قصة فلسطينيي سوريا مع الحرب الدائرة حولهم منذ سبع سنوات

قصة فلسطينيي سوريا مع الحرب الدائرة حولهم منذ سبع سنوات

عام 1948، هرب عدد كبير من الفلسطينيين خارج بلادهم واتجه كثيرون منهم شمالاً نحو الأراضي السورية، وأقاموا فيها لعقود، ولم يتوقعوا أن عام 2011 سيضعهم أمام حرب شرسة تفرض عليهم التهجير مرة ثانية.

شكل اللاجئون الفلسطينيون مكوناً ذا خصوصية داخل النسيج السوري على امتداد أكثر من 64 عاماً، وساعدتهم على ذلك تشريعات ساوت بينهم وبين السوريين في معظم المجالات، حسبما يرى أيمن أبو هاشم، المنسق العام لـ"التجمع الفلسطيني السوري الحر" (مصير)، وهو إحدى الهيئات المدنية الداعمة للثورة السورية.

يلفت أبو هاشم إلى أن موقف الفلسطينيين في بداية الأزمة السورية كان يؤكد على تحييد المخيمات ومساعدة النازحين، و"هو ما أجمعت عليه الفصائل الفلسطينية، سواء فصائل منظمة التحرير الفلسطينية أو قوى التحالف بما فيها حماس والجهاد".

وبعد إشارته إلى أن مخيم اليرموك استقبل وحده ما يزيد عن 300 ألف نازح، قال لرصيف22: "النظام السوري لم يقبل بهذه المعادلة منذ البداية، فإما أن يكون الفلسطينيون أداة بيده أو يعتبرهم ضده".

ويشير أبو هاشم إلى صعوبة تحييد المخيمات نظراً لتداخلها جغرافياً واجتماعياً مع المناطق المشتعلة بجوارها.

ويوضح أن مخيم درعا كان أول مخيم يتعرّض لحملات اقتحام، بسبب انحيازه إلى ثورة أهل حوران، فسقط وسام الغول، "أول شهيد فلسطيني في الثورة السورية"، كما استقبل مخيم الرمل المتظاهرين في بيوت أبنائه، فقُصف في يونيو 2011.

الدخول في أتون الحرب

"عاصمة الشتات". هكذا يلقّب الفلسطينيون مخيم اليرموك، أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، وكان يضم 144 ألف لاجئ قبل الحرب، تقلصوا كثيراً في تلك المساحة المحاصرة بسبب ما شهدته من صراعات.

يعود أبو هاشم إلى مرحلة بدايات الحرب السورية ويروي أن تأسيس "اللجان الشعبية" كان السبب في دخول مخيم اليرموك الحرب، مضيفاً أن الدعوة إلى إنشائها أتت من "الخالصة"، مقر الجبهة الشعبية-القيادة العامة التي تبنّت مواقف النظام السوري وتذرّعت بالعمل على حماية المخيم من المسلحين.

وعندما رفضت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية فكرة تأسيس "لجان شعبية"، قامت القيادة العامة بتشكيلها بمشاركة مجموعات محدودة من حركة فتح الانتفاضة الموالية للنظام، ونشرت عناصرها في بعض المخيمات، و"أصبح دورها تعقب الناشطين الفلسطينيين والسوريين، والتحرش بالجيش الحر بعد تشكله في الأحياء المجاورة للمخيم".

برأي أبو هاشم، "كانت تلك اللجان النقطة التي تفرقت عندها الفصائل الفلسطينية، فتكوّن تيار يأتمر بأوامر النظام السوري من الجبهة الشعبية-القيادة العامة، وفتح الانتفاضة وحركة النضال، فيما فضّلت منظمة التحرير الفلسطينية الانزواء، وتبنّت بيانات الرئاسة الفلسطينية حول أحداث المخيم سياسة الحياد، في وقت توجّهت تصريحات المتحدث باسم المنظمة نحو إدانة النظام".

في المقابل، آثرت حركة حماس سحب قيادييها من سوريا، بعد انحيازها المعلن إلى الثورة والذي تجلى في الكلمة التي ألقاها خالد مشعل في إسطنبول في سبتمبر 2011.

في قبضة الجيش الحر

"حارات المخيم الملاصقة للمناطق الساخنة تسببت في المأساة". هكذا تفسّر سعاد محمد، وهي من أبناء اليرموك، اجتياح المخيم. فبعد اشتعال المعارك في الأحياء المجاورة كالحجر الأسود والتضامن ويلدا وببيلا، دارت معارك بين اللجان الشعبية وبين فصائل الجيش الحر على تخوم المخيّم.

وغيّر انحياز حماس للثورة المعادلة، فساعد عناصرها الجيش الحر على دخول المخيم والسيطرة على الحواجر التابعة للنظام.

وتؤكد محمد لرصيف22 أن يوم 12 يناير 2012 كان فارقاً في حياة المخيم، إذ دخل "الجيش الحر" إلى قلب أحيائه للمرة الأولى، وحلقت طائرات الميغ فوقه، وقصفته موقعةً 25 قتيلاً، لتنزح موجة من سكانه إلى أماكن أكثر أماناً في سوريا، أو إلى لبنان. وبموازاة ذلك، ظهرت فصائل الجيش الحر الفلسطينية كأكناف بيت المقدس وجيش الأبابيل.

ويقول الإعلامي في مخيم اليرموك رامي السيد لرصيف22 إن الحصار فُرض على المخيم بعد سيطرة الجيش الحر عليه، وكانت أصعب الفترات من منتصف 2013 حتى منتصف 2014، "حين باتت حشائش الأرض الغذاء الرئيسي للسكان، ووصل سعر كيلو الأرز إلى 100 دولار، وتوفي 200 شخص جوعاً".

فلسطينيون في خندق النظام

لم يقتصر دعم بعض الفلسطينيين للنظام على مشاركة "اللجان الشعبية" في النشاط العسكري بالمخيم، بل تعداه إلى الانخراط الواضح في كافة جبهات القتال بجانب الجيش السوري، كما شكلت الحكومة السورية ميليشيات فلسطينية جديدة، مستغلة حاجة بعض الشباب العاطل عن العمل، مثل لواء القدس الذي بدأ في مخيم النيرب في 2012، وحركة فلسطين الحرة في مخيمات دمشق، وكتائب الجليل.

ويقول عدلي الخطيب، "أبو فاخر"، أمين السر المساعد لحركة فتح الانتفاضة، لرصيف22 إن الحركة شاركت في القتال للدفاع عن المخيمات، و"منذ سقوط المخيم بيد المسلحين، عملت الحركة على إخراجهم منه، والدفاع عن باقي المخيمات ضد أي هجوم".

أقوال جاهزة

شارك غردخلاصة تأثير سنوات الحرب السورية على الفلسطينيين هي تحوّل حياة 438 ألف لاجئ إلى جحيم، فقد نزح 280 ألفاً منهم داخل سوريا، بينما نزح 120 ألفاً آخرين إلى لبنان والأردن وتركيا ومصر وأوروبا

شارك غرد"عاصمة الشتات". هكذا يلقّب الفلسطينيون مخيم اليرموك، أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، وكان يضم 144 ألف لاجئ قبل الحرب، تقلصوا كثيراً في تلك المساحة المحاصرة بسبب ما شهدته من صراعات

ويشير أبو فاخر إلى أن قواتهم ليست كبيرة وكلها من فلسطينيي سوريا، واقتصرت محاور قتالهم على اليرموك ودمشق وريفها.

فصائل الجيش الحر الفلسطينية

بعد سيطرة الجيش الحر على اليرموك، ظهرت فصائل فلسطينية داخله. كانت أكبرها كتائب أكناف بيت المقدس التي تأسست عام 2013 من عناصر تركت فصائلها وعملت تحت قيادة جديدة. ولكن معظم المنتسبين إليها كانوا من حركة حماس، وأسسها قياديون في الحركة، وبقيت فاعلة في المخيم حتى سيطرة جبهة النصرة وداعش عليه في مارس 2015.

كذلك، تأسس جيش الأبابيل في الثاني من نوفمبر 2014، وهو تجمع لعدد من الفصائل الإسلامية. وفي أكتوبر 2017، وقّعت الحركتان إعلاناً لوقف إطلاق النار برعاية مصرية-روسية في مقر المخابرات العامة المصرية.

"المطلوب دمار المخيم"، يقول أبو أحمد المشير (محمد زغموت)، قائد أكناف بيت المقدس، معتبراً أن "الزج بمخيم اليرموك في الحرب كان لتهجير أهله وتدميره"، ومشيراً إلى أن الأكناف تأسست لحماية الفلسطينيين ومناطقهم.

ولفت المشير إلى أن "حصار المخيم أتى على كل شيء، وحصد الموت جوعاً سكانه، ولم يقف أحد مع الأكناف لإخراج المخيم من هذه الدوامة".

وأضاف لرصيف22 أن تنظيم داعش هو مَن كان يقود أفراد النصرة في قتال الأكناف، مشيراً إلى صعوبة قتال عدوين في وقت واحد، ما دفع الأكناف إلى الانسحاب نحو بلدة ببيلا.

الحياد... الخيار الصعب

"الحياد لم يكن خياراً سهلاً"، يصف أبو رائد عثمان، القيادي بالجبهه الشعبية لتحرير فلسطين، خيار منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها بالوقوف على مسافة واحدة من كل أطياف الأزمة و الاكتفاء بالنشاط في الجانب الخدماتي في المخيمات.

وأضاف عثمان لرصيف22 أن المطلوب "كان تفريغ المخيمات من الفلسطينيين، لذلك دافع الجميع عن مخيمه ولم يخرج منه، وكانت الفاتورة اختطاف شباب لم يُعلم مصيرهم إلى الآن، وفرض مبالغ عالية لإخراج آخرين، وعمليات قصف وتصفية بين عامي 2012 و2015".

داعش في اليرموك

ينفى السيد فكرة قدوم داعش من خارج مناطق جنوب دمشق، ويقول إن عناصر التنظيم تشكلوا من مقاتلين متشددين كانوا تابعين لتنظيمات كالأكناف والنصرة وأحرار الشام، ثم اعتنقوا تفكير داعش وبايعوه، والكثير منهم من فلسطينيي المخيم.

وأوضح السيد أن "داعش اليرموك" نشأ في بلدة يلدا، وطرد منها باتجاه الحجر الأسود، وهناك تمدد نحو اليرموك وحي التضامن، ودخلت الأكناف في معارك معه حتى لم يتبقّ من الأكناف سوى العشرات فروا إلى بلدة ببيلا، ثم قاتل جبهة النصرة وهزمها وأصبح يسيطر على 70% من المخيم.

"أشبه بالقيامة". هكذا يصف السيد المعارك الأخيرة بين داعش والنظام السوري. لم يترك الطرفان ممراً آمناً للمدنيين، وقصف المخيم بالطائرات وبالمدفعية، وعجّت الأنقاض بالمئات من الضحايا.

انتهت المعركة باتفاق على خروج عناصر داعش من المخيم في مايو 2018. "المعركة حسمت لصالحنا"، يقول أبو جهاد نمر، القيادي في قوات العاصفة/ الجناح العسكري لفتح الانتفاضة، لرصيف22.

ويقول المشير إن الأكناف، بعد خروجها من المخيّم، حاولت كثيراً استعادته "لكن الإمكانيات المحدودة منعتنا"، فاقتصر وجودها فيه على منطقة بالجنوب بالقرب من دوار فلسطين والمشفى الياباني.

وأردف قائد الأكناف أنهم اضطروا في نهاية المطاف للقبول بالتهجير من ببيلا إلى الشمال السوري.

وأكد ياسر أبو سيدو، مسؤول العلاقات الخارجية في حركة فتح، لرصيف22 دعم الحركة للجيش السوري في معاركه الأخيرة ضد داعش باليرموك، مبيناً أن المخيمات الفلسطينية صورة مصغرة لسوريا، "والإرهابيون الذين نهشوا قلب سوريا، نهشوا جسد الفلسطينيين باليرموك".

خان الشيخ بين القصف والحصار

كان عدد سكان مخيم خان الشيخ قبل الحرب يبلغ أكثر من 19 ألفاً، وتبقى فيه حالياً 15 ألفاً، بعد ما تعرّض له من قصف وحصار.

ويقول ياسر العمري، أحد أبناء المخيم، لرصيف22 إن المخيم أصبح منطقة حدودية بين المعارضة والنظام، ولكنه كان أقرب إلى مناطق المعارضة، بعد توسيع عناصر الجيش الحر الذين كانوا يتواجدون في بلدة خان الشيخ انتشارهم باتجاه المزارع القريبة منه.

وأشار العمري إلى أن حواجز النظام كانت تعتقل بشكل يومي بعض الشباب المتوجهين إلى جامعات دمشق، "ما دفع بعض الشباب إلى الانخراط في الثورة، وبالتالي احتُسب المخيم ضمن مناطق المعارضة بالرغم من خلوه منها، وتمت محاصرته".

"دمروا كل شيء حتى المستشفى الوحيدة فيه"، يقول العمري مضيفاً: "أكل القصف الأخضر واليابس، من مدارس وبنى تحتية، وبعد فترة تمت المصالحة بخروج قسم من الأهالي إلى إدلب، وتسليمه إلى جيش التحرير الفلسطيني".

مخيم درعا... بقايا تشهد على المأساة

حوّلت الحرب السورية مخيم درعا إلى حطام. تقلص عدد سكانه من 13 ألفاً إلى 400. وقال خالد محاميد، عضو المرصد الإعلامي للمخيم، لرصيف22 إن المخيم يعتبر خط تماس مع قوات النظام من الجهة الشمالية، ولا يفصله عنها سوى الشارع، والقصف لم يبقِ شيئاً على حاله، والمخيم بات معدوم الحياة وشبه مدمر، وبقيت فيه نسبة ضئيلة ممن جارت عليهم الأيام وتقطعت بهم السبل".

وروى محاميد أن قوات النظام حاولت اقتحام المخيم مراراً، ولكن الجيش الحر منعها، لافتاً إلى أن بعض أبنائه كانوا قادة كتائب في الجيش الحر.

أبو عبدو البشير، ابن المخيم، توجه نحو مزاع درعا، بعيداً عن القصف، بعد تحوّل منزله إلى ركام.

"خرجنا من بيتونا غصباً عنا"، يقول لرصيف22، مشيراً إلى ارتكاب قوات النظام السوري عدة مجازر فيه منها حين أعدمت قوات الأمن الجوي 12 شاباً أمام أهاليهم في وضح النهار عام 2012.

المخيمات المهجرة

غابت بعض المخيمات عن الخارطة السورية، بعد أوامر النظام السوري بتهجير أهلها، ومنها مخيم الحسينية بريف دمشق، وكان عدد سكانه 24 ألفاً لم يعد منهم إلا 42%، ومخيم سبينة وكان عدد سكانة 12 ألفاً ولم يعد منهم سوى 3500 شخص.

وقال نور المصري، رئيس شبكة أخبار مخيم الحسينية، إن الفصائل الفلسطينية بالمخيم اتفقت مع الجهات المتحاربة على حياده، وبالفعل نفذ ذلك، وكان المخيم المتنفس الوحيد لفصائل الجيش الحر بالذيابية لشراء احتياجاتهم بعد حصارهم.

وروى المصري لرصيف22 أن فصائل الذيابية أرادوا خرق اتفاق الحياد ودخول المخيم بسلاحهم، فاشتبكوا مع فصائل المخيم، وسيطروا عليه، لتبدأ الطائرات بإسقاط أبنية كاملة، ما أدى إلى هجرة 95% من سكانه إلى مخيم جرمانا أو لبنان.

وأضاف أنه بقي فيه نحو 100 شخص، وبعد شهر من النزوح سيطر النظام وفصائل فلسطينية مجدداً عليه، وقاموا بسرقة المنازل الخالية، وظل الأهالي مبعدين لثلاث سنوات بدعوى ترميم البنية التحتية.

وأردف المصري، أن قسماً من الأهالي عاد إلى المخيم في أواخر عام 2015، ليجدوا كل شيء مسروقاً حتى بلاط الأرضيات، وليكتشفوا غياب الخدمات التي تحدّث عنها النظام، وطالبوا بأن يعود المخيم إلى حياده وهو ما وافقت عليه لجنة المصالحة التابعة للنظام، ولكن حتى الآن لم يعد قسم كبير من سكانه.

المخيمات الآمنة

مخيمات فلسطينية كثيرة لم يصبها أذى كبير جراء الحرب السورية، وبعضها تم قصفها من فصائل الجيش الحر لقربها من مناطق حيوية للنظام كمخيم جرمانا، القريب من مطار دمشق الدولي.

وقال عبود حسن أبو رايا، منسق صفحة "مخيم جرمانا يجمعنا"، إن المخيم وقف بجانب الدولة السورية، وشكل لجاناً لحمايته ضد أي هجوم، مبيناً أن فصائل الغوطة الشرقية استهدفت المخيم بالقذائف عدة مرات ما تسبّب بسقوط  قتلى وجرحى.

خلاصة تأثير سنوات الحرب السورية على الفلسطينيين هي تحوّل حياة 438 ألف لاجئ إلى جحيم، فقد نزح 280 ألفاً منهم داخل سوريا، بينما نزح 120 ألفاً آخرين إلى لبنان والأردن وتركيا ومصر وأوروبا، حسبما تشير إحصاءات الأونروا.


التعليقات

المقال التالي