، ورفضت التجاوزات في الطرق السابقة".

واستهدف الإمام السنوسي إصلاح الفرد المسلم، وتكوين نواة مجتمع إسلامي قوي، ونشر الإسلام في البلاد التي لم يصلها من قبل. واتخذ أساساً له لتحقيق هذا الهدف "الزاوية" و"الطريقة الصوفية". فبهما معاً يتم صلاح الفرد فيرتفع بنفسه عن طريق الصوفية، ويعيش مساهماً في مجتمع يستغل إمكانياته عن طريق الزاوية، وفق شرح الدجاني.

وكان الإمام السنوسي مؤمناً بما تدعيه الصوفية من الرؤيا والاتصال والكشف، فكان يرى في نفسه صاحب رسالة ومهمة دينية. ويقول الشربيني: "بشكل عام كان للإمام السنوسي مكانة كبيرة، أقرب إلى مكانة الولي، لكن مع نحي الحركة نحو السلفية نُزعت القداسة تدريجياً".

ويبيّن الشربيني أن الحركة السنوسية كانت على علاقة بالوهابيين الذين وفّروا الحماية لزواياها في الحجاز، ومن ناحية أخرى وُجد تقارب أيديولوجي واضح بينهما، إذ تمّت سلفنة السنوسية، في حين أنها رفضت التقارب مع الحركة المهدية في السودان، بل وحدث اشتباك بين مؤيدي الحركتين في غرب السودان.

وواجه الإمام السنوسي علماء عصره بالدعوة إلى الاجتهاد، ورفض فكرة أن باب الاجتهاد تم إغلاقه بدعوى اجماع العلماء قبله، وتعرض للتكفير من عدد من مشايخ مصر والحجاز، وفق الدجاني.

الزاوية السنوسية مركز للعبادة والعمل والتدريب

يذكر أحمد الشربيني أن الزوايا كانت معروفة من قبل في العالم الإسلامي، فهي نوع من أنواع المقرات. وبالنسبة للسنوسية وُجدت زواياها على طرق التجارة في الصحراء الإفريقية، وقامت بدور دور الضيافة، وكانت مقراً لإرسال بعثات للدعوة للإسلام، وقامت بدور في توطيد العلاقات بين القبائل الليبية، وساهمت في تنشيط حركة التجارة لأنها نشرت الأمن.

ويوضح أحمد الدجاني في مرجعه المذكور أن الزاوية أدت عدة وظائف في الحركة السنوسية منها: أنها مركز السلطة في القبيلة، ومركز الحكم والفصل في الخصومات، والمركز التعليمي الذي ضم المدرسة القرآنية، والمسجد، والمركز الاقتصادي، ويُعقد فيها السوق، وهي مركز دفاعي للمنطقة المحيطة بها.

وفي كتابه "السنوسية دين ودولة"، يذكر محمد شكري أن السنوسية اتبعت نظاماً دقيقاً في إنشاء الزوايا، حتى غدت كل منها بمثابة حكومة ذات سلطان عظيم على المقيمين في جهتها في مناطق صحراء ليبيا، والصحراء الإفريقية.

ويقول أحمد الشربيني إنه تم إطلاق لفظة "الإخوان" على أتباع الطريقة السنوسية من سكان الزوايا، وذلك لأن الحركة اتخذت من الدين هوية، فكانت الأخوة بين الليبي والمصري والمغربي والحجازي والإفريقي.

وحملت السنوسية بذوراً سياسية، تم توظيفها لاحقاً بشكل واسع، فمن البداية وهي تحمل مشروعاً توحيدياً للعالم الإسلامي، وتبنى دعوة لتوحيد كل الطرق الصوفية، يتابع الشربيني.

وترجم الإمام محمد السنوسي رؤيته السياسية في اختيار مواقع حصينة للزوايا، لتكون بمثابة قلاع، وقام الإخوان بتدريب سكان الزوايا على السلاح، ويرجع ذلك إلى توقعه لخطر الغزو الأوروبي في أية لحظة، فقد عايش غزو فرنسا لبلاده الجزائر 1830، كما أنه تابع التهام أوروبا للدول الإسلامية تباعاً.

وتكونت الحركة السنوسية من الإمام في القمة، وتحته مجلس أعلى يتكون من كبار الإخوان وكبار رؤساء الزوايا، وفي القاعدة الزوايا. وكان يُعقد اجتماع سنوي لبحث الإشراف على المسائل العلمية والدينية، والدنيوية، وفق الدجاني.

دور الحركة في نشر الإسلام ومقاومة الاستعمار

نشطت السنوسية في نشر الإسلام في إفريقيا، وحاربت التبشير المسيحي، واهتمت بإعداد الدعاة من الأفارقة، فاشترى الإمام السنوسي قافلة من العبيد، وأعتقهم وعلمهم الدعوة ثم أرسلهم إلى قبائلهم لنشر الإسلام، وفق كتاب "السنوسية دين ودولة".

ويكمل أحمد الشربيني أن الحركة قامت بدور كبير في نشر الإسلام في إفريقيا، وامتدت دعوتها مع طرق التجارة إلى تشاد والنيجر وغرب السودان، كما لعبت الحركة دوراً في مقاومة الاستعمار والتوسع الفرنسي في الصحراء الإفريقية، ثم لاحقاً في مقاومة الإيطاليين في ليبيا.

أقوال جاهزة

شارك غردنشطت الحركة السنوسية في نشر الإسلام في إفريقيا، وحاربت التبشير المسيحي، واهتمت بإعداد الدعاة من الأفارقة، فاشترى الإمام السنوسي قافلة من العبيد، وأعتقهم وعلمهم الدعوة ثم أرسلهم إلى قبائلهم لنشر الإسلام

شارك غردكانت الحركة السنوسية حركة إصلاحية عالمية الطابع، حملت لواء الدعوة الإسلامية في إفريقيا، واهتمت بنهضة المجتمعات وفق رؤية تدعو للعودة إلى الكتاب والسنة وترك البدع

وفي عام 1860، توفي الإمام الأول السنوسي، فخلفه ابنه الإمام محمد المهدي، الذي كان يُنظر إليه على أنه المهدي المنتظر، من أغلب أتباع الطريقة.

وكانت الحركة قد قاومت الاستعمار الفرنسي منذ احتلاله الجزائر، فمدت المقاومة بالمال والرجال، فردت فرنسا بمنع السيد محمد السنوسي من دخول الجزائر، فاستقر في ليبيا.

وعام 1899، في عهد الإمام الثاني محمد المهدي، وجه الفرنسيون حملة عسكرية صوب مملكة كانم (تشاد الحالية) المدعومة من السنوسيين، فجهز السنوسيون جيشاً بقيادة السيد أحمد الشريف، ابن أخ المهدي، خاض معارك عديدة مع الفرنسيين، إلا أن النصر لم يكن حليفهم، وفق ما ذكره محمد شكري.

وكان اشتباك السنوسية مع الفرنسيين في السودان الغربي مؤذناً ببداية الجهاد الذي طالما أعد السنوسيون أنفسهم له. وتوفي السيد المهدي، وخلفة ابن أخيه السيد أحمد الشريف، وتجدد الجهاد ضد الفرنسيين حتى زوال مملكة وداي.

وقاومت السنوسية الفرنسيين في مناطق أخرى، في جهات التبسي، وبرقو واندي وانيري، إلا أن المقاومة السنوسية انهارت في الصحراء، بسبب نقص الأسلحة، والتحالفات الدولية التي تركت المنطقة لفرنسا، بجانب أن الحركة سحبت جهودها إلى ليبيا لمواجهة الغزو الإيطالي لليبيا عام 1911.

عمر المختار قائد المقاومة السنوسية

يسرد محمد شكري في كتابه قصة الجهاد السنوسي ضد الطليان ويقول إنه بدأ بإعلان السيد أحمد الشريف النفير ضد المحتل الإيطالي، فلبت العديد من قبائل الصحراء الدعوة، وانضمت إلى معسكرات الأتراك قليلة العدد، لصد التوسع الإيطالي، في ولاية طرابلس.

أما في برقة، مقر السنوسية، فقد حشدت الزوايا القبائل المنتسبة إليها، وتوجهت لتدعم العثمانيين ضد الطليان، ومنهم عمر المختار. وكتب السيد أحمد الشريف للعرب جميعاً بالجهاد، تحت قيادة العثمانيين، إلا أنهم انسحبوا من القتال بتوقيع اتفاقية لوزان 1912 بضغط من الدول الأوروبية.

ويقول الباحث الليبي شكري السنكي لرصيف22: "يمثل عمر المختار جزءاً من تاريخ حركة التحرر الوطنيّ، وهو أحد الذين حاربوا تحت قيادة السيد أحمد الشريف ثم لاحقاً السيد محمد إدريس السنوسي".

ويبين أحمد الشربيني أن السنوسية دخلت مصر في الحرب العالمية الأولى، ووصلت إلى الضبعة، في سياق مقاومة الإيطاليين.

وكانت تركيا قد حرضت السنوسيين على دخول مصر ومهاجمة الإنكليز، وهو ما قام به السيد أحمد الشريف، إلا أن هُزم، ولم يكن السيد محمد إدريس قد تولى الرئاسة بعد، وعارض خطة غزو مصر التي ترتب عليها تضييق بريطاني غير مسبوق على الحدود، فتوقفت الإمدادات الغذائية والعسكرية الآتية منها، وتعرضت البلاد لخطر المجاعة، كما انقلبت قوات تركيا على السنوسيين وهاجمتهم، وفق محمد شكري.

بعد ذلك، تقرر نقل الرئاسة للسيد محمد إدريس، الذي بادر إلى عقد الصلح مع الإنكليز. واشترطت بريطانيا لعقد الصلح أن يعقد السنوسيون صلحاً مع حلفائهم الطليان، فتم عقد اتفاقية طبرق عام 1917، واعترفت بموجبها إيطاليا بإمارة السيد محمد إدريس في برقة، وبقي الساحل تحت سيطرتها.

واتخذ السنوسيون أجدابيا عاصمة لهم، ثم بايعت مجمل ليبيا لاحقاً السيد محمد إدريس، فأغضب ذلك إيطاليا، فاضطر السيد إدريس للخروج إلى مصر، وتسلم عمر المختار قيادة المقاومة، وفق مرجع محمد شكري.

ليبيا المستقلة بقيادة الملك محمد إدريس السنوسي

يروي الباحث شكري السنكي أنه حين قامت الحرب العالمية الثانية عام 1939، راهن الأمير إدريس على الحلفاء، ورأى ضرورة الانضمام إليهم لطرد الطليان من ليبيا، فاجتمع بقادة الليبيين في مصر، وقرروا إنشاء جيش وطني من المقيمين في مصر، يدخل ليبيا تحت قيادة بريطانيا، فكان تأسيس جيش التحرير، وبلغ عدد أفراده ما يزيد عن 11 ألف جندي.

وقام الأمير إدريس بدعوة الليبيين لمساعدة قوات التحالف، فانقلب الليبيون المجندون في الجيش الإيطالي، وانضموا إلى رفاقهم في جيش التحرير.

ويذكر السنكي أن الأمير إدريس عاد إلى ليبيا، ثم قاد عملاً سياسياً دؤوباً، للوصول إلى قرار أممي بشأن استقلال ليبيا، وتمكنت وفوده إلى الأمم المتحدة عام 1949 من انتزاع قرار أممي يحمل رقم (289) يقضي بمنح ليبيا اسقلالها في موعد لا يتجاوز الأول من يناير 1952.

وتم الإعلان عن استقلال ليبيا يوم 24 ديسمبر 1951، وأصبحت منذ ذلك اليوم دولة مستقلة ذات سيادة، واتخذ الأمير إدريس لنفسه لقب ملك المملكة الليبية المتحدة، يتابع السنكي.

ويؤكد الشربيني لرصيف22 أن الدعوة السنوسية هي أساس قيام الدولة الحديثة في ليبيا، وقبلها كانت ليبيا مجرد ولايات هي برقة وطرابلس وفزان.

واستمرت المملكة الليبية بزعامة الملك محمد إدريس السنوسي حتى انقلاب الأول من سبتمبر عام 1969 بقيادة مجموعة من ضباط الجيش على رأسهم العقيد معمر القذافي، وانتقل الملك إلى مصر لاجئاً.


حامد فتحي

​حامد فتحي، صحفي مصري، مقيم في القاهرة، حاصل على بكالوريوس في الإعلام جامعة القاهرة، وطالب دراسات عليا فلسفة جامعة القاهرة، مهتم بالأدب نقدا وكتابة، ليبرالي

التعليقات

المقال التالي