اتهامات لـ"نسر الصعيد" بتلميع صورة الأمن المصري... هل يمتطي النظام جواد محمد رمضان الرابح؟

اتهامات لـ"نسر الصعيد" بتلميع صورة الأمن المصري... هل يمتطي النظام جواد محمد رمضان الرابح؟

بالنسبة إلى شركات الإنتاج، يُعَدّ الفنان المصري محمد رمضان جواداً رابحاً، فالممثل أثبت نجاحاً كبيراً وقدرة على جذب أعداد كبيرة من المشاهدين لمتابعة أعماله التي أدّى، في معظمها، دور شاب مصري قوي قادم من قلب المناطق الشعبية، ويؤمن أحياناً بأن "البلطجة" هي الحل.

لكن في السنتين الأخيرتين، يرى مراقبون أن أعمال رمضان صارت تروّج لمؤسسات الجيش والشرطة، وتظهر رجل الأمن بمظهر المضحي البطل على طول الخط. فهل قرر النظام المصري أن يمتطي هذا الجواد الرابح ليرسل من خلاله رسائل سياسية؟

في أحدث أعماله "نسر الصعيد"، إنتاج عام 2018، يجسد محمد رمضان دور ضابط الشرطة "زين"، الشاب المصري "الشهم" و"الجدع"، كما أراده المؤلف محمد عبد المعطي الذي سبق وكتب لرمضان أيضاً مسلسله الناجح "الأسطورة" من إنتاج عام 2016.

في المسلسل الذي تعرضه حالياً فضائيات DMC و DMCدراما، ودبي، يدخل الضابط "زين" في مواجهة شرسة مع شخصية "هتلر"، التي يؤديها الممثل المصري سيد رجب، وهو رجل أعمال صعيدي يعمل في العديد من الأعمال غير المشروعة.

الحلقات الأولى من المسلسل قرأها كثيرون على أنها تحمل هدف "تلميع صورة وزارة الداخلية المصرية"، وإظهار الضابط كشخص قوي وصاحب مبادئ.

في الحلقة الأولى من المسلسل، يظهر والد الطفل "زين"، "صالح القناوي"، (يؤدي دوره أيضاً محمد رمضان) وهو مصمم على مواجهة أي ظلم يقع على أفراد قريته الصعيدية، فيشب الابن وهو يرى والده نموذجاً لبطل صعيدي شريف يحلم بأن يلتحق نجله بكلية الشرطة ليصير ضابطاً "يدافع عن الوطن"، على حد تعبيره.

وفي الحلقة الثانية، يسافر الشاب "زين" إلى القاهرة ليقدّم ملفه في كلية الشرطة، بينما يحلم ابن عمه بأن يلتحق بالكلية الحربية. وتظهر الحلقة أمر التقديم في كلية الشرطة وكأنه بالسهولة التي تجعل أي شخص قادراً على القيام بهذه الخطوة.

وكان ذلك مثار انتقادات كثيرة. فكثيرون من المصريين يحملون قناعة مفادها أن الالتحاق بكلية الشرطة يتم بناء على امتلاك الشخص "واسطة"، أي شخص قوي له نفوذ ويقوم بمساعدة مَن يرغب بالالتحاق بالكلية على تحقيق هدفه. كما تتردد أقاويل عن حصول أشخاص في رتب مهمة في الكلية على مبالغ طائلة مقابل مساعدة الأشخاص على الدخول إليها، لكن كلية الشرطة تنفي ذلك وتقول إنها ترحّب بالجميع.

وتعرض الحلقة الثالثة مشهداً سينمائياً لـ"زين"، وهو يقوم بإلقاء نفسه من أعلى جسر، لإنقاذ شاب من الغرق في النيل، بينما باقي الناس ينظرون دون تدخل ويصوّرونه بكاميرات هواتفهم المحمولة. وبسبب هذا الموقف، يصاب زين بإعياء شديد كاد أن يعطله عن السفر مرة أخرى إلى القاهرة لأداء اختبارات القبول بكلية الشرطة، إلا أنه يصمم على السفر لأن "حلم الالتحاق بكلية الشرطة هو حلم والدي ولن أتخلى عنه بسهولة"، كما يقول.

بعد انضمام زين إلى كلية الشرطة، وبسبب أمانته الشديدة، وقوته، وشهامته يقرر أهل قريته جعله أقرب إلى قاضٍ للقرية، يحكم بينهم، ويحل كل مشاكلهم. فهو النموذج الذي يعجب به الجميع، ويتمنون تخرجه من الكلية حتى يدافع عن مصر ضد أي تهديد.

وفي الحلقة السادسة يظهر زين باعتباره بطلاً شعبياً، فنراه يضرب بقوة شديدة رجلين حاولا التحرش بفتاة، ثم يقبض على لص كان يسرق الناس في الموالد الشعبية.

يصوّر المسلسل طالب كلية الشرطة "زين" كبطل مصري قادم من الصعيد بكل أصالته وعراقته. كل ما يفعله قريب من الكمال، ما جعل أصوات عدة تتحدث عن أن المسلسل يهدف إلى تلميع صورة ضباط الشرطة ونفي صفة الظلم عنهم.

وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية قوات الأمن المصرية بالقيام بتعذيب ممنهج داخل أقسام الشرطة، وإخفاء مواطنين قسراً، وقتل متهمين خارج نطاق القانون، لكن تنفي وزارة الداخلية المصرية ذلك دائماً.

وقال مصدر من صناع مسلسل "نسر الصعيد" لرصيف22، طالباً عدم ذكر اسمه، أن هناك شخصاً من الإدارة العامة للشؤون المعنوية في وزارة الداخلية المصرية، ومندوباً من وزارة الدفاع المصرية، يشرفان على حوار ومونتاج كل حلقة من حلقات المسلسل بالتعاون مع شركة "العدل غروب" المنتجة للعمل.

وحاولنا التواصل مع مؤلف العمل محمد عبد المعطي للحصول على رد، لكنه لم يُجب على اتصالاتنا الهاتفية، ورسائلنا.

ولم يكن هذا أول عمل لمحمد رمضان يتعرّض لنقد شديد ويُتّهم بتلميع إحدى مؤسسات النظام المصري. ففي العامين الأخيرين، ظهر رمضان في عدة أعمال تروّج لنفس الفكرة.

وفي عام 2017، ظهر رمضان في فيلم وثائقي دعائي مدته 40 دقيقة يحمل اسم "حراس الوطن" وشاركته في الوثائقي قوات حقيقية من الصاعقة المصرية.

يروّج "حراس الوطن" لدور الجيش المصري في "محاربة الإرهاب والدفاع عن الشعب المصري" ويظهر فيه رمضان، الذي يمضي فترة التجنيد في الجيش المصري، وهو يتدرب ضمن قوات الصاعقة، متحدثاً في الفيلم عن أنه استفاد من الجيش "استفادات بطولية وصحية، ونفسية".

ويضيف رمضان في الفيلم، وهو يرتدي زي الصاعقة، أنه أصبحت لديه ثقة أكبر بنفسه، وتعلم كيف يكون قائداً، بحكم متابعته لقادة الجيش، بحسب تعبيره.

وفي العام 2017 أيضاً، عُرض لرمضان واحد من أنجح أفلامه وهو "جواب اعتقال" الذي يقوم فيه بدور شاب ينضم هو وشقيقه إلى إحدى الجماعات "الإرهابية"، لكن بعد فترة يقوم أحد أفراد الجماعة المسلحة بقتل شقيقه، فيقرر الانتقام من الجماعة كلها ويدرك أنهم مجرد إرهابيين وأن ما يقومون به لا علاقة له بالدين.

في هذا الفيلم أيضاً، يظهر رجال وزارة الداخلية كمجموعة من الأبطال الذين يضحون بحياتهم في سبيل حماية بلدهم من الجماعات الإرهابية.

يرفض الممثل محمد رمضان أية اتهامات له بتقديم أعمال تلمّع صورة قوات الأمن، ويقول لرصيف22 إنه يقدم أعمالاً فنية هادفة للجمهور، وإنه ممثل قادر على أداء كل الأدوار.

"أرفض أن أتحدث عن نسر الصعيد من ناحية سياسية. هو عمل فني، والحديث عنه يكون بعد انتهاء كل حلقاته، ويكون حديثاً فنياً وليس سياسياً"، يضيف.

أقوال جاهزة

شارك غردمصدر من صناع مسلسل "نسر الصعيد" لرصيف22: هناك شخص من الإدارة العامة للشؤون المعنوية في وزارة الداخلية المصرية، ومندوب من وزارة الدفاع المصرية يشرفان على حوار ومونتاج كل حلقة من حلقات المسلسل

شارك غردمحمد رمضان عن اتهامه بتقديم أعمال تلمّع صورة قوات الأمن: "أرفض أن أتحدث عن نسر الصعيد من ناحية سياسية. هو عمل فني، والحديث عنه يكون بعد انتهاء كل حلقاته، ويكون حديثاً فنياً وليس سياسياً"

تحليل أعمال رمضان الفنية

يرى الناقد الفني محمد عدلي أن محمد رمضان من حقه بالفعل أن يقدّم أية أعمال يريدها، فهو حر في ذلك، لكنه يضيف: "نحن أيضاً من حقنا أن نحلل أعماله بطريقتنا".

يضيف عدلي لرصيف22 أن كل فنان من حقه الترويج لأية فكرة يقتنع بها، طالما تم تنفيذها بشكل فني يحترم عقلية المشاهد، ويطرح موضوعاً بعناصر درامية ممتعة، وأحداث غنية، وهذا الأمر يتم حتى في بعض الأعمال الأمريكية التي تتحدث عن حرب العراق أو فيتنام أو غيرهما.

ويشير عدلي إلى أن استغلال الأنظمة السياسية للفن قديم جداً، وفي مصر أمثلة عدة أبرزها فيلم الناصر صلاح الدين الذي تم تنفيذه بتعليمات صريحة من نظام الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر لأسباب سياسية.

"حتى على المستوى الغنائي، تم تنفيذ أغاني عدة بتوجيهات سياسية نعلمها جميعاً في الوسط الفني"، يقول عدلي.

ويضيف الناقد الفني أنه في حالة محمد رمضان تحديداً، من المهم الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أنه من المفترض أنه مجند في الجيش حالياً، لكن رغم ذلك قدم لجمهوره فيلمين ومسلسلاً وأكتر من خمسة إعلانات تلفزيونية، أثناء فترة تجنيده.

ويتابع: "بالتأكيد مقابل إعطاء الجيش له كل هذه التسهيلات لممارسة حياته الفنية بشكل عادي أثناء خدمته، هو يستفيد من شعبيته في المقابل".

وبخصوص مسلسل "نسر الصعيد"، يقول عدلي إنه يقدم رسائل سياسية واضحة في ما يتعلق بضباط الجيش والشرطة، خصوصاً في الحلقة الخامسة، أثناء حديث ابن عم "زين القناوي" الملتحق بالكلية الحربية مع أحد العمال عند والده، إذ ظهر وهو يقول له: "مش هاين عليّ أسيب أرضي" فرد عليه العامل قائلاً: "فيه ناس وظيفتها تزرع الأرض، وناس تانية تحميها".

"البروباغندا ليست جديدة"

يرى الباحث السياسي هشام عوف أن ما يُسمّى بـ"أفلام البروباغندا" ليست جديدة، مضيفاً أن مصر سبق وقدمت أفلام بروباغندا في فترات مختلفة، منها بعض أفلام ما بعد 23 يوليو 1952، ومنها "رد قلبي"، "الأيدي الناعمة"، "شروق وغروب"، وحتى أفلام إسماعيل ياسين التي تم تصوير معظمها داخل منشآت الجيش.

ويضيف عوف أن هناك موجة ثانية من تلك الأعمال بدأت بعد 15 مايو 1971، وهي الموجة التي تناولت مراكز القوى والتعذيب في السجون، ومنها، "إحنا بتوع الأتوبيس"، "الكرنك"، "حافية على جسر من الذهب" وغيرها الكثير.

"إذاً فالأعمال التي تروّج لرسائل سياسية حالياً ليست جديدة علينا، لكن حظها السيئ أنها ظهرت في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي صناعة فيلم أو مسلسل حالياً يحتاج من صناعه قدراً كبيراً جداً من الحرفية، مثلاً ‘قيامة أرطغرل’ يلعب على فكرة حلم الخلافة التي لها بالفعل جمهورها، والعمل له بالفعل أهداف سياسية لكن تنفيذه جاء بشكل احترافي وغير مباشر، وبالتالي لن يلاحظ الجميع أنه بروباغندا"، يقول عوف لرصيف22.

وبحسب الباحث السياسي، فإن صناعة أعمال تلمّع صورة الأمن المصري لم تعد أمر سهلاً فنياً، وما كان يصلح في الخمسينيات من القرن الماضي لم يعد يصلح اليوم، "فالمشكلة الحالية أن هذه الأعمال سخيفة، وضعيفة فنياً وغير مقنعة".

"جميل أن نرى هكذا أعمال"

أما المخرج أحمد صلاح، فيرى أن من حق أي مبدع أن يقدّم ما يريد لجمهوره، والحكم النهائي للجمهور، لكنه يطالب بأن تكون هناك أعمال تحمل وجهات نظر مختلفة.

ويقول صلاح لرصيف22: "جميل أن نرى أعمالاً تلمّع صورة قوات الأمن مثلاً، أو تحمل رسائل سياسية معيّنة يرغب النظام في توصيلها إلى الوعي الجمعي. أنا ضد المصادرة. لكن الأجمل أن نرى أعمالاً أخرى تقدّم وجهة نظر مختلفة، ولا يتم التضييق على صناعها، بمعنى: هل يمكن أن نرى عملاً مصرياً جديداً يناقش مثلاً قضية التعذيب في أقسام الشرطة؟".


مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي