عن معركة أشعلها طه حسين عام 1933... هل نحن عرب أم فرعونيون وفينيقيون وأشوريون؟

عن معركة أشعلها طه حسين عام 1933... هل نحن عرب أم فرعونيون وفينيقيون وأشوريون؟

"إن المصريين قد خضعوا لضروب من البغض وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان وجاءتهم من العرب والترك والفرنسيين".

ربما لم يدُر بخلد عميد الأدب العربي طه حسين (1889 – 1973) عندما كتب هذه الجملة في مقالة، بجريدة كوكب الشرق عام 1933، أنه نطق بكلمات ستفتح أبواب جدل سيستعر طويلاً.

ستكون هذه الجملة سبباً في اشتعال أكبر معركة فكرية في تاريخ المشرق الحديث، معركة ستستمر لمدة تربو على ست سنوات متتالية، وسيعصف لهبها بالمنابر الثقافية من وادي النيل حتى الشام وبلاد الرافدين.

عبد الرحمن عزام

أطلق الشرارة الأولى للمعركة السياسي المصري عبد الرحمن عزام (1893 – 1976) الذي سيصبح في ما بعد أول أمين عام لجامعة الدول العربية.
كتب مقالاً بعنوان "أليست مصر عربية؟" في جريدة البلاغ المصرية، رد فيه على طه حسين، مع اعترافه بمكانته الفكرية، وطالبه بـ"أن يتفضل بذكر بعض الحوادث التي تدخل العرب المسلمين في زمرة البغاة المعتدين".
وأكد عزام على عروبة المصريين قائلاً: "قبل المصريون دين العرب وعادات العرب ولسان العرب وحضارة العرب وأصبحوا عرباً في طليعة العرب" وأضاف: "والذي نعلمه من البحث عن أنساب أقاليم مصرية بأكملها أن أكثرية دماء أهلها ترجع إلى العرق العربي".
ونفى أن يكون الشعب المصري الحالي من سلالة المصريين القدماء اللهم إلا فئة قليلة وقال إن الأمة المصرية غمرها سيل من الهجرة العربية. وختم مقاله بانتقاد جميع النزعات القومية المخالفة للقومية العربية.
وكتب: "ماذا بقي من أشور وفينيقية وفرعون وقرطاجنة غير ما أبقاه العرب في أنفسهم وغير الأمة الحية التي تمتد الآن من المحيط إلى المحيط؟ ونحن إنما ننتسب بصفة عامة إلى تلك الأمة الحية الوراثة للأرض المبثوثة فيها".

طه حسين

رد طه حسين على مقال عزام بمقال نشرته جريدة كوكب الشرق انتقد فيه جريدة البلاغ التي تزعمت الحملة الشرسة ضده، ونفى أن يكون خصماً للعرب أو منكر لمجدهم البائد.
وقال: "إني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب". لكنه استدرك أن تاريخ الحكم العربي لمصر "كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية مزاجاً من الخير والشر والعدل والجور وقد ضاقت مصر به وثارت عليه وجدت في الثورة".

إبراهيم المازني

أثار مقال طه حسين الأخير حفيظة الشاعر والأديب المصري إبراهيم المازني (1889 – 1949)، فحرر مقالاً نشرته جريدة البلاغ، انتقد فيه منطق حسين في تشنيعه على العرب.
كتب المازني أن "حكم الإنسان للإنسان يكون فيه الخير والشر والعدل والجور. وإن كل أمة قديمة أو حديثة في كل مكان من هذه الأرض لقيت هذه الألوان من حكامها".
وخلص في مقاله إلى نتيجة أخيرة وهي أن طه حسين، لا سيما في مقاله الأخير، يتهم العرب بالجور والعدوان والبغي في حكمهم لمصر.

عبد الرحمن عزام

عقب مقال طه حسين، نشر عبد الرحمن عزام مقالاً ثانياً في جريدة البلاغ أعرب فيه عن إيمانه لا بعروبة مصر وحدها بل وبعروبة جميع الدول الناطقة بالعربية.
ودلل على عروبة مصر بفكرة اندماجها في الأمة العربية، وجذور العروبة فيها، فكتب قائلاً: "لقد فعلت آلاف السنين فعلها، لأن مما لا شك فيه أن امتزاج العرب بقدماء المصريين واشتراكهم مع العرب في أرومة واحدة هو قول يؤيده ما بين الهيروغليفية والعربية من التشابه القوي، وقد كان العرب يدّعون خؤولة قدماء المصريين لهم قبل ظهور الإسلام بقرون طويلة".
ثم انتقد عزام مرة أخرى جميع الأفكار القومية غير العربية في المنطقة وقال: "فليذهب إذن دعاة الفرعونية في مصر أو الفينيقية في سوريا أو الأشورية في العراق حيث شاءوا فإذا استطاعوا أن يستنهضوا قرية واحدة باسم الأمم التي فنيت في أهل العربية فإنهم يستطيعون أن يقيموا شعوبيتهم على أساس عميق. أما الدعوة باسم العربية فإنها تستنهض سبعين مليونا في أفريقيا وآسيا".

محب الدين الخطيب

وانضم الكاتب الإسلامي السوري محب الدين الخطيب (1886 – 1969) إلى صف عبد الرحمن عزام وكتب مقالاً في البلاغ بعنوان "القومية العربية ومكانة مصر منها" أكد فيها على عروبة مصر والعراق وسوريا.
واستشهد بمعجم اللغة المصرية القديمة لأحمد كمال باشا الذي كان "يفسر لغة مصر القديمة بلغة مصر الحديثة (العربية) ويجد في العربية في مقابل بعض الألفاظ المصرية القديمة ألفاظاً شبيهة بها لفظاً ومعنى" وهو ما عده الخطيب دليلاً على عروبة مصر منذ القدم.
وكتب: "إن لغة مصر القديمة هي لغة جزيرة العرب لا تختلف إحداها عن الأخرى إلا بالإمالات وبعض المترادفات فهما لهجتان من لغة واحدة"، بل وأجاز إمكانية أن يكون مينا موحد القطرين من جزيرة العرب.
واتهم الخطيب الاحتلال الأجنبي بالسعي إلى تفتيت الشرق الإسلامي بالقوميات. وأردف قائلاً: "هل إحياء عنوان (الأشوريين) في العراق بعد أن أماتته القرون، وإحياء العرف البربري في شمال أفريقيا، وتأليف كتب نحو وصرف للغة البربرية إلا حلقات من سلسلة برنامج مرسوم ونحن نضع أعناقنا في هذه السلسلة لنختنق بها... هل أنبه إلى أن الإدارة بفلسطين أرادت قبل سنين أن تحيي اسم (فينيقيا) وتطلقه على المقاطعة الشمالية الغربية هناك".
وقال إن الإنكليز وصنائعهم اجتهدوا لكي "يوهموا النشء المصري بأن وجود العربية والإسلام في مصر إنما هو احتلال كالاحتلال الفارسي واليوناني والروماني والفرنسي والإنكليزي".

عبد القادر حمزة

ثم حرر الكاتب الصحافي المصري، عبد القادر حمزة (1880 – 1941) مقالاً في البلاغ تحت عنوان: "مصر من العرب والقومية والعربية"، قال فيه: "لمصر وطن أول هو مصر ووطن ثانٍ هو القومية العربية".
وقال حمزة وقد عاد خطوة إلى الوراء إنه لا ينكر "أن العنصر السامي اتصل بمصر منذ آلاف من السنين وأن العرب لما فتحوا مصر أعطوها الدين الإسلامي واللغة والثقافة العربية ولكن لا نكران أن كل ذلك لا يسلخ المصريين من جنسيتهم المصرية وبيئتهم المصرية وتاريخهم المصري". فهو يرى أن المصريين مصريون بوطنهم وجنسيتهم وتاريخهم، وعرب بدينهم وبلغتهم.

أقوال جاهزة

شارك غرد"ماذا بقي من أشور وفينيقية وفرعون وقرطاجنة غير ما أبقاه العرب في أنفسهم وغير الأمة الحية التي تمتد الآن من المحيط إلى المحيط؟"... سجال قديم حول هوية شعوب المنطقة العربية

شارك غردلما فتح العرب البلدان الواقعة خارج شبه الجزيرة، أعطوها الدين الإسلامي واللغة والثقافة العربية... فهل ذلك يسلخ أبناء شعوب هذه البلدان عن تاريخهم القديم الفرعوني والفينيقي والأشوري؟


وانتقد الذين يحددون هوية مصر منذ لحظة الفتح الإسلامي من دعاة العروبة، كما شنع عليهم كراهيتهم لذكرى الفراعنة التي يتحدث بها المصريون، وتساءل مستنكراً: "وهل يكون معقولاً أن يشيد الأوروبيون جميعاً والأمريكيون أيضاً بهذا الماضي حتى ليأتون ألوفاً كل سنة ليشاهدوا آثاره ثم ينكره المصريون أو يهملونه". وختم فكرته بقوله: "صارت مصر عربية الدين عربية اللغة منذ أربعة عشر قرناً".

فتحي رضوان

انضم المفكر والسياسي المصري فتحي رضوان (1911 – 1988) إلى المعركة بمقال نشره في البلاغ بعنوان "لا فرعونية ولا عربية بعد اليوم" انتقد فيه الفريقين سواء المؤيدين للفرعونية أو العربية، لأن كليهما "لا يبحثون بوسائل الإثبات العلمية بل يفاضلون بين مجد الأمتين ويقرنون الدين في هذه المفاضلة"، مضيفاً: "كان واجب الباحثين أن يقصروا بحثهم على العرب لا على الإسلام ووجب أن يفاضلوا بين العرب قبل الإسلام وبعده لا العرب قبله فحسب".
وانتقد رضوان الذين يخلطون العروبة بالإسلام واعتبر أنهم يسيئون للدين. وختم فكرته بقوله إن "الفرعونية والعربية موضوع يجب أن يهجر لأنه في جملته وتفصيله سبة وعار. عار أن يختلف المصريون هكذا في معرفة أصولهم وأنسابهم. عار أن يرتفع صوت كاتب عظيم ليقرر أن مصر فرعونية ويرتفع من الجهة الأخرى كاتب عظيم ليقرر أن مصر عربية".
ولم يفُته أن يتهم الاستعمار بإحداث هذه الفتنة إذ كتب: "أغلب الظن أن المسؤول هنا هم المستعمرون الذين يريدون أن يقسموا تاريخ مصر قسمين، فيفسدون وحدة تاريخ هذه الأمة العظيمة ويقلبون أبناءها إلى معسكرين يتناوشان ويتنازعان".

سلامة موسى

ثم انضم المفكر سلامة موسى (1887 – 1958) إلى المعركة وحرر مقالاً بعنوان "هذا الوطن المصري" دافع فيه عن الدعوة إلى الثقافة الفرعونية.
وكان موسى من أشد الداعين إلى فرعونية مصر، نافياً أن تكون دعوته رجعية بل دعوة حضارية، وانتقد الذين يظنون أن الدعوة إلى الفرعونية تعني الجحود للعرب أو الرجوع إلى ديانة الفراعنة وأنظمتهم، ورأى أن هذا سخف يتم التوسل به للطعن في الفرعونية.

زكي مبارك

احتدمت المعركة بدخول الأديب والأكاديمي المصري زكي مبارك (1892 – 1952) الحلبة بمقال في البلاغ بعنوان "الثقافة العربية والثقافة الفرعونية" انتقد فيه مَن يقولون بفرعونية مصر.
وقال إن "مصر اليوم لغتها العربية ودينها الإسلام، فمَن يدعوها إلى إحياء الفرعونية يدعوها أيضاً إلى نبذ اللغة العربية ويدعوها أيضاً إلى أن تذهب مذهب الفراعنة في فهم الأصول الدينية".


وقال، مؤيداً محب الدين الخطيب، إن اللغة العربية "كانت أداة التفاهم في وادي النيل لنحو ثلاثة عشر قرناً"، مضيفاً: "نحن عرب لغة وديناً ولكننا مصريون وطناً"، مشدداً على "أنه لا يربطنا بالعرب غير اللغة والدين. ونحن في ما عدا ذلك أبناء هذا الزمان".
ونفى فكرة النسب الفرعوني، وقال: "هذه فكرة وهمية، فإن مصر كانت قد اندمجت في القومية الإسلامية وصاهرت الناس من جميع الأجناس". وقال: "المصري لا يمتنع من القول بالوحدة العربية"، لكنه استبعد الوحدة السياسية.
ثم أشفع مقاله بمقال آخر بعنوان "ثقافة مصر يجب تكون مصرية" في البلاغ انتقد فيها مَن يزعمون عروبة مصر على أساس ديني، إذ نحّى الدين جانباً واعتبر أن الأولوية للثقافة. "القضية لا دخل للدين فيها مطلقاً فالمسألة ثقافة"، قال مؤكداً أن للمصريين ثقافة قديمة خاصة بهم تختلف عن ثقافة العرب.

محمد كامل حسين

ثم كتب الأديب الطبيب المصري محمد كامل حسين (1901 – 1977) مقالاً في كوكب الشرق بعنوان "لا فرعونية ولا عربية" وربما يكون العنوان مضللاً بعض الشيء، إذ يوحي بأن الكاتب يعارض الفريقين، في حين أنه يعارض فيه فقط الداعين إلى عروبة مصر.
كتب أن طبيعة المصريين وحياتهم وعقليتهم تختلف عن طبيعة وحياة وعقلية العرب. كما انتقد مَن يسمون الثقافة الإسلامية بالثقافة العربية لأنه رأى أن هذه الثقافة اشتملت على علوم وأفكار "ليست عربية في شيء".

سعيد حيدر

ودخل السياسي السوري سعيد حيدر (1890 – 1957) ميدان السجال، وكان من المشتغلين بالقضية العربية، والمدافعين عن العروبة، وحرر مقالاً بعنوان "عربية مصر" في صحيفة البلاغ. وكما يبدو من عنوان المقال، فقد كان من المدافعين عن فكرة عروبة مصر، منتقداً دعوة طه حسين.

طه حسين مرة أخرى

عاد الدكتور طه حسين عام 1938 مرة أخرى إلى معارضة القومية العربية والسخرية من الوحدة العربية عندما أدلى بتصريحات إلى مجلة الكشوف اللبنانية في حديث جرى بينه وبين بعض الشباب العرب، قال فيه إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وإنها ستبقى كذلك، وإن المصري مصري قبل كل شيء.
وأكد أن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمت بصلة إلى الدم العربي، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء. وفي ما يخص اللغة العربية، قال إنه لو كان للغة وزن في تقرير مصير الأمم لما كانت دول مثل بلجيكا وسويسرا والبرازيل والبرتغال قد قامت.

ساطع الحصري

كتب المفكر السوري ساطع الحصري (1880 – 1968) رداً على طه حسين، قال فيه إن الوحدة العربية لا تتطلب من المصريين التنازل عن المصرية، بل أن يضيفوا إلى شعورهم المصري شعوراً عربياً عاماً.
ونفى ما قاله طه حسين بشأن نسب المصريين المحدثين إلى المصريين القدماء، مؤكداً أن جميع الأبحاث العلمية تدل على أنه "لا توجد على وجه البسيطة أمة خالصة الدم".
كما انتقد طه حسين في قوله إن تاريخ مصر مستقل تمام الاستقلال عن تاريخ أي بلد آخر، وقال إن تاريخ مصر اختلط اختلاطاً عميقاً بتاريخ سائر البلاد العربية وتشابكت أوشاجه معها خلال القرون الـ13 الأخيرة على الأقل.

طه حسين مجدداً

رد الدكتور طه حسين في مجلة الرسالة بمقال ذكر فيه أن وحدة اللغة تفضي إلى وحدة الثقافة، ومن ثم وحدة العقل، كما أكد أن المصريين لا يتصورون اشتراكهم في إمبراطورية عربية مهما يكن مستقرها ومهما يكن شكلها ومهما تكن نظم الحكم فيها.
وفي ما يخص حرصه على التراث الفرعوني، أصر على أنه لم يكن مقصوداً بهذا الحرص لا العودة إلى دين الفراعنة ولا التكلم باللغة المصرية القديمة، ولا اصطناع نظام الحكم الفرعوني، وإنما المقصود به النظر إلى هذا التاريخ بما كان فيه من خير وشر على أنه جزء من حياة المصريين ومقوم لوحدة مصر ومكون لوطنيتها، "تفخر بما يدعو منه إلى الفخر، وتألم بما يدعو منه إلى الألم وتعتبر بما يثير منه العبرة وتنتفع بما يمكن أن يكون مصدراً للنفع".

المراجع والمصادر

المعارك الأدبية في مصر منذ 1914/ 1939، أنور الجندي، مكتبة الأنجلو المصرية، 1983.
المعارك الأدبية بين زكي مبارك ومعاصريه، محمد جاد البنا، دار الكتاب السعودي، 1986.
معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002، كامل سلمان الجبوري، دار الكتب العلمية، 2002.


التعليقات

المقال التالي