رحلة دبلوماسية إسرائيلية في قطر... يوميات الإسرائيلي سامي ريفيل

رحلة دبلوماسية إسرائيلية في قطر... يوميات الإسرائيلي سامي ريفيل

في ربيع عام 1995، هبّت عاصفة سياسية على الصحراء القطرية بدّلت المشهد السياسي العربي. كسرت قطر جدار مقاطعة العرب لإسرائيل، في خطوة أسفرت بعد أشهر عن وصول الدبلوماسي الإسرائيلي سامي ريفيل إلى أراضيها كممثل للدولة العبرية.

ومنذ أن أعلن طاقم الطائرة الأردنية التي أقلته إلى الدوحة عن وصول الرحلة، راح ريفيل يسعى إلى تطبيع العلاقات بين قطر وإسرائيل.

خزائن قطر المذهبة

وصل ريفيل إلى الدولة الخليجية الصغيرة عاقداً النيّة على خلق انطباع جيّد لدى القطريين، أثناء افتتاح أول مكتب يمثل المصالح الإسرائيلية في قطر. لذلك أحكم ربط ربطة عنقه قبل النزول من الطائرة.

ولكن حينما نزل منها، كانت حرارة الجو 40 درجة مئوية في الظل. وكعادتهم، كان القطريون قد هاجروا في عطلة إلى الأماكن الأكثر برودة. اتخذ ريفيل أول "قرار دبلوماسي": فك ربطة العنق الملتفة تحت قبة القميص.

دوّن سامي ريفيل الذي كان له باع طويل في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وقطر، عبر توطيد علاقات مع مسؤولين كبار في قصر الأمير، مذكراته في كتابه "إسرائيل على جبهة الخليج"، خلال فترة إقامته في باريس.

ويقول ريفيل في مذكراته إن "خزائن قطر الممتلئة بالذهب مكّنتها من لعب دور لافت في الشرق الأوسط بما يتعدى أبعادها الجغرافية وحجم سكانها".

نبوءة الشرق الأوسط الجديد

في مارس 1996، انعقد مؤتمر قمة شرم الشيخ بمشاركة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وخرجت منه دعوات عربية مؤيدة لاستمرار عملية السلام. في ذلك المناخ السياسي، وجّهت قطر دعوة رسمية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز لزيارتها، في 2 أبريل 1996.

 

شهدت مراسم الزيارة توقيع اتفاقية افتتاح مكتب تمثيل المصالح الإسرائيلية في الدوحة. هنا تحققت نبوءة "الشرق الأوسط الجديد" الذي خصص له بيريز كتاباً.

لم تفكّر إسرائيل كثيراً قبل اختيار شخص يمثلها في الدوحة. اتجهت الأنظار إلى سامي ريفيل الذي كان يعمل في مكتب المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، ضمن فريق كانت مهمته المركزية دفع التطبيع بين إسرائيل والخليج العربي.

التحدي الأكبر للدبلوماسي الإسرائيلي داخل قطر كان خلق مناخ يقبل بوجوده، نظراً لأن القطريين لم يتعاملوا مع أناس إسرائيلين من قبل. يوضح ريفيل: "الأنظار كانت تركّز علينا كما لو كنا أشخاصاً هبطوا لتوهم من القمر".

تملك ريفيل الكثير من الامتعاض خلال خطواته الأولى في قطر. يشير إلى أن الإجراءات الإدارية لافتتاح المكتب كان يمكن إنهاؤها في دقائق، ولكنها تحولت إلى مشروع معقد بسبب مزيج من البيروقراطية ومن التعقيدات الناجمة عن شعور القطريين بضرورة التعبير عن الرفض.

تحديات إيجاد مسكن

بدأت رحلة ريفيل في البحث عن مسكن ملائم. لم يكن مسموحاً لغير القطريين بتملك العقارات.

ظل الوفد الإسرائيلي قابعاً في فندق شيراتون ما يربو على سنة، وامتنع كثيرون عن تأجير منازلهم لأفراده.

كذلك، واجه ريفيل تحديات عدّة للعثور على مدرسة لأولاده. كان الجميع يرفضون تسجيلهم فور علمهم بأنهم أبناء أسرة إسرائيلية.

بحث كثيراً حتى عرف أن أطفال الأجانب يلتحقون بمدرسة Doha English، وأغلب مسؤوليها بريطانيون، ما جعل الأمر يسيراً معهم.

أوامر قطرية عليا

يذكر ريفيل مثالاً صارخاً عن البيروقراطية التي واجهته، حين اتجه من غرفته في فندق شيراتون صوب فرع بنك قطر الدولي، القابع في أحد أركان بهو الفندق.

توجّه إلى موظف كان جالساً خلف نافذته الصغيرة، غارقاً في إدخال البيانات، وطلب منه أن يفتح له حساباً مصرفياً. وحين علم الموظف بأنه رئيس مكتب المصالح الإسرائيلية توقف عن مساعدته، طالباً منه الذهاب إلى الفرع الرئيسي.

ثارت الريبة في قلب الدبلوماسي الإسرائيلي من أن يُرفض طلبه، ولكن انتهت تلك الإجراءات عقب انتظار دام أربع ساعات، بعد صدور "أوامر عليا" في قطر.

رحلة شاقة

عقب عودته مرة أخرى إلى الفندق، أرخى ريفيل ظهره إلى الخلف بعض الشيء على أريكة، آخذاً في تذكر رحلته الشاقة التي قطعها من القدس، في 24 مايو 1996.

توجّهت السيارة التي تقلّه تجاه جسر اللنبي. كان يفكر، بينما الرياح الساخنة تلفحه، في كيفية استقبال الشعب القطري له، وفي إمكانيات نجاح عمل مكتب التمثيل.

انقطع انشغاله بهذه المسائل نتيجة المنحنيات الحادة المؤدية إلى المعبر الحدودي مع الأردن. قبل بلوغ الجسر، نزل ريفيل من السيارة الدبلوماسية الإسرائيلية التي لم يكن مسموحاً لها بعبور الحدود.

قرع الدبلوماسي باب المكتب الأردني لمعرفة مكان السيارة التي تنتظره لإيصاله إلى مطار عمان. يقول ريفيل إن ملامح وجه الضابط لم توحِ بأنه كان يتوقع وصوله.

صبر ريفيل كاد يقارب على النفاذ، خوفاً من عدم الوصول إلى المطار في الموعد المحدد. ولكن علامات القلق بدأت تندثر حينما وصلت سيارة أجرة أردنية لتعبر بهم الحدود مقابل 40 دولاراً.

أخيراً، وصل الوفد الدبلوماسي الإسرائيلي إلى مطار الملكة علياء الدولي. ومرة جديدة واجه ريفيل الإجراءات البيروقراطية للموظفين الأردنيين الذين تولوا فحص وختم جوازات السفر. ولكن أخيراً، جلسوا في مقاعدهم على الطائرة.

جس النبض

في ستينيات القرن الماضي، كانت قطر مجرد شاطئ صغير للصيد. لم تكن قد حققت قوتها الاقتصادية التي اكتسبتها عبر استثمار النفط والغاز.

مع بداية التسعينيات، سرعان ما تحوّلت عاصمتها إلى مدينة عصرية تزدان بالمباني الرخامية المهيبة، وصارت تسير في ربوع البلاد سيارات فاخرة وصارت عباءة أميرها تتوشّح بالخيوط الذهبية.

ومنذ بدايات التقارب بين قطر وإسرائيل، كان هناك اعتقاد إسرائيلي سائد يعتبر أن المشروعات الاقتصادية المشتركة مع الدول العربية تخلق حالة من الفهم المتبادل.

مسبح شيراتون

في ظهر يوم صيفي حار، قررت إيسانت، زوجة ريفيل، الذهاب إلى مسبح فندق شيراتون. وقتئذ، ترامى إلى أذن سيدة أجنبية أن إيسانت تتحدث لغة معقدة، فقررت أن تسألها عن موطنها.

أقوال جاهزة

شارك غردمن مذكرات مدير مكتب التمثيل الإسرائيلي في قطر... التحدي الأكبر كان خلق مناخ يقبل بوجود الإسرائيليين فـ"الأنظار كانت تركّز علينا كما لو كنا أشخاصاً هبطوا لتوهم من القمر"

شارك غرديبحث الكثيرون عن إجابة على سؤال: لماذا تحرص قطر التي ترتبط بمصالح مع الغرب على إقامة قنوات مفتوحة مع حركات متطرفة؟ مدير مكتب التمثيل الإسرائيلي في قطر يطرح إجابة ضمن مذكرات يروي فيها قصصاً عن حياته في الدولة الخليجية الصغيرة

"ليس معقولاً، ذكرنا دول الشرق الأوسط المحتملة وبعض دول العالم"، قالت السيدة الأجنبية وهي تحاول توقّع جنسيتها. خاب ظنها ولم يخطر على بالها أنها إسرائيلية.

وفي محاولة منه لتخفيف أثر صدمة الأسئلة الملحة على زوجته، قال ريفيل لها: السؤال عن الموطن الأصلي سلوك غير مهذب في العالم إلا أنه يُعتبر سؤالاً عادياً في قطر لأن سكانها أجانب.

جلسة بدوية

إحدى وسائل الترويح عن النفس الأساسية لسامي ريفيل في قطر كانت الخروج إلى مناطق انتشار الكثبان الرملية لحرث الصحراء بإطارات السيارة. كان هذا يذكّره بحائط الموت في "لونا بارك تل أبيب".

في جلسة بدوية على شاطئ خور العديد، استمتع ريفيل بمذاق تناول اللحوم المشوية على النار مع أصدقائه القطريين.

وعقب احتساء القهوة العربية السادة، قفز إلى مياه الخليج الصافية، وقت الظهيرة، في جو معزول عن العالم الخارجي، وقال: لولا صرخات الأطفال لكنّا منعزلين عن الواقع الحقيقي.

حينما حاول ريفيل الاقتراب من شواطئ السعودية، اندفع صديق قطري كان يسبح بجانبه قائلاً: لا نعرف كيف يرد حرس الحدود السعوديون إذا وجدوا أسرة إسرائيلية تعيش في قطر وتأتي إلى الشواطئ السعودية سباحة.

انقلاب كلاسيكي

حاول ريفيل أن يرسم مشهد انقلاب حمد بن خليفة على والده بفرشاة ذاكرته في مذكراته. يقول: كان انقلاب قصر كلاسيكي بدون سفك للدماء، فلم ير أحد الدبابات في الشوارع، وببساطة فتح أغلب القطريين التلفاز لمشاهدة حفل التنصيب ومرّ ممثلو مختلف القطاعات ليباركوا بأدب تعيين الأمير الجديد.

في مارس 1997، وجد ريفيل المنزل المناسب في كومباوند نموذجي ضمن حي مغلق يضم 30 منزلاً خاصاً آخر. جرى ذلك بناء على توصيات من إحدى العائلات العليا في قطر.

إسرائيل دولة وحشية

حين زادت حدة التوتر بين إسرائيل وقطر، إثر تضارب تصاريح في الإعلام عن أن إسرائيل ليست جادة في شراء الغاز القطري، عزم صاحب المنزل على رفع دعوى قضائية لطرد الدبلوماسي وأسرته منه، لأنه لا يريد أن يستخدم بيته مقراً للمكتب الإسرائيلي.

في ربيع 1999، قضت المحكمة بإخلاء المبنى، وعاد الوفد من جديد إلى الفندق.

تلقّى ريفيل خلال فترة إقامته في قطر رسائل كثيرة تصف إسرائيل بـ"دولة وحشية". وبحسب استطلاع رأي، قالت صحيفة الوطن القطرية، في مايو 1997، إن 91% من القطريين أعربوا عن تأييدهم لتجميد العلاقات مع الدولة العبرية.

تطرف قطر

الجالية اليهودية في الدوحة كانت تتشكل من ثلاث عائلات فقط، ممن كانوا يعملون في المكتب الدبلوماسي. كانوا يحرصون على الاحتفال بأعيادهم، وشارك في احتفالاتهم أصدقاء غير يهود.

طرح ريفيل تساؤلاً، ربما يبحث الكثيرون عن إجابة عنه: لماذا تحرص قطر التي تتمتع بصورة براغماتية ولها مصالح مع الغرب على إقامة قنوات مفتوحة مع حركات متطرفة؟

ويجيب ريفيل: الموقف الإيديولوجي القطري يقوم على ضرورة الحفاظ على حوار مع المتطرفين، يضمن حمايتها من المكائد.

عشاء الرحيل

من حين إلى آخر، كان يراود ريفيل رهاب تجميد العلاقات. يصف مشهد العلاقات بين قطر وإسرائيل بالسفر بالقطار الجبلي في ساحة المغامرات، يصعد مساره ويهبط وفقاً لتطورات عملية السلام.

في أبريل 1998، تلقى سامي ريفيل دعوة للعشاء في منزل رئيس تحرير صحيفة "بنينسولا" القطرية. رجح حينها أنه العشاء الأخير له في الدوحة، بناءً على تصريحات وزير خارجية قطر حمد بن جاسم حول إغلاق المكتب إذا استمر جمود عملية السلام.

يروي ريفيل أنه في عيد ميلاد إيسانت، في يوليو 1998، انخرط سفراء ورجال أعمال قطريين في رقص التانغو. يقول إن القطريين يبدون استعدادهم لتوطيد العلاقات، ولكن في الغرف المغلقة.

وفي نهاية رحلته القطرية، في فبراير 1999، عُيّن ريفيل نائباً لرئيس البعثة الإسرائيلية لدى الاتحاد الأوروبي. يقول إن ذلك أحزنه، قبل أن تغمره سعادة الاحتفال بمولود جديد.


إبراهيم عيد

صحافي مصري حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة القاهرة وعمل في مواقع مصرية مختلفة.

التعليقات

المقال التالي