هل يمنع السيستاني وصول رئيس وزراء عراقي مقرّب من إيران؟

هل يمنع السيستاني وصول رئيس وزراء عراقي مقرّب من إيران؟

"إيران تقول إن رئاسة الوزراء لشيعي وليس للشيعة"، يقول الباحث العراقي الدكتور أحمد الأبيض. ويفسر الأكاديمي العراقي قولة بأن الجارة الشرقية للعراق تقصد بـ"الشيعي" ذلك الذي يكون تابعاً لها ومقلداً لولاية الفقيه المتبعة في إيران، ولا تكتفي بانتماء الرئيس المذهبي فحسب.

يقف المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني، ومقره النجف، مناهضاً للنفوذ الإيراني في البلاد، خاصة في السنوات الأربع الأخيرة عندما لعب دوراً كبيراً في منع وصول رئيس الوزراء السابق نوري المالكي المُقرّب من طهران إلى ولاية ثالثة في رئاسة الحكومة العراقية، وعندما حيّد توسع الحشد الشعبي الذي ارتبطت بعض فصائله بإيران بشكل مباشر، رغم أنه تشكل على أساس فتواه في 13 يونيو 2014.

اليوم أيضاً، يسعى السيستاني إلى قطع الطريق بين طهران وبغداد في محاولة منه لمنع الإيرانيين من تحديد رئيس الحكومة العراقية الجديدة، والتي يُتوقع أن يرأسها من جديد حيدر العبادي المقبول محلياً ودولياً.

بين النجف وقُم

لا ينحصر الصراع بين النجف وقُم حول رئاسة الوزراء فقط، بل ترفض الأولى تدخل طهران في تحديد ملامح النظام العراقي الذي يُراد له أن يكون نسخة عن ولاية الفقيه في إيران.

يعتقد السيستاني أن الفرصة مؤاتية الآن للحد من نفوذ إيران، خاصة في ظل النتائج التي حققها المقربون منها في الانتخابات العراقية والتي لا تعطيهم الكلمة الفصل، وهنا الحديث عن ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وتحالف الفتح بزعامة هادي العامري، فيما كسب التحالف الذي يتزعّمه مقتدى الصدر المناهض للسياسة الإيرانية في العراق المركز الأول، بحسب النتائج الأولية للانتخابات التشريعية التي جرت في 12 مايو.

يقول أحمد الأبيض لرصيف22: "الصراع كبير وقوي بين النجف وقُم، إذ تريد طهران، ومنذ سنوات، أن تكون النجف تابعة لها، لكن هذا لم يحصل، ولن يحصل في ظل قوة النجف الشعبية والدينية وفي ظل المكانة التي تتمتع بها مرجعية علي السيستاني".

ويضيف: "يقف السيستاني والصدر بوجه إيران، وينسقان المواقف بينهما بشكل كبير، فهما لا يريدان رئيس وزراء تابع لإيران ويحاولان قدر الإمكان منع وصول حزب الدعوة للحكم من جديد باعتباره واحداً من المقربين من طهران".

لا يتفق السيستاني والصدر مع مساعي تطبيق ولاية الفقيه في العراق، كما أنهما لا يريدان وجود مرشح مفروض على العراقيين، بل يبحثان عن مرشح تسوية وهذا ما لا تريده إيران، بحسب الأبيض.

في فترة نفوذ حزب الدعوة في العراق بين عامي 2005 – 2014، تعزز النفوذ الإيراني فيه، فهو من الأحزاب الشيعية التي تواجدت قياداتها في إيران لأكثر من عقدين.

وإنْ كان العبادي عضواً في الحزب إلا أن فترته لا تحسب كثيراً على الدعوة، لأن ميوله ليست إيرانية مثلما كان الحال مع المالكي أو سلفه إبراهيم الجعفري.

السيستاني يبعد المالكي

عندما أصر رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي على تولي ولاية ثالثة، بعد انتخابات 30 أبريل 2014، واجه رفضاً من الكتل السياسية، وكان للسيستاني الدور الأكبر في إبعاده.

لا يتخذ السيستاني قرارات علنية تجاه الأوضاع السياسية في البلاد، ولا يتحدث بطريقة مباشرة عن مواقفه، فهو ليس بولي فقيه، لكنه يمتلك قنوات كثيرة يمكن له أن يمرر ما يريد من خلالها، خاصة في ما يخص إبعاد المالكي عن الولاية الثالثة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"إيران تقول إن رئاسة الوزراء لشيعي وليس للشيعة"، فالجارة الشرقية للعراق تقصد بـ"الشيعي" ذلك الذي يكون تابعاً لها ومقلداً لولاية الفقيه المتبعة في إيران، ولا تكتفي بانتماء الرئيس المذهبي فحسب

شارك غرد"هذه فرصتنا الأخيرة، إما أن يكون العراق بيد العراقيين أو يضيع بيد إيران"، نقل مقربون من السيستاني عن لسانه خلال اجتماع عقدوه عام 2015 مع مجموعة من قيادات تظاهرات ساحة التحرير في وسط بغداد

يقول رئيس تحرير صحيفة الصباح الحكومية الأسبق فلاح المشعل الذي رأس تحرير الجريدة في فترة حكم المالكي: "كان للسيستاني دور في منع تولّي المالكي ولاية ثالثة، بسبب فترة حكمه الثانية التي شهدت إخفاقات كثيرة ومشاكل اقتصادية، وانتشرت فيها مظاهر الفساد وحدثت انتكاسات لم يشهد لها العراق مثيلاً في السابق، وبرغم ذلك أصرّ على البقاء في السلطة دون طرح أي مشروع إصلاحي".

ويضيف: "السيستاني له دور وتأثير مباشر على القرار الإيراني وتحديداً على (المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي) الخامنئي، وحين رفض تولي المالكي لولاية ثالثة، كما تذكر مصادر، فإن المرجع الأول في النجف طلب من خامنئي عدم دعم المالكي، وهذا ما ظهر واضحاً من خلال عدم إصرار إيران على توليه رئاسة الحكومة ولا الدفع باتجاه ذلك".

السيستاني يرفض وجود رئيس وزراء مقرّب من إيران

"هذه فرصتنا الأخيرة، إما أن يكون العراق بيد العراقيين أو يضيع بيد إيران"، نقل مقربون من السيستاني عن لسانه خلال اجتماع عقدوه عام 2015 مع مجموعة من قيادات تظاهرات ساحة التحرير في وسط بغداد.

يتجه السيستاني نحو الشيعية الوطنية دون أن يتخلى عن الشيعية العالمية، ويريد منها ألا يكون للشيعة في العراق ارتباط خارجي يؤثر على موقفهم الوطني ويضعف دورهم كعراقيين يتبنّون الهوية الوطنية أساساً لوجودهم.

في المقابل، ترى إيران أن شيعة العراق جزء من منظومتها الشيعية التي يجب أن تعمل لمصالحها. لذا صار في العراق تياران شيعيان، الأول مُرتبط عراقياً بمرجعية النجف والثاني يتجاوز الحدود باتجاه ولاية الفقيه.

واحد من أسباب رفض السيستاني لوجود رئيس وزراء شيعي مقرب من إيران على رأس الحكومة العراقية، هو الخوف من ابتلاع طهران لبغداد.

ويقول الباحث في الشأن العراقي يوسف إبراهيم لرصيف22: "وجود رئيس وزراء بكل صلاحياته مقرب من إيران ويوجه السياسات العامة للبلاد، خاصة الاقتصادية والخارجية والإقليمية بالذات، باتجاه المصالح الإيرانية، هي أسباب تدفع نحو وقوف السيستاني ليقطع الطريق على وجوده".

ويضيف: "ربما أيضاً التذمر الموجود في الشارع الشيعي العراقي من بعض السياسات الإيرانية قد حفز المرجعية على اتخاذ مواقف مناهضة لوجود أي رئيس حكومة مقرب من إيران".

تشير المؤشرات التي تخرج في خطب الجمعة عن ممثلي السيستاني ومواقفه السابقة إلى وجود قرار ثابت لديه برفض وجود رئيس وزراء مقرب من إيران، خاصة عندما رفض استقبال مبعوث خامنئي إلى النجف محمود الشاهرودي الذي زار العراق في نهاية العام الماضي، وتأكيده المستمر على ضرورة عدم انتخاب "المجربين والذين ترتبط أحزابهم بدول أخرى".


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي