بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي... ماذا ستخسر إيران؟

بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي... ماذا ستخسر إيران؟

قبل أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، روّجت وسائل إعلام إيرانية عدة لفكرة أن هذا القرار لن يؤثر على طهران. واعتبر رئيس البنك المركزي الإيراني ولي الله سيف، على سبيل المثال، أن اقتصاد البلاد لن يتأثر.

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أكد أن بلاده ليست قلقة بشأن قرارات أمريكا "المجحفة"، وأن الإيرانيين "مستعدون لكل الاحتمالات ولن يحدث أي تغيير في حياتنا".

لكن هل الأمر كذلك حقاً؟ بالتأكيد لا.

ما العقوبات التي ستفرض على طهران؟

قضى الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع ست قوى عالمية عام 2015 بوقف برنامجها النووي المثير للجدل، وكان السبب في رفع عقوبات عن كاهل طهران. لكن بعد إعلان الرئيس الأمريكي، ستعود هذه العقوبات من جديد.

إحدى هذه العقوبات هي أنه لن يكون بمقدور إيران تصدير أو استيراد الأسلحة، كما ستظهر قوائم سوداء تضم أسماء أفراد وشركات وبنوك كانت متهمة في السابق بانتهاك القوانين الأميركية.

ولن تتمكن طهران من استيراد قطع غيار للطائرات والسفن لتحديث أسطولها الجوي والبحري، وستُحرَم من صفقات تجارية خارجية ضخمة كانت تعوّل عليها لإنعاش اقتصادها الذي يعاني بالفعل من مشاكل عدة تسببت مؤخراً في خروج تظاهرات كثيرة إلى الشوارع.

ليس هذا كل شيء، سيعاني قطاع النفط الإيراني الذي يشكل أبرز مصدر للدخل في البلاد من إعادة فرض العقوبات عليه، وكان بحاجة ملحة لدعم من شركات أجنبية لتطويره من أجل زيادة إنتاجه، عدا أن دولاً كثيرة ستتوقف عن استيراد النفط الإيراني أساساً.

أيضاً، لن تتمكن إيران من جذب استثمارات أجنبية، كما سيتم تجميد أية أموال لطهران في الخارج، خصوصاً في الولايات المتحدة.

ما سبق ليس كل شيء. هناك ما هو أخطر بكثير، فقد كان الاتفاق الضمانة الوحيدة لعدم شن حرب غربية على طهران، لكن انسحاب الولايات المتحدة منه قد يجعل الأمر وارداً، خاصةً إذا ما أعلنت إيران أنها ستعود إلى تخصيب اليورانيوم.

المزيد من الخسائر

بمجرد إعلان ترامب قراره بالانسحاب من الاتفاق، سجلت العملة الإيرانية انخفاضاً أمام الدولار الأمريكي. وبحسب العديد من وسائل الإعلام، شهدت إيران اصطفاف عدد كبير من المواطنين أمام محلات الصرافة لشراء أكبر كمية من الدولارات الأمريكية.

لم تكن العملة الإيرانية هي الوحيدة التي سقطت. فالتراخيص الممنوحة لشركتي بوينغ وإيرباص من أجل بيع طائرات ركاب إلى إيران من المقرر أن تسقط هي أيضاً، بحسب ما أعلنه وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين.

وبسبب هذه العقوبة، لن تستطيع شركة الخطوط الجوية الإيرانية (إيران إير)، الحصول على طلبيات سابقة تتضمن 200 طائرة ركاب، من بينها 100 طائرة من إيرباص و80 من بوينغ إلى جانب 20 طائرة من شركة إيه تي آر الفرنسية، إذ تعتمد جميع الصفقات على التراخيص الأمريكية، نظراً للاستخدام الكثيف للمكونات الأمريكية في الطائرات التجارية.

وفي ديسمبر 2016، وافقت بوينغ على بيع 80 طائرة بقيمة 17 مليار دولار بالأسعار المعلنة إلى شركة "إيران إير" بموجب الاتفاق بين طهران والقوى العالمية الكبرى على إعادة فتح التجارة مقابل تقييد أنشطة إيران النووية.

لكن وزارة الخزانة الأمريكية، وهي التي تنظم تراخيص الصادرات، تقول الآن إن الولايات المتحدة لن تسمح بتصدير طائرات الركاب التجارية ومكوناتها والخدمات التي تحتاج إليها إلى إيران بعد فترة 90 يوماً، كما ستُلغى التراخيص القائمة بالفعل.

أقوال جاهزة

شارك غردبمجرد إعلان ترامب قراره بالانسحاب من الاتفاق، سجلت العملة الإيرانية انخفاضاً أمام الدولار الأمريكي. وبحسب العديد من وسائل الإعلام، شهدت إيران اصطفاف عدد كبير من المواطنين أمام محلات الصرافة لشراء أكبر كمية من الدولارات الأمريكية

شارك غرد

من جانبها، أعلنت شركة إيرباص أنها ستدرس قرار ترامب قبل أن تتحرك، مضيفة أن هذا سيحتاج وقتاً. أما شركة بوينغ، فقالت إنها ستتشاور مع الحكومة الأمريكية بخصوص "الخطوات التالية" لقرار ترامب.

أزمات اقتصادية أكثر في انتظار طهران. فقد أعلن اتحاد غرف التجارة والصناعة الألمانية أن شركات أوروبية قد تواجه عقوبات في الولايات المتحدة إذا وُضع شركاؤها الإيرانيون في الأعمال على قوائم العقوبات الأمريكية.

في نفس الوقت، قال سفير الولايات المتحدة لدى ألمانيا ريتشارد غرينيل، عبر حسابه على تويتر، إن على الشركات الألمانية التي تعمل في إيران أن توقف أنشطتها هناك على الفور.

فوضى ستطال الجميع

قرار ترامب لن يسبب أزمة في طهران وحدها. يبدو أن الأزمات ستطال دولاً وشركات أخرى. فحتى الآن، لم تعلن شركات أوروبية مهمة تتعامل مع إيران عن موقفها النهائي. على سبيل المثال قالت شركة "بيجو سيتروين" الفرنسية لصناعة السيارات، إنها تأمل في أن يتبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً مشتركاً بشأن إيران بعد قرار ترامب. فهي لا تريد أن تجد نفسها وحيدة في مواجهة آثار العقوبات الأمريكية على إيران عليها.

وأضافت الشركة أنها تتابع تطورات الوضع، وتتابع أيضاً الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي في هذه القضية.

"بيجو سيتروين" ليست الوحيدة التي بدا قلقها واضحاً في بيانها. فمنافستها التي تعمل أيضاً في إيران "رينو" لا تعرف ما الذي ستفعله، هي التي ترتبط بتجارة كبيرة مع إيران.

ولا يختلف الوضع كثيراً مع شركة النفط الفرنسية العملاقة توتال، ولها مصالح اقتصادية هي الأخرى مع الجمهورية الإسلامية، منها مشروع غاز بمليارات الدولارات في إيران، وقد لا تتمكن الشركة من الحصول على إعفاء من العقوبات.

ووقعت توتال اتفاقاً مهماً مع طهران، في يوليو 2017، يهدف إلى تطوير المرحلة الحادية عشرة من حقل بارس الجنوبي الإيراني، باستثمار مبدئي قيمته مليار دولار، في أول استثمار غربي كبير في قطاع الطاقة الإيراني منذ رفع العقوبات.

وتشتري توتال أيضاً الخام الإيراني لمصافيها الأوروبية وتجري المعاملات بالدولار الأمريكي.

ووجه ترامب عند إعلان قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني شبه إنذار للشركات الدولية العاملة أو المتعاونة مع إيران، مؤكداً أن الشركات الأجنبية أمامها ما بين ثلاثة وستة أشهر للخروج من إيران قبل أن تطالها الإجراءات العقابية وتمنعها من الدخول إلى الأسواق الأمريكية.

بداية خلافات غربية؟

هناك أمر هام لا يمكننا تجاهله، بعد قرار ترامب. بدأت تصريحات مسؤولين غربيين تظهر الضيق من الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، عبّر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير عن ضيقه من احتكار الولايات المتحدة لما سمّاه "دور شرطي الاقتصاد العالمي".

وأضاف لومير إن قرار ترامب القاضي بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران أمر "غير مقبول"، ووصف انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بأنه "خطأ في مجال الأمن الدولي" ستترتب عليه تبعات اقتصادية ستؤثر على شركات فرنسية تعمل في إيران.

وقبل أن يعلن ترامب قراره، طالبته دول غربية عدة بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي، لكنه ضرب بكل هذه المطالبات عرض الحائط.


رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي