بين جبران باسيل ومطية طانيوس شاهين: استحضار الماضي وحفر القبور

بين جبران باسيل ومطية طانيوس شاهين: استحضار الماضي وحفر القبور

استيقظ طوني الريفوني في صباح السادس من أيار، اليوم الذي سيقترع فيه اللبنانيون لوائح الانتخابات البرلمانية.

وبعد ارتشاف القهوة وتناول فطور من خيرات أرضه، توجه على ظهر بعيره إلى ساحة الضيعة ليس للاقتراع بل للاستفسار عن استعمال بعض المرشحين الموارنة اسمه للحشد الانتخابي في كسروان وفي جبل لبنان عموماً، وعن استحضارهم للماضي بطريقة تشوه دوره في الثورة التي قادها ضد الظلم والطغيان وفي الجمهورية الفلاحية التي تأسست في 1859.


طانيوس شاهين سعادة الريفوني، هو الاسم الكامل للمكاري شبه المتعلم والمحبوب من أبناء منطقته والقرى المجاورة، التي اعتاد زيارتها لتطبيب وبيطرة الخيل والدواب، وهي المهنة التي تعلّمها عن والده.

كان شاهين، صاحب القامة الممشوقة الفارعة والعضلات المفتولة والعيون الثاقبة كشمس بلدته الحارقة في عز الصيف، قد اعتكف عن الشأن العام بعد جنوح الحركة الفلاحية التي قادها ضد الإقطاع، برعاية الكنيسة المارونية وبطركها آنذاك بولس مسعد، إلى حرب مذهبية بين الدروز والموارنة دمرت النسيج السياسي والاقتصادي لجبل لبنان.

استاء شاهين بعد أنباء وصلت إليه عبر جيرانه وهو الذي لا يقراء أو يتابع الأخبار، بقيام رئيس التيار الوطني الحر وصهر فخامة الرئيس ميشال عون الوزير جبران باسيل بتشبيه معركة حزبه الحالية في كسروان وفي مختلف الأراضي اللبنانية بثورة طانيوس شاهين وذلك لاستنهاض المسيحين—أو الفلاحين منهم في عقلية باسيل—على كل رموز الإقطاع السياسي ولا سيما خصومه من أمثال آل الخازن أو الزعيم الوطني الدرزي وليد جنبلاط.

فبحسب باسيل الذي ورث التيار الوطني عن عمه أنّ إرث طانيوس شاهين السياسي مستمرٌ في عنفوان التيار العوني الذي رفض المصالحة المارونية الدرزية التي جرت عام 2001 بين البطريرك صفير ووليد بيك جنبلاط لكون هذه المصالحة لم تعط وزناً للعماد عون المنفي في فرنسا ذلك الفترة.

أقوال جاهزة

شارك غردالتجيش ورفض المصالحة ونبش التاريخ: ما معنى أن تصبح أدوات انتخابية؟ ومن يضمن عواقبها؟

إن أطراف المصالحة الحقيقيين، القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، المتقاتلين الأساسيين أثناء الحرب، عزموا على دفن أحداث الماضي الأليمة بالرغم من كل شيء، والشروع بإعادة بناء وحماية التعايش الدرزي المسيحي في جبل لبنان الذي بدأ في القرن السابع عشر بمبادرة ومشيئة أمير لبنان الدرزي فخر الدين المعني.

فطانيوس شاهين الحريص على أبناء طائفته قلق جداً من استعادة صورته في المعركة الانتخابية التي وإن تكللت بالنجاح لصالح باسيل قد تفضي إلى عواقب وخيمة من شأنها أنْ تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

هرع شاهين إلى ساحة ضيعته ليذكّر المسيحيين والموارنة بأن ثورة الفلاحين وجمهوريتهم قد فشلت آنذاك لسبب أساسي وهو قيام العديد من أنصار الثورة بالتحريض المذهبي، مما دفع الدروز لا سيما هؤلاء في المقاطعة الجنوبية (الشوف وعاليه) إلى وصم حركته بالطائفية واعتبار أنها تحاول إقصاء الإقطاع الدرزي واستبداله بنوع جديد من الإقطاع المسيحي.

وتباعاً، إن قيام باسيل وأتباعه باللعب على الوتر المذهبي ضد سيد المختارة وليد جنبلاط لا يختلف عن الطريقة عينها التي اعتمدها آنذاك شاهين ومطران بيروت طوبيا عون في حشد المسيحيين لمواجهة سعيد جنبلاط والدروز سنة 1860، والتي ما لبثت أن تحولت لحرب أهلية هجّرت أبناء الشوف المسيحيين ودمرت زحلة بعدما تخاذل دعاة الثورة وعلى رأسهم شاهين يوسف بيك كرم وغيرهم من نصرة أبناء طائفتهم في المعارك الطاحنة ضد الدروز. 

الخطيئة الكبرى بالنسبة إلى شاهين هي أنّ هذا التجيش ورفض المصالحة مع أعداء الأمس الدروز هي نكث واضح بتعهد رأس الكنيسة المسيحية سنة 2001 غبطة البطريرك مار نصر االه بطرس صفير الذي بشجاعة مطلقة كسر الحواجز التي كان النظام السوري يشيدها في تلك الفترة، وعبر جسر المصالحة مصافحاً زعيم الدروز وليد جنبلاط.

بالنسبة لشاهين القروي والفلاح البسيط، مخالفة مشيئة الكنيسة ليست من شيم أهل كسروان وأهل جبل لبنان ومن هنا شعر شاهين بواجب زيارة باسيل في دارته ليذكره بهذه الحقيقة وليحذره من المجازفة بأبناء الطائفة كما كان قد فعل من قبله.

ترافق طانيوس شاهين مع المرشح العوني عن كسروان العميد شامل روكز صهر الجنرال الأخر لزيارة باسيل في قصره المشيد بالأموال النظيفة كما سائر الثوار من الطبقة السياسية اللبنانية، وأثناء تقدمه في البهو الكبير للوصول إلى غرفة الاستقبال الأساسية التي يستعملها الوزير باسيل كبلاط له، كرر شاهين في باطنه الحديث الذي ينوي مشاطرته مع جبران باسيل على أمل تفادي المحتوم.

وإذ برجل قصير نابوليوني المظهر والحركات يقفز أمام شاهين يعانقه ويخاطبه "أهلاً وسهلاً ببطل كسروان والمسحيين"... "كيف فِيّ اِخدمك؟"

حدق شاهين إلى الاسفل محاولاً أن يتلو أفكاره ولكن ولسبب فرويدي ربط لسانه ولم يتمكن المارد الأسمر من مخاطبة مضيفه بل اكتفى بعبارة شكراً على الاستقبال وتناول القهوة قبل أن ينصرف عائداً إلى قريته على ظهر بعيره.

اقتنع بشكل نهائي، وهو يخاطب بعيره الوفي، بأن لا جدوى من محاولة إقناع حفّاري القبور ورافضي المصالحة وأنصارهم من أن المقاعد النيابية والمناصب لا تستحق الفتنة وأن نبش القبور يؤسس لدفن مستقبل المسيحيين وكل اللبنانيين على حدّ سواء.

محاضر في كلية التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت، صاحب كتاب A Campus at War: Student Politics at the American University of Beirut, 1967–1975".

التعليقات

المقال التالي