"الصاغ الأحمر" خالد محيي الدين... حارس الديمقراطية في دولة يوليو

"الصاغ الأحمر" خالد محيي الدين... حارس الديمقراطية في دولة يوليو

كانت دموع أعضاء حزب التجمع تختلط بالتصفيق الحار والهتافات في ديسمبر 2002، حين وقف مؤسسه ورئيسه خالد محيي الدين للمرة الأخيرة على منبر المتحدث، معلناً تركه رئاسة الحزب اليساري الأقدم في مصر، لإفساح المجال أمام قيادة جديدة.

حينذاك، قرر "الصاغ الأحمر" أن يكتب نهاية الفصل الأخير لآخر تجاربه التي استمرت 25 عاماً، بعد بلوغه من العمر 80 عاماً، قضى جلّها في ساحات السياسة والخدمة العسكرية، والسعي إلى "تدعيم الممارسة الديمقراطية" التي كرّس حياته من أجلها، ليصبح أول رئيس لكيان سياسي في مصر يتنحى طواعية عن موقعه.

مشهد يلخص رحلة 96 عاماً في مسيرة عضو تنظيم الضباط الأحرار الذي جرّدته قناعاته الديمقراطية وانحيازاته الاشتراكية من عضوية مجلس قيادة ثورة يوليو في 1954، وأبعدته عن دائرة "رجال عبد الناصر"، وحوّلته لاحقاً إلى معارض صلب لنظامي أنور السادات وحسني مبارك.

قدم محيي الدين (17 أغسطس 1922 – 6 مايو 2018) نموذجاً صريحاً لليساري المتيم بالدولة الوطنية. كان يرغب دائماً في تصحيح الأوضاع من الداخل والسير وفقاً للأسس الديمقراطية دون استجلاب عداوة مع أحد.

"رجل صادق وحكيم يعلن آراءه حتى لو رفضها جميع مَن حوله. هو ليس مناوراً ولا يتخذ موقفاً سلبياً من خصومه". هكذا يصف القيادي اليساري عبد الغفار شكر، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان رفيق دربه الذي زامله نحو 40 عاماً في حركة السلام العالمي وفي حزب التجمع.

انطلق محيي الدين من خلفية يسارية بحتة. فهو أحد أبناء تنظيم "حدتو" الشيوعي وتربى على مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية قبل أن يلتحق بتنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري عام 1944، إلى جانب جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين وعبد المنعم عبد الرؤوف وحسن إبراهيم، والذين قادوا خلية سرية أنهت الحكم الملكي في ما بعد.

محيي الدين وعبد الناصر... "زي العسل"

في خضم الترتيبات المتخذة لإنهاء الحكم الملكي في مصر، توطدت علاقة عبد الناصر بمحيي الدين، وأطلق الأول على الثاني لقب "الصاغ الأحمر"، بسبب توجهاته اليسارية الواضحة بحكم النشأة السياسية في تنظيم "حدتو". والصاغ هي رتبة في الجيش المصري تعادل الرائد.

كان عبد الناصر يحب أن يستمع إليه، حتى وإن كانا على اختلاف في الرأي، وكان يقول له إنه مِثل العسل الذي يتجمع الذباب حوله، كما يحكى القطب اليساري وآخر الضباط الأحرار في مذكراته "والآن أتكلم" الصادرة عام 1992.

بدأت علاقة الثنائي أثناء مشاركتهما في اجتماعات تنظيم الإخوان المسلمين نهاية عام 1944، حين قرر مرشدها حسن البنا أن يضمهما إلى الجهاز السري للجماعة. إلا أن الضباط لم يكونوا على ذات الدرجة من الولاء للجماعة. فعبد الناصر كان يعتقد أن الإخوان يريدون استغلالهم ليكونوا أداة في أيديهم ويعطونهم مكانة سياسية من خلال وجود نفوذ لهم في الجيش. أما هو فكان كثير الأسئلة عن برنامج الجماعة ومشروعها السياسي.

استمر الثنائي في حضور الاجتماعات ومعسكرات التدريب المسلح قرابة الثلاث سوات، حتى قررا الانسحاب منها بعد أن اقتنعا بأنهما تورطا أكثر مما يجب مع هذه الجماعة التي تستغلهما في تحقيق مصالحها.

ويعلق المؤرخ عاصم الدسوقي على نفي بعض رموز التيار الناصري انضمام عبد الناصر للإخوان في بداياته، بالقول لرصيف22: "عبد الناصر لم ينكر انضمامه للإخوان وعلاقته بهم انتهت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو كان عضواً في ثلاث حركات: ‘مصر الفتاة’، ‘حدتو’ الشيوعية، والإخوان، في نفس التوقيت. لكنه لم يكن عضواً منظماً فيها بل حاول الاستفادة من هذه التنظيمات والتعرف على أفكارها".

عبد الناصر لم يكن اشتراكياً

لم يكن عبد الناصر مولعاً بتطبيق مبادئ الاشتراكية، أو على الأقل لم يكن مولعاً بتطبيق مبادئ الاشتراكية كما يفهمها محيي الدين.

يحكى آخر الضباط الأحرار أن الرئيس الأسبق كان يرفض فكرة الاشتراكية، ويتمسك بفكرة تقول "إن الصراع الطبقي هو مجرد قول يستهدف التغطية على صراع آخر حقيقي هو الصراع على السلطة".

أقوال جاهزة

شارك غردجرّدته قناعاته الديمقراطية وانحيازاته الاشتراكية من عضوية مجلس قيادة ثورة يوليو في 1954، وأبعدته عن دائرة "رجال عبد الناصر"... عضو تنظيم الضباط الأحرار خالد محيي الدين

شارك غردشعر بأن ضباط ثورة يوليو يكرّسون الحكم العسكري المباشر وبأن كل أحلامه عن حكم نيابي وديمقراطي تتلاشى رويداً رويداً، فاستقال من مجلس قيادة الثورة وطالب بعودة الجيش إلى الثكنات... الصول خالد محيي الدين

ويواصل: "معركة عبد الناصر ضد إصرارنا على الديمقراطية قادته باتجاه آخر نحو استرضاء العمال والفلاحين فمضى في اتجاه الاشتراكية خطوة خطوة".

وعلى عكس المشاع عن علاقته بعبد الناصر من أنها علاقة الأضداد، بين الديكتاتور والديمقراطي، يروي خالد محيي الدين في مذكراته بعض نقاط الاتفاق قبل الصدام التاريخي في أزمة مارس 1954، أبرزها معارضتهما لاتجاه مجلس قيادة الثورة إلى إعدام الملك فاروق، بعد إعلان الضباط الأحرار بيانهم التاريخي في 23 يوليو، كطريقة للقضاء على إرث الحكم الملكي.

ويقول عاصم الدسوقي لرصيف22: "عبد الناصر ومحيي الدين اتفقا في كثير من المواقف، منها عدم إعدام الملك ومنها رفض حل مجلس النواب خوفاً من الفراغ الدستوري والتشريعي بعد عزل الملك".

الصدام مع ناصر

بدأ الصدام الذي مهد لقرارات مارس 1954 بقرارات أكتوبر ونوفمبر وديسمبر من عام 1952، مع إعلان قانون رأس المال الأجنبي وإلغاء دستور 1923 وحل الأحزاب السياسية والقبض على ضباط المدفعية، حتى أصبحت السلطة في يد مجلس قيادة الثورة ليشعر محيي الدين بأنه يجري تكريس الحكم العسكري المباشر وبأن كل أحلامه عن حكم نيابي وديمقراطي تتلاشى رويداً رويداً، كما يقول في مذكراته.

إلا أن محيي الدين نفسه عاد وأقر بأن مطالبته بالانتخابات وعودة الأحزاب وإعادة الجيش إلى ثكناته لم تكن في محلها، ففكرة الانتخابات تعني عودة حزب الوفد إلى الحكم.

يقول: "اتضح لنا أن مسار عبد الناصر باتجاه عدم الاعتداد بالديمقراطية لم يكن خروجاً غير مألوف وعندما جاءت أحداث مارس 1954 خاضها عبد الناصر بكل ثقله واستطاع أن يسيّر تظاهرات تسقط الديمقراطية".

وتلخصت أحداث مارس 1954 بالعدول عن تشكيل جميعة تأسيسية تضع دستوراً جديداً وبتأجيل مباشرة البرلمان سلطاته إلى حين وضع الدستور الجديد وانتخاب برلمان جديد، والتراجع كذلك عن رفع الأحكام العرفية. وخرجت حينذاك تظاهرات عمالية حاشدة مؤيدة للنظام وتهتف بسقوط الحرية والديمقراطية والبرلمان.

وينقل محيي الدين على لسان عبد الناصر قوله: "لما لقيت المسألة مش نافعة قررت أتحرك وقد كلفني الأمر أربعة آلاف جنيه فقط".

خلال تلك الأزمة، أعلن محي الدين استقالته من مجلس قيادة الثورة، ودافع عن الديمقراطية وطالب بعودة الجيش إلى الثكنات، وهو ما حرك الضباط ضده ليقرروا نفيه خارج الوطن.

يحكي محيي الدين عن آخر لقاءاته مع عبد الناصر بعد أزمة مارس 1954، ويقول: "كنت أقول له يا جمال أنا مختلف معاكم، أنا عايز انتخابات وديمقراطية وأنتم مش عايزين، فيرد أنت صاحب حق فابقَ معنا"، إلى أن اتفقا على صيغة النفي إلى سويسرا دون أن يتعرّض الصاغ الأحمر إلى عقوبات من مجلس قيادة الثورة أو يتم تشويه صورته أمام الرأي العام.

"الراحل خالد من الأشخاص النادرين في مجتمعنا المصري. يقول الحق حتى لو على نفسه. ورغم خلافه مع عبد الناصر لكنه عاد وأقر بصحة موقف الأخير وصعوبة عودة الجيش إلى الثكنات، فأي عمل اسثنائي يتعين عليه اتخاذ إجراءات استثنائية مثل تعطيل الدستور الملكي وإعلان الأحكام العرفية"، يقول عاصم الدسوقي لرصيف22.

ويشرح الدسوقي وقائع الخلاف بين الفريق الداعم للديمقراطية والداعم لاستمرار الجيش بقصة رواها عبد الناصر نفسه: "مجموعة من الشباب اتفقنا على الذهاب إلى الإسكندرية وجميعنا ركبنا القطار، مجموعة نزلت في بنها وأخرى في دمنهور، والثالثة قررت استكمال الرحلة إلى نهايتها".

الصاغ الأحمر نائباً وصحافياً

عام 1955، عاد خالد محيي الدين إلى مصر من جديد، بدعوة من عبد الناصر، بعد التزامه بتهدئة التوتر. وقبل بعودته إلى الحياة العامة عضواً في مجلس الأمة عن دائرة كفر شكر، وطلب إصدار صحيفة يسارية مسائية، كي تكون محدودة الانتشار، بهدف التعبير عن صوت اليسار، فخرجت جريدة المساء.

وفي عهد أنور السادات، استغل محيي الدين رغبة الرئيس الأسبق في إحياء الأحزاب السياسية، وبادر بتأسيس حزب التجمع التقدمي الوحدوي عام 1976، كمنبر يساري.

"كان حريصاً على أن يكون التجمع مظلة لكل قوى اليسار في مصر، بينهم ديمقراطيون وماركسيون وقوميون، فنجح في ضم مَن يؤمنون بالعدالة الاجتماعية والديمقراطية" يعود عبد الغفار شكر لرصيف22 مستعيداً البداية الحزبية للراحل الذي شاركه في عملية التأسيس.

ويشير شكر إلى أن حزب التجمع ولد معارضاً لأنور السادات في قضايا الانفتاح الاقتصادي التي بدأها عام 1974، فاليساريون وفي القلب حزب التجمع رفضوا قانون الاستثمار الأجنبي.

وبرز اسم التجمع في انتفاضة الخبز في 18 و19 يناير 1977، والتي دعا إليها اليسار للاعتراض على الغلاء المعيشي، فاتهمه السادات بتدبير الأحداث واعتقل المئات من أعضائه.

ولفت شكر إلى أن خالد محيي الدين كان كثير النصح للأعضاء بعدم التهور لكن كانت لديه حماسة للمشاركة واستمرار الضغط على السلطة من أجل التراجع عن زيادة الأسعار.

ويقول شكر: "علاقته بعبد الناصر كانت أقوى من علاقته بالسادات. أبى أن يتنازل عن دور الدولة الاجتماعي الاقتصادي ورفض سياسات السادات الانفتاحية وتوقيعه على اتفاقية كامب ديفيد".

وواصل محيي الدين نضاله ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك في القضايا المتعلقة بفساد الحياة السياسة المتمثلة بهيمنة الحزب الوطني الحاكم والانفتاح الاقتصادي، حتى قرر التنحي عن رئاسة حزب التجمع عام 2002.

وكان حزب التجمع قد عدّل نظامه الداخلي ووضع فيه بنداً ينص على أن ولاية رئيسه لا تستمر أكثر من ثماني سنوات. "قرر محيي الدين أن يكون أول مَن تُطبّق عليه اللائحة، وذلك رغم مطالبة الأعضاء له بالاستمرار، وظل رئيساً شرفيا للتجمع ولم يتوقف عن مساندة الحزب إلا عندما غلبته صحته"، يقول شكر.

عاش محيي الدين سنواته الأخيرة بعيداً عن الأضواء، حتى قرر الرئيس المؤقت عدلي منصور منحه قلادة النيل، أعلى وسام مصري، في 2013، تقديراً لدوره في خدمة مصر، كعسكري حرر بلاده من الاستعمار، ومناضل سياسي دافع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.


التعليقات

المقال التالي