لعبة المال والمصالح: تفاصيل مثيرة حول عمل اللوبي الإماراتي - السعودي في أمريكا

لعبة المال والمصالح: تفاصيل مثيرة حول عمل اللوبي الإماراتي - السعودي في أمريكا

"الأميران والرئيس والباحثون عن الثروة"... تحت هذا العنوان نشرت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية تقريراً مفصلاً عن اللوبي الإماراتي السعودي في الولايات المتحدة، الذي كان يسعى إلى تغيير السياسة الخارجية لواشنطن من أجل معاقبة قطر والضغط على إيران… وكسب الملايين.

الأميران هما محمد بن سلمان ومحمد بن زايد مع الرئيس دونالد ترامب، أما الباحثون عن الثروة فأبرزهما -  وفق تقرير الوكالة - إليوت برويدي (أحد أكبر جامعي التبرعات لحملة ترامب) وجورج نادر (اللبناني الأصل المرتبط بالإمارات ) اللذان عملا كقناة خلفية داخل البيت الأبيض لصالح بن سلمان وبن زايد.

وقد جهد كلّ من برويدي ونادر للحصول على عقد استشاري ضخم من السعودية والإمارات وتحويل نجاح حملتهما إلى ملايين الدولارات في الصفقات الدفاعية، حسب ما كشفت الوكالة الأمريكية بعد مقابلات مع أكثر من 24 شخصاً والاطلاع على مئات الصفحات المسرّبة من رسائل البريد الإلكتروني بين الرجلين وفيها ملخصات العمل ومستندات ومقترحات التعاقد.

ومع المعلومات المفصّلة في تقرير "أسوشيتد برس"، تُضاف حلقة جديدة إلى مسلسل فضائح إدارة ترامب والمقربين منه، ولعبة الأموال والمصالح التي بدأت مع بدء الرئيس الأمريكي التحضير لحملته الانتخابية، وكانت يُفترض أنها تسير على ما يُرام إلى أن تمّ تعيين روبرت مولر كمستشار خاص للنظر في مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكيّة.

ما الذي كشفه تحقيق "أسوشيتد برس"؟

السعي السعودي الإماراتي للتأثير في السياسة الأمريكية عبر برويدي ونادر اللذان شاركا في قيادة حملة سرية للتأثير على البيت الأبيض والكونغرس، أدى إلى إغراق واشنطن بتبرعات مالية سياسية.

كيف ذلك؟ أجرى برويدي ونادر مراسلات عديدة مع الأميرين، بينما عملا على إيصالها إلى آذان ترامب مباشرة وكيل المديح عنهما من أجل كسب الأموال، بحسب التقرير الذي كتبه كل من ديزموند باتلر وتوم لوبيانكو.

وذكر الكاتبان أن لا برويدي ولا نادر عملا بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، وهو قانون يهدف إلى جعل جماعات الضغط التي تعمل لصالح الحكومات الأجنبية تكشف عن روابطها وأنشطتها السياسية المحددة، بينما يُعاقب من ينتهك القانون بغرامة عشرة آلاف دولار أو السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات.

يضيف التحقيق كاشفاً أنه بحلول شهر ديسمبر من العام الماضي، كان هؤلاء قد نجحوا في حملتهم لخلق حملة ضد قطر في واشنطن. هنا سعى برويدي للحصول على المكافأة، وكان حريصاً على تحصيل الدفعة الأولى وقيمتها 36 مليون دولار نظير اتفاق مع الإمارات لجمع المعلومات. كلّ ذلك كان يُفترض أن يتمّ بسلاسة لولا تعيين مولر.

في المقابل، قال محامي شركة برويدي كريس كلارك إن تقرير الوكالة يستند إلى وثائق مزورة فبركتها كيانات تريد إلحاق الضرر ببرويدي، من جهتها، رفضت محامية نادر كاثرين رويملر التعليق، بينما اعترف مسؤول سعودي رفيع المستوى بحصول مناقشات مع نادر لكنه رفض الاعتراف بتوقيع أي عقود معه أو مع برويدي.

"اللقاء الرائع" بين الباحثين عن الثروة

بحسب الوكالة، كان برويدي، الذي كسب ثروة في الاستثمارات، رئيساً مالياً للجنة الوطنية للحزب الجمهوري بين عامي 2006 و 2008. ولكن عندما قرر صندوق تقاعد حكومي في نيويورك استثمار 250 مليون دولار معه، وجد المحققون أنه قام بتقديم هدايا لمسؤولين حكوميين بحوالي مليون دولار.

من جهته، هاجر نادر إلى الولايات المتحدة في الثمانينيات، وسرعان ما سوّق نفسه كمشغل مستقل قوي حيث أسس مجلة سياسية أطلق عليها اسم "Middle East Insight"، ليتحول سريعاً إلى لاعب فاعل حيث أقام العديد من حفلات العشاء التي جمعت شخصيات إسرائيلية وعربية مع مسؤولين ومشرعين أمريكيين.

"بالكاد كان الرجلان يعرفان بعضهما البعض، لكن كان برويدي يقول إنه يملك أذن الرئيس، فيما يقول نادر إن لديه آذان وليّي العهد"

كان اتصال نادر، الذي يعيش في الإمارات، مع بن زايد والمقاول العسكري الخاص إريك برنس المشهور بتأسيس "بلاك ووتر" المتهمة بالعديد من الجرائم في العراق ما جذب انتباه المحققين الأمريكيين في التحقيق الروسي.

كان الأخير مهتماً باجتماعين حصلا قبل تنصيب ترامب. الأول في جزر سيشيل وقد جمع أميراً مع مستشار غير رسمي لترامب والمستثمر الروسي كيريل ديميترييف، الذي تجمعه علاقات وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. والثاني في برج ترامب في نيويورك، حيث كان نادر وبن زايد في الاجتماعين.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الأميران والرئيس والباحثون عن الثروة"... تقرير مفصل عن اللوبي الإماراتي السعودي في أمريكا، الذي كان يسعى إلى تغيير السياسة الخارجية لواشنطن من أجل معاقبة قطر والضغط على إيران… وكسب الملايين

شارك غرداقترح برويدي ونادر خططاً متعددة على الأميرين مقابل أكثر من مليار دولار، من بينها المساعدة في إنشاء قوة مقاتلة مسلمة تضم 5000 جندي، ومساعدة الإمارات على جمع المعلومات الاستخبارية، وتعزيز الأمن البحري والحدودي للسعودية

يُذكر أن "نيويورك تايمز" قد نشرت قبل أيام قليلة تحقيقاً مطولاً كشف تفاصيل اجتماع برج ترامب في واشنطن قبل ثلاثة شهور من انتخابات 2016، حين التقت مجموعة صغيرة مع دونالد ترامب الابن، النجل الأكبر للرئيس، وكانت مؤلفة من جورج زامل، إسرائيلي مختص في التلاعب بمواقع التواصل الاجتماعي، ونادر (مبعوث الأميرين السعودي والإماراتي) وبرنس الذي رتب الاجتماع.

وكان الهدف من اللقاء عرض المساعدة على فريق ترامب، وكان من نتائجه التأسيس لعلاقات بين هؤلاء الرجال والدائرة الداخلية لترامب ما لبثت أن تطورت خلال الشهور التالية مروراً بالانتخابات وما بعدها.

وبعد أسابيع فقط من الاجتماعين، التقى برويدي ونادر للمرة الأولى، وذلك خلال حفل تنصيب ترامب. عمل الرجلان سريعاً على تأسيس شراكة بينهما، إذ أرسل نادر لبرويدي عنوان بريده الإلكتروني الخاص على خدمة "ProtonMail" المشفرة. ويقول تحقيق "أسوشيتد برس" إنه "بالكاد كان الرجلان يعرفان بعضهما البعض، لكن كان برويدي يقول إنه يملك أذن الرئيس، فيما يقول نادر أن لديه آذان وليّي العهد".

تفاصيل تعاون برويدي ونادر

في 7 فبراير 2017، كتب برويدي إلى أحد موظفي رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب حول مشروع قانون يهدف إلى فرض عقوبات على قطر بسبب دعمها المزعوم للجماعات الإرهابية، وهو جزء مما سماه نادر للمناسبة "ضرب قطر".

في اليوم التالي، أرسل برويدي أسئلة لنادر حول عقد محتمل مع المملكة العربية السعودية لتدريب القوات العربية للقتال في الحرب المتصاعدة في اليمن.

اقترح برويدي ونادر خططاً متعددة للأميرين مقابل أكثر من مليار دولار، من بينها المساعدة في إنشاء قوة مقاتلة مسلمة تضم 5000 جندي، ومساعدة الإمارات على جمع المعلومات الاستخبارية، وتعزيز الأمن البحري والحدودي السعودي.

وفي مذكرة إلى برويدي، قال نادر إن الأميرين سعيدين للغاية بالعقود المقترحة، خاصة ولي عهد أبو ظبي.

وكانت خطط برويدي ونادر تهدف لإقناع الحكومة الأمريكية بفرض عقوبات على قطر ونقل قاعدة العديد العسكرية من قطر إلى موقع خليجي آخر، بينما اعتقد برويدي أن بإمكانه الاستفادة في ذلك من وزير الخزانة ستيفن منوشين.

في إحدى المراسلات كتب برويدي إلى نادر قائلاً "منوشين صديق مقرب لي (أنا وزوجتي نحضر حفل زفاف منوشين في واشنطن في 24 يونيو)... يمكنني المساعدة في إبلاغ منوشين بأهمية وضع وزارة الخزانة العديد من الأفراد والمنظمات القطرية على قوائم العقوبات المعمول بها".

وفي سياق آخر، ذكر برويدي أنه كان يحرز تقدماً، وتفاخر أنه حصل على دعم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب (مرشح الحزب الجمهوري) إد رويس الذي "تحوّل" من انتقاده للمملكة العربية السعودية إلى "انتقاد قطر"، كما تفاخر أنه جعل رويس يمتدح الجنرال السعودي أحمد حسن محمد العسيري، وكلماته ذكرت في سجّل الكونغرس.

في نهاية شهر مارس، كتب نادر أنه عقد "لقاءاً رائعاً رائعاً" مع ولي العهد السعودي، لافتاً إلى أن الأمير طلب منهما مناقشة العقود مع "الجنرال أحمد".

مال الضغط… مسألة أخرى

بناء على طلب نادر، تمّ إرسال 2.5 مليون دولار على دفعتين من شركته في الإمارات العربية المتحدة من خلال شركة كندية تدعى "أكزيمن انفستمنتس ليميتد"، وكان يديرها أحد الأشخاص المطلعين على الصفقة وهو أحد أصدقاء برويدي، ثم تم توجيه المال إلى حساب برويدي في لوس أنجلوس.

بعد التسلّح بالنقود، قام برويدي بمدّ نادر بوسائل إعلامية من شأنها أن تؤجج النار في قطر. بحسب التقرير، أقنع "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات" البحثية الأمريكية بتنظيم مؤتمر مناهض لدولة قطر، وتكليف 200 مقالة مخصصة للمؤسسة وغيرها من مراكز الفكر.

وفي 21 أبريل 2017، أرسل برويدي لنادر مسودة افتتاحية لإظهار تأثير حملته حملت علامة "سري". بعد ذلك بثلاثة أيام ، نُشر مقال بعنوان "وجهان لقطر، حليف الشرق الأوسط الدامي" في صحيفة "وول ستريت جورنال"، دعا إلى نقل قاعدة العديد الجوية من قطر إلى الإمارات التي "ستكون وجهة منطقية".

ابتهج الشركاء، بحسب "أب"، عندما قام ترامب برحلته الخارجية الأولى إلى المملكة العربية السعودية. والتي أعقبها إعلان الإمارات والسعودية وحلفاؤهما حظر السفر والتجارة ضد قطر. وبعد يوم واحد من بدء الحصار، نشر ترامب سلسلة تغريدات عبّرت عن احتضانه الموقف المناهض لقطر.

"فرصة لا تقدّر بثمن"

في أواخر سبتمبر الماضي، رتب برويدي لنفسه اجتماعاً مع ترامب، وكان قبل الاجتماع تلقى من نادر رسالة إلكترونية مفادها أن اللقاء مرشح لأن يكون تاريخياً وأن عليه (برويدي) الاستفادة من "هذه الفرصة التي لا تقدر بثمن".

وفي الرسالة، طلب نادر من برويدي أن يخبر الرئيس عن صلاته مع وليّي العهد. وبعد الاجتماع، أبلغ برويدي نادر أنه مرّر الرسائل، كاشفاً أن "الرئيس ترامب كان متحمساً للغاية" وقد سأل عن الخطوة التالية، فجاءه الجواب أن عليه لقاء ولي عهد الإمارات ليوضح برويدي بعدها أن الرئيس ترامب وافق على أن الاجتماع مع بن زايد هو فكرة جيدة".

"الحظ العاثر"

بعد ذلك، حسب الوثائق المسرّبة، كان قد حان الوقت لزيارة برويدي للإمارات وتوقيع عقده الأول، بينما كان قد ناقش هو ونادر بالفعل تقاسم الأرباح والبدء بإنشاء شركة في الإمارات تابعة لشركة برويدي.

التقى برويدي بالرئيس الأمريكي مرة أخرى في 2 ديسمبر، ليعود ويخبر نادر أنه قد أطلع ترامب على أن وليّي العهد "معجبين بقيادته". وقد عرض مساعدة وليي العهد في خطة السلام في الشرق الأوسط التي وضعها جاريد كوشنر.

بعد أيام من لقاء برويدي مع ترامب، منحت الإمارات العربية المتحدة برويدي عقد الاستخبارات بمبلغ يصل إلى 600 مليون دولار على مدى 5 سنوات، وفقاً لرسالة مسربة.

وفي يناير ، كان برويدي يستعد لعقد اجتماع ثالث مع ترامب، خلال الاحتفالات بالسنة الأولى للرئيس في المنصب. كان من المفترض أن ينضم نادر إليهم، لكن الدفعة الأولى لعقد الاستخبارات كانت متأخرة، فكان أن أجّل نادر رحلته إلى الولايات المتحدة لمدة يوم للتأكد من أنها تحولت. وفي 17 يناير، ذكر برويدي أنه تلقى الدفعة الأولى التي بلغت 36 مليون دولار.

بعد ساعات من تحويل الأموال، اكتشف نادر وبرويدي أنه على الرغم من كل احتياطاتهما، لم يفلتا من خطر الانكشاف. عندما هبط نادر في مطار دالاس، وجد بانتظاره فريقاً من موظفي مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي يعمل لصالح فريق مولر. صودرت أجهزته الإلكترونية ووافق في وقت لاحق على التعاون، من دون أن يكون واضحاً سبب اعتقاله (ربما يعود إلى اجتماع سيشل حسب "أسوشيتد برس").

وبينما لا توجد أدلة على أن مولر مهتم بجهود الضغط التي كان يقودها نادر وبرويدي لصالح الإمارات والسعودية، إلا أن احتجاز نادر  قد أدخل الشريكين في دوامة الحظ العاثر، حسب الوكالة. وفي فبراير، بدأت كل من وكالة "أب" و"نيويورك تايمز" ومؤسسات إعلامية أخرى بتلقي رسائل البريد الإلكتروني والوثائق التي تم اختراقها على ما يبدو.

وفي النهاية، فقدت عملية نادر وبرويدي المعادية لقطر الزخم المطلوب، من دون أن تثمر جهودهما لنقل قاعدة العديد من قطر، بينما دعا وزير الخارجية مايك بومبيو في أواخر أبريل إلى وضع حد للمشاحنات بين المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر، حسب "أسوشيتد برس" التي ختمت بالتساؤل "لكن ماذا عن مصير عقد برويدي الضخم مع دولة الإمارات العربية المتحدة؟"

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي