في مصر... أنت معتقل سياسي سابق إذن أنت "منبوذ" اجتماعياً ولن تجد عملاً

في مصر... أنت معتقل سياسي سابق إذن أنت "منبوذ" اجتماعياً ولن تجد عملاً

في يناير 2015، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على محمود من منزله في أحد أحياء محافظة الجيزة. وبعد تحقيقات معه دامت أسبوعاً أفرجت عنه. كان محمود يعمل حينذاك في مطبعة خاصة اتهم الأمن مالكها بتمويل جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، وهو ما كان سبباً، وفقاً له، في القبض عليه، قبل تأكيد التحريات عنه أنه مجرد عامل "مالوش في السياسة" حسب تعبيره.

لم يكن محمود منتمياً لأي كيان سياسي، بل لا نستطيع حتى أن نصنفه معارضاً سياسياً منظماً، لكنه كان دائم الشكوى من تدهور أوضاعه الاقتصادية ويربطها بما يحدث في مصر.

يقول محمود إنه لم يبدأ في الحديث صراحة عن المشاكل التي تواجهه هو والشباب إلا بعد ثورة يناير. وقتها، كان الناس يتقبلون حديثه ويناقشونه في آرائه. لكن عقب يونيو 2013، بات يواجه غضباً من أغلب المحيطين به عند شكواه من ازدياد أوضاعه سوءاً. صاروا يطالبونه بالصبر على النظام الحاكم، ويحذرونه من الكيانات التي تريد هدم الدولة... نقاشات تنتهي غالباً بحدة ثم ما تلبث أن تعود الأمور إلى طبيعتها.

إلا أن هذا الوضع انتهى عقب خروج محمود من الاحتجاز. يقول لرصيف22: "فسخت خطوبتي بعد فترة، خصوصاً أني لم أستطع الحصول على عمل جديد. البعض رفض تشغيلي لأنه اعتبرني إخوانياً وآخرون اعتبروا أني أصبحت ‘بتاع مشاكل’. قاطعني بعض جيراني من مؤيدي النظام، والباقون صاروا يتجنبونني أو يتجنبون الحديث معي. شعرت بأني منبوذ وحياتي تدمرت، قررت أن أسافر إلى محافظة أخرى أعيش فيها حالياً ولا يعرفني فيها أحد، ولا أتحدث فيها مع أحد".

ما واجهه محمود من مشاكل منذ لحظة القبض عليه ليس حالة فردية. فوفقاً لشهادات آخرين اعتُقلوا عقب 2013 لأسباب سياسية، وتحدثوا لرصيف22، هناك أوضاع أكثر سوءاً، مثل مَن اضطروا للسفر إلى الخارج خوفاً من الملاحقة الأمنية، أو مَن تعرّضوا للفصل من الجامعة ولم يعودوا إلا بأحكام قضائية لكن بعد تأخّرهم دراسياً عن أقرانهم، أو مَن فُصلوا من أعمالهم بما يخالف قانون العمل المصري الذي لا يبيح فصل العامل بحال دخل السجن طالما أن التهمة غير مخلة بالشرف أو الأمانة.

"أنت معتقل إذن أنت إرهابي"

في ديسمبر 2016، خرج مصطفي بعفو رئاسي من السجن عقب قضائه فيه عامين وثمانية أشهر بتهمة التظاهر، وهي المرة الأولى التي يخوض فيها تجربة الاعتقال السياسي.

يعرّف مصطفى عن نفسه بأنه من "شباب الثورة"، وذا ميول "قومية عربية" لكن بدون الانتماء إلى كيان سياسي محدد.

انقلبت حياته رأساً على عقب بعد خروجه من السجن. فَقَدَ وظيفته. فَقَدَ عدداً من أصدقائه بينما راح يتجنبه آخرون. لم يستطع تجاوز كل هذا إلا بعدما بدأ يتردد على طبيب نفسي. لكن الأسوأ كان تعامل بعض الناس معه على أنه "إرهابي ويضر بالبلد".

اضطر مصطفى إلى تغيير مجال عمله. قام أحد معارفه بتوظيفه. ويقول: "استخراج الأوراق الرسمية بحد ذاته كانت فيه صعوبة كبيرة جداً، فطلب الحصول على الفيش (الصحيفة الجنائية) والذي من المفترض أن يستغرق بحد أقصى ثلاثة أيام لم أحصل عليه إلا بعد سبعة شهور. اضطررت إلى قضاء كل هذه الفترة بلا عمل".

بلا عمل... أمام القضاء

بحسب قانون العمل الموحد في مصر رقم 12 لسنة 2003، لا يجوز فصل العامل إلا في حالة الحكم عليه في "قضايا مخلة بالشرف تؤدي إلى فقدان الثقة فيه"، وهي ليست الحالة في قضايا المحتجزين بتهمة التظاهر.

على عكس مصطفى الذي كان يعمل في شركة خاصة، كان عمل محمد تيمور في وزارة السياحة دافعاً له لكي يرفع مع عدد من زملائه، عقب خروجهم من السجن، قضايا ضد جهة عملهم لإجبارها على إعادتهم إلى وظائفهم باعتبار فصلهم "تعسفياً".

عُيّن تيمور في وزارة السياحة بقرار وزاري عام 2012 كأحد مصابي الثورة، بعدما فقد عينه اليمنى في أحداث مجلس الوزراء (ديسمبر 2011)، حتى قبضت عليه قوات الأمن في القضية المعروفة اعلامياً بأحداث مجلس الشورى. يعلّق تيمور قائلاً: "اتحبست بسبب رأيي، وده المفروض حقي، ليه أخرج أجد نفسي بلا عمل كأن العقاب لم ينتهِ بالسجن؟".

عامان ونصف والمحاكم تتداول قضية تيمور وزملائه للبت في أحقيتهم في العودة إلى وظائفهم لم يستطع خلالها أن يجد أية وظيفة أخرى. "معظم الناس بتخاف"، يقول.

ويروي تيمور أن عائلته اليسارية كانت معروفة بمعارضتها وبميولها، لكن ما تغيّر بعد اعتقاله هو مقاطعته من قبل بعض معارفه ممن يؤيدون النظام، وهو ما لم يكن يحدث قبل ذلك.

عامل غير شرعي

حين تم القبض على أشرف عام 2014، كان لا يزال طالباً في كلية الحاسبات والمعلومات. اتُّهم بالانضمام إلى جماعات شغب بما يخالف القانون، ليخرج في مارس 2016 عقب عامين وثلاثة أشهر.

يقول أشرف إنه دفع الثمن لمجرد أن ميول عائلته إخوانية.

أقوال جاهزة

شارك غرد"بعد خروجي من السجن، رفض البعض تشغيلي لأنه اعتبرني إخوانياً وآخرون اعتبروا أني أصبحت ‘بتاع مشاكل’. قاطعني بعض جيراني، والباقون صاروا يتجنبونني. شعرت بأني منبوذ وحياتي تدمرت"... عن واقع حياة المعتقلين السياسيين السابقين في مصر

شارك غرد"قرر المجتمع أن يتناسى المعتقلين وكأنهم غير مرئيين من الأساس، لا داخل السجون ولا بعد خروجهم، هم وأسرهم، فصار كلا الطرفين في جزر منعزلة عن الأخرى"... عن واقع حياة المعتقلين السياسيين السابقين في مصر

بعد خروجه، قرّر أن ينهي دراسته ويجد عملاً يعينه على الحياة، لكن بدأت الشركات ترفض قبوله، يقول: "يعني مش عشان أنا حرامي مثلاً ولّا مختلس، لأ، عشان الشركات المفروض إنها بتقدم تقارير لجهاز أمن الدولة عن العاملين فيها، فكانوا بيخافوا يقولوا إني شغال معاهم ونا عندي قضية سياسية، دا بيضر الشركة".

اضطر أشرف إلى العمل في أحد المصانع التي يعرف صاحبها، كعامل غير رسمي، أي بدون تعاقد أو تأمينات "وفي أي وقت ممكن يطلب إني أمشي".

ويروي أشرف: "عمي نفسه قاطعني لأنه يعمل في أحد المصانع التابعة لرجل أعمال مؤيد للنظام، اعتبر علاقته بي فيها ضرر له، للأسف أنا طلعت معزول أكتر من عزلتي داخل السجن نفسه، وحاسس إني مليش أي مستقبل هنا".

استبعاد اجتماعي

لا توجد تقارير رسمية أو حقوقية ترصد إحصائياً أعداد المفصولين تعسفياً عقب الاعتقال السياسي، أو نسبة لجوئهم إلى العمل غير الرسمي من أجل تخطي عقبة الأوراق الرسمية. لكن أغلب مَن تحدثوا لرصيف22 كانوا يتحدثون عن نفس المشكلة تقريباً.

لا توجد على أرض الواقع أية إجراءات رسمية لإعادة دمج مَن خرجوا بالفعل أو مَن سيخرجون قريباً في المجتمع، وتشير بعض التقارير الحقوقية إلى أن أعدادهم وصلت إلى 41 ألفاً.

يقول كريم طه إنه ظل يحمل ورقة براءته من قضية التظاهر في يناير 2014، بسبب قوات الأمن التي كانت توقفه في كل كمين لمدة ساعات قبل أن تسمح له بالحركة/ السفر بحجة الاستعلام عنه.

ويضيف: "حتى بعدما كنت أُظهر لهم الورقة، كنت أقف بالساعات قبل أن يُسمح لي بالذهاب، كنوع من التكدير".

تكشف قصة كريم عن بعد آخر للأزمة. لحظة القبض عليه، لم يكن قد وصل إلى تظاهرة كان مقرراً إحياؤها في ذكرى ثورة يناير الثالثة. ولكن سائق التاكسي "تطوّع" بأن يمر في طريقه على أحد الكمائن الأمنية ليبلغ عن أن كريم يتجه للمشاركة في التظاهرة. يقول: "فيه ناس وصل كرهها لدرجة الأذى".

على مدار عام قضاه كريم في مصر بعد الاعتقال ظل يعاني من "الاستبعاد الاجتماعي" على حد قوله، في ظل حالة اكتئاب شديد تلازمه بسبب كل ما عانى منه خلف أسوار السجن.

حاول الشاب أن يبدأ حياته العملية من الصفر مجدداً ويعيد ترتيب أموره، إلا أنه وأثناء زيارته لإحياء ذكرى أحد زملائه الذين قُتلوا في أحد الاشتباكات، قبضت قوات الأمن عليه مرة أخرى. يقول: "خرجت بإخلاء سبيل، لكن تفاجأت من أنه حُكم عليّ بالمؤبد غيابياً. عرفت وقتها أن حياتي في مصر انتهت، وأن النظام لن يتصالح مع كوني معارضاً سياسياً، فهربت".

يعتبر كريم أن من حقه العودة إلى مصر والعيش فيها دون ملاحقة أمنية مستمرة لمجرد أنه معارض، وأن أي نظام يريد التصالح مع الشباب يجب أن يبدأ بإعادة المحاكمات.

المعارضة لم تكن مستعدة

يقول محمد عادل، أحد مؤسسي حركة 6 أبريل المعارضة، إن المشكلات التي بات يواجهها الناشطون السياسيون بعد خروجهم تزداد بسبب عدم وجود كيانات سياسية معارضة قادرة على استيعابهم ومساندتهم لإعادة دمجهم في المجتمع من جديد.

ويضيف: "قبل 2011 كان النظام يقوم باعتقال السياسيين لكن لمجرد أيام قليلة ويخرجون دون قضية، على عكس الوضع الحالي، إذ تؤيد المحاكم أغلب تهم المحتجزين تقريباً، وهو وضع جديد لم تكن المعارضة المصرية مستعدة له في ظل احتجاز هذا العدد الضخم".

قضى عادل ثلاث سنوات في السجن بتهمة التظاهر عقب القبض عليه في نوفمبر 2013. كانت هذه المرة الخامسة لدخوله السجن، لكنها المرة الأولى التي يتقيد ضده حكم. يعلق قائلاً: "العقبة الوحيدة هو حكم المراقبة الذي يقضي بتواجدي حوالي 12 ساعة داخل قسم الشرطة يومياً، لكن ما عدا ذلك تجاوزته".

ويوضح عادل أن الحركة أهّلت شبابها منذ نشأتها لمواجهة آثار الاعتقال. يقول: "المفروض إن الشخص اللي يدخل العمل السياسي يبقى عارف حقوقه وواجباته وإن الاعتقال قوة مش نبذ".

ويضيف: "في الحركة قبل يناير، كنا حوالي ستة آلاف عضو، كنا نهيئهم لكيفية مواجهة الاعتقال، وكيف يستعيد المعتقل حياته بعد الخروج، لكن بعد يناير ازداد عددنا إلى 60 ألفاً، وللأسف لم نستطع أن نؤهل كل هذا العدد بنفس الشكل. نحاول أن نساعد الخارجين من السجن سواء أكانوا أعضاء أو غير أعضاء في الحركة، لكن الإمكانيات المتوافرة وتضييق المجال العام لا تسمح باتخاذ خطوات كثيرة".

وفقاً لعادل، تزداد الضغوط التي يتعرض لها الشباب كلما اقترب مكان إقامتهم من العاصمة وتقل كلما ابتعد عنها. ويقول: "الصلات بين أهل القرى والمراكز تختلف عن القاهرة، فالوصمة التي تلاحق المعتقل والضغط النفسي والمجتمعي عليه يكون أقل بكثير وقد لا يظهر من الأساس، الناس هناك تقدّر المعارض وتقدّر الروابط العائلية والمعرفة ولا تخاف منه مثلما يحدث هنا في العاصمة".

الحاجة إلى دمج المعتقلين السابقين

تشير الدكتورة عايدة سيف الدولة، مديرة مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف، إلى أن المجتمع في مصر أصبح ينقسم إلى مجموعات متفرقة لكل منها مصالح مختلفة، وجميعها تتفق على دعم توجه الدولة في إقصاء المعارضة وإغلاق المجال العام حتى تستطيع الإبقاء على هذه المصالح.

وتضيف أن باقي فئات المجتمع ممن ليست ضمن ذوي النفوذ السياسي أو المالي تتخذ موقف تجاهل ما يحدث بسبب الخوف.

وتتابع: "قرر المجتمع أن يتناسى المعتقلين وكأنهم غير مرئيين من الأساس، لا داخل السجون ولا بعد خروجهم، هم وأسرهم، فصار كلا الطرفين في جزر منعزلة عن الأخرى. والتأثير السلبي لذلك لم تظهر نتائجه بعد، فالأعداد التي خرجت أقل بكثير من أعداد مَن ما زالوا في السجون، لكن المؤشرات الحالية تشير إلى تدهور شديد في المجتمع لم أشهده من قبل على مدار حياتي في العمل العام".

بينما يرى المحامي والحقوقي محمد عبد العزيز أن وضع آليات لدمج المحتجزين بعد خروجهم من السجون يحتاج إلى إرادة سياسية تقتنع بالمصالحة والعدالة الانتقالية المفروضة في الأساس بنص دستوري.

ويشير إلى أن هذة المقاربة غير موجودة في الفترة الحالية، و"في ظل تضييق المجال العام لم تعد هناك معارضة أو مجتمع مدني لتشكيل مجموعات ضغط لدفع النظام نحو هذا التوجه"، مدللاً على ذلك بعدم اتخاذ مجلس الشعب حتى الآن أية خطوة لتنفيذ الاقتراح الذي قدمته لجنة العفو الرئاسي لأعضائه بتشكيل لجنة لحل المشاكل التي يواجهها المحتجزون بعد خروجهم، خصوصاً في ما خص إيجاد عمل.

واعتبر عبد العزيز أن استمرار مثل هذا الوضع أمر خطير لأنه ينتج حالة من السخط والغضب التي يخرج بها البعض والتي لا تؤثر فقط عليهم أو على محيطهم، بل قد تستغلها أطراف أخرى تقدّم له الاحتواء الذي يفتقده من المجتمع ويدفعونه إلى تنفيذ أهداف ضارة".


آية نبيل

صحافية مصرية، تعمل على تحقيقات مكتوبة ومتلفزة لصحف وقنوات مصرية ودولية، مهتمة بحقوق الإنسان والجندر وصحافة البيانات. حاصلة على جائزة التفوق الصحفي عامي 2015 و 2016 وجائزة سيمنس 2016 وجائزة أريج فئة التحقيقات المكتوبة 2017، وجائزة صحافة بلا تنميط 2017.

التعليقات

المقال التالي