ماكغورك vs سليماني... تنافس بين واشنطن وطهران على رسم مستقبل العراق

ماكغورك vs سليماني...  تنافس بين واشنطن وطهران على رسم مستقبل العراق

في 15 مايو 2018، زار قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني بغداد لطرح رؤاه حول التحالفات السياسية المقبلة بين المكوّنات العراقية. وبعده بيومين، وصل منافسه، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بريت ماكغورك، إلى العاصمة العراقية لذات الغاية.

الغريمان الأمريكي والإيراني التقيا في بغداد بقادة سنة وشيعة. بعد ذلك، توجه مبعوث واشنطن إلى أربيل حيث حليفه الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، بينما طار الجنرال الإيراني إلى السليمانية للقاء حلفائه في الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة نجلي جلال طالباني، بافل وقوباد، ووالدتهما هيرو خان.

بعد أن تنافست واشنطن وطهران خلال الحرب ضد داعش وحاولت كل منهما إظهار نفسهما على أنها مَن يقود معارك التحرير، تتنافسان اليوم، بعد الانتخابات البرلمانية، على تشكيل التحالفات السياسية المقبلة. ولكل من الطرفين فريقه الذي يمكن أن يَعتمد عليه.

قام كل من ماكغورك وسليماني بجولات مكوكية في العراق قبيل الانتخابات، مع فارق أن اللقاءات التي أجراها الأول ظهرت في الإعلام، بينما لم تُعرف تحركات الثاني إلا من خلال تسريبات ولم يعلن عنها رسمياً.

ماذا يفعل سليماني وماكغورك في العراق؟

حتى فجر يوم الانتخابات، كان الجنرال الإيراني الذي يصفه البعض بـ"العطار"، نسبة إلى مدينة كرمان الإيرانية حيث ولد والتي تشتهر بكثرة العطارين فيها، موجوداً في بغداد. التقى قيادات شيعية في تحالف الفتح الذي يترأسه هادي العامري المقرب من طهران، وركّز على ضرورة ألا تتعمق الفجوة بين الكتل الشيعية، تحديداً بين تحالف الفتح وبين الأطراف الأخرى.

تقول مصادر لرصيف22 إن "سليماني كان يوضح للقيادات الشيعية ضرورة إبقاء الأبواب مفتوحة من جديد أمام التحالف"، أي التحالف الشيعي الكبير المعروف باسم "التحالف الوطني".

غادر سليماني وبقي رجل الدين الشيعي اللبناني محمد الكوثراني يدير الملف. لا يُعرف عن الكوثراني أي شيء ولم يظهر على الإعلام أبداً.

وبعد الانتخابات، عاد سليماني إلى بغداد. التقى بقيادات سنية وشيعية، ضمنها زعيم ائتلاف الوطنية أياد علاوي الذي يتهم إيران بـ"حرمانه" من منصب رئيس الوزراء عام 2010 عندما حصل على 91 مقعداً في الانتخابات البرلمانية. ويقال أيضاً إنه التقى رئيس الحكومة، زعيم ائتلاف النصر حيدر العبادي.

ركز "العطار" خلال لقائه الثاني مع قيادات تحالف الفتح على أن لا فيتو على أي مرشح لرئاسة الوزراء.

من المعروف أن رئاسة الحكومة العراقية مخصصة للشيعة. ومنذ عام 2005، يحتكر هذا المنصب حزب الدعوة المقرّب من إيران. ومن المتوقع أن تتولى المنصب مجدداً شخصية من هذا الحزب الذي أسسه محمد باقر الصدر، عم الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي حقق أفضل نتائج في الانتخابات النيابية.

في المقابل، لم تكن تحركات ماكغورك خافية على أحد، لكن قد يكون ما دارت حوله بعيداً عن الكثيرين. فلقاءاته بالقيادات السياسية العراقية ظهرت جميعها في الإعلام، وكثيراً ما ركزت، بحسب ما نُشر، على "دعم أمريكا للعملية السياسية وتشكيل حكومة عراقية جديدة".

تقول مصادر لرصيف22 إن "دور الولايات المتحدة حتى الآن لم يتعدَّ تقديم الاستشارة وطرح الرؤى، ولم يصل إلى مرحلة التوجيه أو فرض توجهات أمريكية، رغم انزعاج بعض القوى السياسية العراقية من تحركات ماكغورك التي سبقت الانتخابات وسعى خلالها إلى معرفة نوايا الكتل وتوجهاتها".

شملت زيارتا ماكغورك قبل وبعد الانتخابات كل الأطراف السياسية، بينما ركز سليماني في لقاءاته السرية قبيل الانتخابات على الأطراف الشيعية المقربة من إيران، فيما شملت زيارته الثانية أطرافاً سنية وشيعية وكردية.

هل يؤثر سليماني وماكغورك في القرار العراقي؟

لم تكن طهران وواشنطن بعيدتين عن المشهد السياسي العراقي وعن التأثير فيه، منذ عام 2003 وحتى الآن. فهما تتنافسان كثيراً على فرض قوتيهما على شكل التحالفات السياسية في البلاد أو شكل الحكومات المتعاقبة. ورغم اختلاف آليات العمل بين الطرفين، لكنهما في المحصلة ينجحان في طرح ما يريدان من خطط.

لدى سليماني حلفاؤه ولدى ماكغورك حلفاؤه. يعتبر الأول الحكومات العراقية منذ عام 2005 وحتى الآن جزءاً من خطط طهران، بينما يحاول الثاني الحفاظ على شكل النظام السياسي الحالي على اعتبار أن بلاده هي مَن أسسه.

أقوال جاهزة

شارك غردقام كل من ماكغورك وسليماني بجولات مكوكية في العراق قبيل الانتخابات، مع فارق أن اللقاءات التي أجراها الأول ظهرت في الإعلام، بينما لم تُعرف تحركات الثاني إلا من خلال تسريبات ولم يعلن عنها رسمياً

شارك غردالدور الذي فوضته أميركا وحلفاؤها في العراق لماكغورك لا يختلف عن الدور الذي يقوم به سليماني ومَن معه، فهما يتقاسمان السلطتين التشريعية والتنفيذية ويتحاصصان المتحاصص، وفق توافقات تجمّل صورة الديمقراطية

يقول الباحث هشام الهاشمي إن "سليماني يحاول الآن الحفاظ على البيت الشيعي ومنع تفككه وإحداث تقارب بين ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي وائتلاف سائرون الذي يتزعمه مقتدى الصدر، حتى تتخلص بلاده من تهديدات تشتت الأحزاب السياسية الشيعية".

ويضيف لرصيف22 أن "ماكغورك يسعى من خلال جولاته المكوكية في العراق إلى تقوية حلفائه الشيعة من خلال تشكيل حكومة لا تكون مقربة من إيران على الأقل، مثلما هو الحال مع حكومة حيدر العبادي".

ويبدو أن العامل المشترك بين طهران وواشنطن، هو الحفاظ على "المكتسبات" السياسية التي تحققت بعد عام 2003، بحسب ما يصفها سياسيون عراقيون. ورغم وجود تضارب في المصالح بينهما إلا أنهما تريان في وجود العملية السياسية الحالية مصلحة لهما.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي أمين ناصر لرصيف22 إن "الصراع بين ماكغورك وسليماني على تشكيل الحكومة وتحالفات ما قبل الحكومة هو الحَكَم الذي يمسك بصافرة نهاية المباراة بعد شوطين كارثيين: الأول، ما شهدناه من اضطراب رافق الانتخابات الأخيرة؛ والثاني، ما نتج عنها وما رافقها من لقاءات مكوكية جمعت الأضداد".

ويضيف: "الدور الذي فوضته أميركا وحلفاؤها في العراق لماكغورك لا يختلف عن الدور الذي يقوم به سليماني ومَن معه في العراق أو خارجه، فهما يتقاسمان السلطتين التشريعية والتنفيذية ويتحاصصان المتحاصص، وفق توافقات تجمّل صورة الديمقراطية".

مَن منهما الأكثر تأثيراً؟

إذا كانت الولايات المتحدة هي مَن أسقط نظام صدام حسين في أبريل 2003، إلا أنها لم تكن قريبة من العراق أو العراقيين لا على المستوى الجغرافي ولا على مستوى العلاقات الاجتماعية، بعكس إيران التي كانت قريبة منهم في كل ما ذُكر.

دخلت إيران إلى العمق العراقي ليس سياسياً فحسب، ولا حتى على المستوى العسكري في دعم جماعات مسلحة قاتلت إلى جانب القوات الحكومية العراقية في الحرب ضد داعش، بل على المستوى الثقافي والإعلامي، من خلال المؤسسات الثقافية الإسلامية أو وسائل الإعلام التي تدعمها والتي خلقت لها قاعدتين سياسية وإعلامية تساعدانها في الحفاظ على مصالحها.

يقول الصحافي العراقي المراقب لتحركات سليماني وماكغورك عمر الشاهر إن "سليماني يؤثر أكثر من ماكغورك على المشهد السياسي العراقي، لأن إيران تستطيع إدراك التناقضات العراقية، على عكس أمريكا. ورغم توغل الأخيرة في العراق، إلا أنها تبقى تدير الأمور بحسابات خاطئة وبواسطة خبراء لا يعرفون الكثير عن الوضع العراقي وتفاصيله ولذلك يكون في تقديراتهم تقصير وعدم دقة".

ويضيف: "ماكغورك توقف قبل أيام عن تحركاته إزاء الكتل السياسية العراقية، لأنه جاء بخطط وطروحات لم ترضَ بها الأحزاب التي تتحاور لإجراء تحالفاتها وتشكيل الحكومة المقبلة، وهذه واحدة من الأخطاء التي وقعت بها أمريكا في ما يخص الملف العراقي كونها تعتمد على بعض مراكز الدراسات التي تخطئ دائماً في الملفات العراقية".

ويرى الشاهر أن العراق بالنسبة إلى أمريكا جزء من قضايا عالمية، أما إيران فهي تعتبر بلاد ما بين النهرين قضية مفصلية وتعرف كل شيء فيها وتتعامل مع التفاصيل.


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي