حمدان بن الأشعث والقرامطة... مروّجون للكفر أم دعاة للعدالة الاجتماعية؟

حمدان بن الأشعث والقرامطة... مروّجون للكفر أم دعاة للعدالة الاجتماعية؟

حفل التاريخ الإسلامي بأسماء شخصيات كثيرة أُثيرت جدالات ونقاشات حادة حولها، ما بين مؤيد مساند لها ومعارض ناقم عليها.

من تلك الشخصيات، شخصية حمدان بن الأشعث، الذي عُرف بلقبه الأشهر (قرمط)، ونُسبت إليه فرقة القرامطة التي نالت حظاً كبيراً من التجريح والنقد والاتهام، حتى أضحى مجرد ذكر اسمها يستدعي تراثاً من المشاعر السلبية والعدائية.

واختلفت آراء المؤرخين والباحثين في الفرقة بين مَن اعتقدوا بتبديعها وكفرها وابتعادها عن صحيح الدين، وبين مَن رأوا فيها ثورة حقيقية على الجور والظلم، ودعوة لإحياء مبادئ العدل الاجتماعي التي نادى بها الإسلام.

ما قبل ظهور القرامطة

للتعرف على البدايات الأولى لفرقة القرامطة، ينبغي العودة إلى منتصف القرن الثاني الهجري، وبالتحديد إلى عام 148هـ/ 765م، وهو العام الذي شهد وفاة الإمام جعفر الصادق.

بحسب ما يذكره كل من سعد بن عبد الله القمي في كتابه "المقالات والفرق" والحسن بن موسى النوبختي في كتابه "فرق الشيعة"، وجد الشيعة الإمامية، في تلك اللحظة التاريخية الدقيقة، أنفسهم بلا إمام يتبعونه، وافترقوا بين فرقتين أساسيتين: الفرقة الأولى قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر أو ابنه محمد بن إسماعيل، وعُرفت بالإسماعيلية؛ أما الفرقة الثانية فقالت بإمامة موسى الكاظم بن جعفر، وعرفت بالموسوية أو الكاظمية وهي نفسها التي ستُعرف في ما بعد باسم الإثناعشرية.

وفي الوقت الذي مكث فيه أئمة الموسوية بالقرب من خلفاء الدولة العباسية، فإن محمد بن إسماعيل وأبناءه تركوا المدينة المنورة، وهربوا من بطش السلطة، وارتحلوا من مكان إلى آخر، حتى آل بهم الحال للاستقرار في مدينة السلمية الواقعة بجوار حمص.

ومن السلمية قام الأئمة الإسماعيليون بنشر الدعاة والوكلاء لإشاعة دعوتهم بين الناس، ونجحوا في ذلك بنسب متفاوتة في كل من اليمن والعراق والمغرب ومواضع مختلفة في شبه الجزيرة العربية.

حمدان بن الأشعث وتأسيس فرقة القرامطة

بحسب ما ذكره ابن النديم في كتابه الفهرست، شهد عام 261هـ/ 875م تحولاً مهماً في الدعوة الإسماعيلية، بعد انضمام رجل من الكوفة يُدعى حمدان بن الأشعث إليها.

استطاع حمدان في وقت قصير أن يصبح أحد قادة الدعوة الإسماعيلية في العراق. ورغم أن المعلومات التي نمتلكها عن تلك الفترة التاريخية مبهمة إلى حد كبير، فإنه من المرجح أنه وبمرور الوقت استطاع أن يجعل من نفسه مركزاً للدعوة الجديدة بدلاً من الإمام المستتر في مدينة السلمية.

أحد أهم الأدلة والشواهد التي تؤكد على الدور الكبير الذي لعبه حمدان في تلك الفترة هو أن الدعوة في العراق تسمّت باسمه ولقبه. فقد صار يُطلق على أتباعه اسم القرامطة، وذلك نسبة للقب قرمط الذي كان حمدان يُعرف به.

وتختلف المصادر التاريخية في تفسير هذا اللقب ومعناه. فبينما يذكر كل من الطبري ومسكويه وابن خلدون أنه كان اسماً لأحد أسلافه الفرس، فإن الحميري في كتابه "الروض المعطار" يذكر أن حمدان عُرف به نظراً لقصر قامته، ما جعله يقرمط في مشيته، أي تكون خطوته قصيرة.

استطاعت الفرقة التي احتفظت بمعظم العقائد والأفكار الشيعية الإسماعيلية، شيئاً فشيئاً، أن تمد نفوذها إلى جنوبي فارس والكوفة وواسط والبصرة، ثم تمكنت من تكوين مناطق نفوذ جديدة لها على يد أبي سعيد الجنابي في البحرين والأحساء والقطيف وهجر، ودخلت في معارك كثيرة ضد العباسيين والفاطميين.

وكان من أشهر تلك المعارك ما وقع في موسم الحج عام 317هـ/ 908م، عندما هاجم القرامطة مكة المكرمة، فقتلوا أعداداً كبيرة من الحجاج، وانتزعوا الحجر الأسود من موضعه، بحسب ما يذكر عدد من المؤرخين المسلمين مثل ابن الأثير في كتابه "الكامل"، وابن كثير في كتابه "البداية والنهاية".

مروج للبدعة والكفر

اتفق مؤرخو السنّة والشيعة على رمي حمدان بن الأشعث وأتباعه بكل نقيصة أخلاقية أو بدعة دينية.

ذكر القاضي المعتزلي عبد الجبار، في كتابه "تثبيت دلائل النبوة"، أن "مَن بالأحساء من القرامطة والباطنية لما غلبوا شتموا الأنبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا بالمصاحف والتوراة والإنجيل".

أما أبو حامد الغزالي، فقد خصص جزءاً كبيراً من كتابه "فضائح الباطنية" للحديث عن القرامطة، فوصفهم بالملاحدة، واعتبرهم من الفرق الضالة الكافرة التي خرجت عن تعاليم الإسلام وثوابته.

وأجمعت الكتابات السنية على اتهام القرامطة بممارسة مشاعية النساء، وبأنهم استخدموا تلك الوسيلة لاستقطاب الجموع إلى دعوتهم.

كما أن أحد الباحثين الشيعة وهو الشيخ جعفر السبحاني رماهم في كتابه "بحوث في الملل والنحل"، بالاعتقاد بتناسخ الأرواح، فذكر أنهم "قالوا بنظرية الحلول أو ما يسمى عند بعض الطوائف المعاصرة باسم حلول اللاهوت بالناسوت، فذهبوا إلى أنّ أئمّتهم حلّت فيهم شخصيات الأنبياء السابقين الذين بعثهم اللّه في الأمم الغابرة...".

أما الباحث السني محمود شاكر، في كتابه "القرامطة"، فقد لخص نظرة أهل السنة والجماعة لحركة حمدان بن الأشعث بقوله: "إن القرامطة قد قاموا بحركاتهم في عدة مناطق تشابهت في بعض جوانبها وتباينت في أخرى، واجتمعت على شيء واحد في محاربة الإسلام وارتكاب الكبائر وهتك الأعراض وسفك الدماء والسطو على الأملاك، إرواءً لأحقادهم الدفينة ضد الإسلام، وإشباعاً لغرائزهم الحيوانية، ورغبةً من زعمائهم في السيطرة والتسلط والتشفي، وإشباع كمائن النفوس...".

داعي للمساواة والعدالة الاجتماعية

بعكس وجهة النظر الكلاسيكية، فإن العديد من الباحثين المعاصرين يعتقدون أن الحركة القرمطية تم تشويهها عمداً من جانب المؤرخين السنة والشيعة، وذلك بسبب الظروف السياسية التي جعلت من حمدان وأتباعه أعداء لكل من الخليفة العباسي في بغداد، والخليفة الفاطمي في القاهرة.

في كتابه "تاريخ الحركات السرية في الإسلام"، يلقي الدكتور محمود إسماعيل عبد الرازق الضوء على دعوة حمدان بن الأشعث وفرقة القرامطة من منظور مختلف.

وبحسب ما يذكره، تأسست تلك الفرقة بناءً على أسباب ودوافع اجتماعية واقتصادية بحتة. وإنْ كان المؤرخون المسلمون قد رموها بالكفر والتجديف والهرطقة، فإن ذلك قد وقع بسبب معارضتها للدولة العباسية، وهي التي كانت في ذلك الوقت تحتكر الحق في الحديث باسم الإسلام القويم، فكانت كل حركة معترضة عليها يتم إلباسها ثوب البدعة والضلال.

ويعتقد إسماعيل أن هناك عدداً من الثورات والحركات التي مهدت لظهور دعوة حمدان وأصحابه، ومن تلك الحركات ثورة بابك الخرمي، وثورة الزط، وثورة الزنج، وكلها كانت حركات قام بها المهمشون والعبيد والموالي ضد الطبقة الارستقراطية العربية التي استحوذت على إقطاعات ضخمة في العراق.

ويذكر أيضاً أن حركة الإصلاح الاجتماعي التي دعا إليها حمدان تم تطبيقها بشكل متميز بعد قيام الدولة القرمطية، "فقد توخى تطبيق العدالة الاجتماعية في صورة مثلى في ما عُرف بنظام الألفة الذي يُعدّ تجربة اشتراكية فذة تثير الإعجاب".

ولخص الباحث محمد عبد الفتاح عليان، في كتابه "قرامطة العراق"، مبادئ التجربة الاشتراكية التي انخرط فيها حمدان وأتباعه ممن آمنوا بدعوته، بقوله: "تنازل الفرد عما يملكه للجماعة، وأصبح ما يقدمه الفرد من خدمات للجماعة وما يبذله من نشاط في سبيل نصرة دعوتها هو الذي يحدد مكانته ووضعه في المجتمع".

أقوال جاهزة

شارك غردالقرامطة... اختلف المؤرخون حولهم بين مَن اعتقدوا بكفرهم وابتعادهم عن صحيح الدين، وبين مَن رأوا فيهم ثورة حقيقية على الجور والظلم، ودعوة لإحياء مبادئ العدل الاجتماعي التي نادى بها الإسلام

شارك غرداتفق مؤرخو السنّة والشيعة على رمي حمدان بن الأشعث وأتباعه القرامطة بكل نقيصة أخلاقية... ولكن باحثين كثيرين يعتبرون أنه جرى تشويه صورتهم عمداً بسبب منافستهم للخلافتين العباسية والفاطمية

والتفت المفكر الإسلامي الراحل سيد قطب لما احتوت عليه حركة القرامطة من دعوة للمساواة والعدالة، فنجده يشيد بها في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، ويعتبرها معبّرة عن روح الإسلام التي تحارب "الاستغلال والسلطة الجائرة وفوارق الطبقات".

ورغم أن الكثير من سمات تلك الحركة الإصلاحية، قد تم تهميشها عن عمد، فتجاهلها المؤرخون، إلا أن نزراً يسيراً منها استطاع أن يتفلت من قبضة الرقابة الصارمة، ليصل إلينا من خلال بعض المصادر التاريخية، مثل كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب".

في هذا الكتاب، يذكر النويري أن حمدان بن الأشعث فرض على أصحابه أن يجمعوا أموالهم وممتلكاتهم، ثم يقسموها في ما بينهم بالسوية والعدل، كما جعل من الإتقان في العمل والتفنن في الصناعة سبيلاً للترقي الاجتماعي، وبذلك أضحى الناس كلهم متساوين في ما بينهم في الحقوق والواجبات، وتم إلغاء الملكية الخاصة، وسادت نزعة شيوعية مثالية إلى حد بعيد، وكان الشيء الوحيد الذي يمتلكه الفرد في المجتمع القرمطي هو السيف أو السلاح.

وكانت مشاعية الأرض واحدة من أهم السمات المميزة للتجربة القرمطية، إذ صارت جميع الأراضي ملكاً للدولة، وكانت أرباحها وغلاتها تقسم بين الرعية بالسوية.

أما أكثر الأمور التي حُكيت عن القرامطة غرابةً، فكانت أنهم سكوا عملة جديدة من الرصاص، وكانوا يتداولون بها، وكان الهدف الرئيسي منها هو ألا يتم تهريب ثرواتهم خارج أراضيهم من خلال العملات الذهبية أو الفضية.

ومن الشهادات الحية التي نقلتها لنا المصادر التاريخية عن المجتمع القرمطي، ما يذكره الرحالة الفارسي ناصر خسرو في كتابه سفر نامة عن الأحساء، وهي التي ستصبح بعد وفاة حمدان بن الأشعث مركزاً مهماً للقرامطة.

قال واصفاً حال الناس فيها: " هم لا يأخذون عشوراً من الرعية، وإذا افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله، وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له، وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات، ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء، وإذا تخرَّب بيت، أو طاحون أحد الملاك، ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بأن يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل، أو الطاحون، ولا يطلبون من المالك شيئاً، وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجاناً، ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها، وأجور الطحانين".

وينقل أدونيس في كتابه "الثابت والمتحول" عن عبد العزيز الدوري قوله إن قرامطة الأحساء "ألغوا الإقطاع، وأعادوا النظر في توزيع الأراضي، كما يظهر، وألغوا رق الأرض، وقدموا السلف للفلاحين لتشجيعهم على استغلال الأرض، كما أنهم شجعوا الصناع، وقدموا لهم المساعدات المالية، وسيطروا على التجارة الخارجية، وساروا على خطة الاكتفاء الذاتي... أما السلطة فكانت بيد مجلس من الرؤساء له طابع شورى في الحكم".

فقد تبنى القرامطة نظام حكم شبّهه باحثون بأنه جمهورية ملكية، وشكلوا مجلساً استشارياً عُرف باسم "العقدانية" وكان يضم "أهل الحل والعقد" وظل موجوداً في الأحساء حتى فترة متأخرة.

ولعل مسألة الهجوم على الكعبة وقلع الحجر الأسود من مكانه، كانت من المسائل المهمة التي حاول المدافعون عن القرامطة إيجاد تفسير لها. وكانت أهم تلك المحاولات ما ذهب إليه الدكتور محمود إسماعيل في كتابه سابق الذكر، عندما قال إنه تلك الحادثة، بحال وقوعها، يجب أن نفهمها في سياقاتها الاقتصادية والسياسية  لا الدينية، فقد كان القرامطة يحاولون إضعاف النفوذ الروحي والمادي للخليفة العباسي، وكان السبيل الأمثل لذلك هو إيقاف شعيرة الحج إلى مكة، وتحصيل فدية ضخمة نظير إعادة الحجر الأسود إلى مكانه مرة أخرى، وهو الأمر الذي يقول ابن كثير في "البداية والنهاية" إنه تم فعلياً عام  339هـ.


محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي