كيف سيؤثر انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على أمن الخليج؟

كيف سيؤثر انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على أمن الخليج؟

يحذّر محللون سياسيون وخبراء استراتيجيون من أن يقود الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني إلى سباق تسلح نوعي في منطقة الخليج، يزيد من التوتر القائم منذ عقود، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى مواجهة عسكرية ربما لا تقف عند حدود المنطقة.

كثيرون يتخوّفون من أن الانهيار التام لهذا الاتفاق سيقود إلى سباق تسلح نووي في المنطقة، خاصة وأن السعودية جددت أكثر من مرة خلال الأيام الماضية، على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير، أنها ستستعى إلى الحصول على السلاح النووي في حال قامت إيران بذلك، في تصريحات جاءت رداً على تهديدات إيرانية من أنها قد تعود إلى برنامجها النووي وتسرّع العمل فيه.

تتعدد السيناريوهات، ولكنها لا تخرج عن أن تنسلخ إيران من تعهداتها السابقة لترد على قرار ترامب بالمثل، أو تحاول التمسك به بدعم من أوروبا وروسيا والصين، أو أن تقبل بشروط جديدة، والسيناريو الأخير لا يبدو خياراً قريب الحدوث، والوصول إليه لن يكون سهلاً.

"نحو درب مجهول"

"تسير المنطقة نحو درب مجهول". هكذا يعتقد المحلل السياسي السعودي ومراسل إذاعة مونتي كارلو الفرنسية في المملكة أحمد الديحاني، مشيراً إلى أن المنطقة مقبلة على مرحلة خطرة.

ويقول لرصيف22 إن القرار الأمريكي يضع المنطقة أمام مجموعة احتمالات، و"هذه الاحتمالات من ضمنها ما هو خطر على المنطقة كالحرب المفتوحة، ومن ضمنها، وهو أقربها إلى التطبيق، عودة سباق التسلح مع عودة طهران إلى تخصيب اليورانيوم".

ورغم تأكيده على "الكلفة الاقتصادية الباهظة للعقوبات الأمريكية والتي قد تطيح باقتصاد إيران"، إلا أنه يعتبر أن إيران ستعيد العمل ببرنامجها النووي "طمعاً بصفقة كبيرة في النهاية تشبه ما يتم العمل عليه مع كوريا الشمالية".

ويتفق الخبير السعودي في الجماعات الإرهابية وفي الشؤون الاستراتيجية أحمد الموكلي مع ما ذهب إليه الديحاني، ويقول لرصيف22: "بحال عاودت إيران تخصيب اليورانيوم بكميات عالية، كما كان الأمر قبل الاتفاق النووي، ولم تكن هناك قرارات صارمة لمنعها، فإن ذلك لا شك سيقود إلى سباق تسلح".

ويلفت إلى أن "المملكة السعودية أعلنت ذلك صراحةً: في حال امتلكت ايران قنبلة نووية فإنها ستحصل على ذلك في أسرع وقت ممكن". لكنه يبدي اعتقاده بأن "الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح لها بذلك حتى لو قاد ذلك إلى توجيه ضربة عسكرية إلى أهداف إيرانية".

ويشدد الموكلي على أن إيران تعي خطورة انسلاخها التام عن الاتفاق النووي ولهذا لن تخاطر، ويضيف: "هي تناور للخروج بأقل قدر من الخسائر المتمثلة في العقوبات التي فرضتها وستفرضها لاحقاً الولايات المتحدة الأمريكية عليها"، معتبراً أن إلغاء الاتفاق النووي ستكون عواقبه بالغة الشدة على الاقتصاد الإيراني، بسبب الرقابة على الأموال الداخلة إليها والخارجة منها، ما يؤثر سلباً على ميزان المدفوعات، ويؤدي إلى تخوّف الشركات الكبرى من التعامل معها، كي لا تدخل تحت طائلة العقوبات الأمريكية.

مواقف خليجية متباينة

تباينت المواقف الخليجية من القرار الأمريكي. ففيما أيدته السعودية والإمارات والبحرين بشكل مباشر، فضّلت الكويت وعمان التريّث، بينما كان الموقف القطري غير حاسم، خاصة أن الدوحة صارت ترتبط بعلاقات تجارية وثيقة مع طهران بعد الأزمة الخليجية.

أعلنت السعودية على لسان سفيرها في الولايات المتحدة الأمريكية الأمير خالد بن سلمان أن الاتفاق النووي كان كارثة من الأساس، لأن النظام الإيراني أنفق الأموال التي حصل عليها بموجبه على الإرهاب وإشعال الصراعات الطائفية والفوضى في المنطقة، فيما قالت الخارجية القطرية إن الأولوية الأساسية هي لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وتجنيب دخول القوى الإقليمية في سباق تسلح نووي لا تحمد عقباه.

ويعتبر الديحاني أن تباين مواقف الدول الخليجية في التعاطي مع الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، يعود إلى كون الملف النووي الإيراني معقّد إلى درجة تسمح بالنظر إليه من زوايا متعددة.

ويقول: "البعض يهمه الجانب الأمني من هذا الاتفاق، كونه كان يكرّس نوعاً من الاستقرار والبعض الآخر يرى في عزل إيران وحصارها اقتصادياً وسياسياً وسيلة كفيلة بمنع امتداد نفوذها".

من جانبه، يعتقد المحلل السياسي الكويتي داهم القحطاني أن تباين مواقف الدول الخليجية يعود إلى أمور جيوسياسية معقدة. ويقول لرصيف22: "موقف الكويت أكثر تعقيداً لقربها من إيران، وهو موقف ينطبق على عمان أيضاً"، ويضيف: "ما يتحكم بالمواقف هي الجغرافيا السياسية، كون الكويت في الواجهة وهذا يجبرها على أن تتخذ سياسات غير عدائية تجاه إيران، أما السعودية فهي في مواجهة علنية مع إيران عن طريق الحوثيين، ولهذا يأتي موقفها مؤيداً لكل ما يساعد على تحييد الحوثيين".

أقوال جاهزة

شارك غرديحذّر محللون سياسيون وخبراء استراتيجيون من أن يقود الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني إلى سباق تسلح نوعي في منطقة الخليج، يزيد من التوتر القائم منذ عقود، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى مواجهة عسكرية

شارك غردكيف سينعكس انسحاب ترامب من الاتفاق النووي على أمن الخليج؟ "الولايات المتحدة حريصة على أن تُبقي المنطقة متوترة، لبيع أكبر قدر ممكن من الأسلحة، ولكنها لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي"

ولكنه يوضح: "هذا لا يعني أن الكويت تقف في صف إيران، فهي تحارب في اليمن ضدها"، لافتاً إلى أن "الموقف من الاتفاق النووي ليس قضية سياسية مباشرة بين السعودية وإيران، بل بين إيران والدول الست الموقعة عليه".

ويتابع أن الموقف الكويتي ينطبق على الموقف العماني، خاصة وأن "عمان دائماً ما تتخذ موقف الحياد، وهي من الأساس لا مصلحة لها في المواجهة مع إيران، دون نسيان أن الاتفاقات التمهيدية للاتفاق النووي تمّت فيها".

سيناريوهات محتملة

ثمة ثلاثة سيناريوهات يتوقعها المحللون: الأول، مواجهة عسكرية مباشرة في المنطقة، وهو أمر مستعبد، حتى مع التهديدات المتبادلة بين إيران وإسرائيل؛ والثاني، أن يقود التوتر إلى سباق تسلح، خاصة مع تحلل إيران من القيود التي كان يفرضها عليها الاتفاق النووي، في حال انهياره التام؛ والثالث، أن تقبل إيران بمفاوضات جديدة، ستكون أكثر صرامة، وهو سيناريو يرجّحه المحلل والكاتب السياسي السعودي يوسف الكويليت.

يشدد الكويليت على أن الاقتصاد الإيراني لن يحتمل المزيد من العقوبات، ويقول لرصيف22: "القرار سيكون سلبياً على جميع الأطراف في المنطقة، ولكن المتأثر الأكبر سيكون إيران، لأن مقاطعة الولايات المتحدة لها، وتهديدها للشركات الأوروبية التي تتعامل معها بالمقاطعة، سيجبر الأخيرة على الخروج من السوق الإيرانية، وهذا سيهز الاقتصاد الإيراني".

ويوضح أنه "متى ما تدنّت مداخيل الناس، وصار هناك تضييق على سبل معيشتهم، سينفجر الشارع، وسيكون هو الحكم، وستكون التظاهرات هذه المرة مضاعفة، في ظل تدني العملة إلى الحضيض. ولذلك، سيُجبَر النظام الإيراني إما على الإذعان والقبول بشروط أمريكية جديدة، أو تقبل التضييق الاقتصادي عليه".

وبرأي الكويليت، كانت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما تحت ضغط لوبي إيراني قوي، ولهذا قامت بحسابات خاطئة، ولم تأخذ في الاعتبار التداعيات السياسية لقراراتها على المنطقة، متوقعاً أن يكون لموقف الولايات المتحدة الجديد تأثير قوي على إيران، ومستبعداً أن تقف الدول الأوروبية في صف النظام الإيراني على حساب علاقتها مع أمريكا.

ويقول لرصيف22: "سياسياً، تقول أوروبا إنها ملتزمة بالاتفاق، ولكن اقتصادياً، هي لن تقف مع الاقتصاد الإيراني الذي لا يشكل ولا حتى واحد من الألف من الاقتصاد الأمريكي. ترامب سيجبر الأوروبيين على مقاطعة إيران".

حرب قادمة؟

تكمن مشكلة الاتفاق النووي مع إيران في أنه اتفاقيه فنية، وليست سياسية، وهو محدد بـ15 عاماً قابلة للزيادة. ولهذا، وبحسب المحلل السياسي الكويتي داهم القحطاني، فإنه لم يمنع إيران من الاستمرار في تدخلها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، بل "منحها المزيد من المال للقيام بذلك".

ويؤكد القحطاني أن "الولايات المتحدة حريصة على أن تُبقي المنطقة متوترة، لبيع أكبر قدر ممكن من الأسلحة، ولكنها لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي".

ويضيف: "للانسحاب الأمريكي من الاتفاق جانبان، الأول أنه سيقلل من قدرة إيران على التوغل في الدول المجاورة وتهديد الأمن العربي، وهذا هو السبب المعلن للموقف الأمريكي، فهم يرون أنه لم يردع إيران عن أن تكون مصدر خطر على الدول المجاورة، بل وفر الدعم المالي لها؛ أما الجانب الآخر فهو بقاء إيران ملتزمة به مع الدول الخمس المتبقية، وهي ستلتزم به خوفاً من عودة الاتحاد الأوروبي إلى فرض العقوبات عليها، ما يعني عودتها إلى العزلة الدولية، والأزمات الاقتصادية التي عانت منها قبل توقيع الاتفاق، وتسببت في إغلاق آلاف المصانع".

والسؤال الآن: هل ستحاول إيران الاستمرار في تهديد دول الجوار؟

يجيب القحطاني: "نعم، ولكن على المدى القصير، والدليل أنها أطلقت صواريخ جديدة نحو السعودية عبر عملائها الحوثيين، وهددت إسرائيل في الجولان، ولكن في نهاية المطاف، إيران تعاني من مشاكل مفصلية في الاقتصاد، ولا بد من أن تعترف بأنها تأثرت وستحاول الحصول على اتفاقية جديدة. هذه هي عادة النظام الإيراني منذ الثورة. ستبادر إلى تخفيف تدخلاتها في بعض الدول حتى لا يكون هناك مبرر لضربها عسكرياً".

ويضيف: "ستحاول إيران أن تقول للأمريكيين إن قرارهم خاطئ، ولكن المبالغة في ذلك سترسل رسالة خاطئة إلى الدول التي ما تزال متمسكة بالاتفاق، وهي تخشى أن تواجه أمريكا بشكل عدائي".

ويتوقع القحطاني أن ترفض إيران أية صيغة متشددة لاتفاق جديد، وستحاول أن تناور ولكن في نهاية المطاف ستخضع لما سيُطلب منها. ويقول: "هم سادة التراجع. دائماً قراراتهم السياسية تختلف عما يظهرونه في الإعلام. في الغرف المغلقة يقدّمون الكثير من التنازلات التي لا يُلعن عنها. هي لن تصمد أمام العقوبات الجديدة".

وبرأي أحمد الديحاني، "للولايات المتحدة حساباتها ولكنها هذه المرة، مع هذه الإدارة الموجودة في البيت الأبيض، تتقاطع حساباتها مع حسابات الدول الباحثة عن الاستقرار وإيقاف العبث الإيراني، والمملكة على رأس هذه الدول".


خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي