"حوّل المشروع النووي الإيراني إلى نكتة"... كيف قرأ الإسرائيليون "رسائل" نتنياهو؟

"حوّل المشروع النووي الإيراني إلى نكتة"... كيف قرأ الإسرائيليون "رسائل" نتنياهو؟

"رسائل" كثيرة حملها المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 30 أبريل وعرض خلاله وثائق تتعلق ببرنامج نووي إيراني عسكري يصل عددها إلى نحو 55 ألف وثيقة وحوالي 184 قرصاً مدمجاً، وتم الاستيلاء عليها من داخل إيران في عملية استخباراتية.

وأثار "الشو" الذي قدّمه نتنياهو جدلاً واسعاً داخل إسرائيل حول جدوى ما فعله، وحول تقديمه جديداً أم لا.

عرض مسرحي لم يقدّم جديداً

يقول العقيد أفراهام بن زئيف، في مقال بصحيفة "يسرائيل هيوم"، إن نتنياهو لم يكشف خروقات قامت بها إيران بعد توقيع الاتفاق النووي، لكنه ألقى الضوء على خداعها للمجتمع الدولي والقوى العظمى قبل التوقيع عليه، مشيراً إلى أن الهدف الرئيسي من مؤتمره الصحافي هو التأثير على موقف الثلاثي، رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

واعتبر المحلل الإسرائيلي في صحيفة "معاريف"، بن كسبيت، أن نتنياهو "قدّم أروع عرض في حياته". وكتب: "لقد أقنع نتنياهو المقتنعين بالفعل، (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب يفكر مثله حتى قبل كشف موضوع الأرشيف الإيراني، ولو كان العالم لا يعتقد أن الإيرانيين كاذبون لما بحث معهم من جديد موضوع الاتفاق النووي".

وبدوره، أشار بن كسبيت إلى أن نتنياهو لم يقدم دليلاً ملموساً على أن إيران خرقت الاتفاق النووي بعد التوقيع عليه، وواصلت العمل على إنتاج قنبلة نووية. وحذا حذوه الكاتب عامي روحكس دومبا في مقال بمجلة "يسرائيل ديفنس" المتخصصة في الشؤون العسكرية.

وأضاف دومبا أن المؤتمر الصحافي كان لا بد له من كشف دليل مادي، مادة استخباراتية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن إيران تطور قنبلة نووية بعد التوقيع على الاتفاق النووي.

ولفت إلى أنه لا شك أن الحصول على الوثائق يمثل إنجازاً استخباراتياً، لكن هناك شكوكاً حول ما إذا كان كافياً لتحقيق هدف إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، مضيفاً أنه يبدو أن أوروبا لم تقتنع بالعرض "المسرحية" الذي تم تقديمه.

النووي النكتة ورسالة الرياض

واعتبر المدون الإسرائيلي أشتيون، في مقال له بصحيفة "هآرتس" أن نتنياهو نجح في تحويل المشروع النووي الإيراني إلى "نكتة"، وقال: "وقف نتنياهو على المسرح كممثل للدولة التي أنفقت خلال العقود الماضية عشرات المليارات من الشواكل على التجسس والاستعداد للحرب مع إيران، وقص على العالم تراجيديا بلغة الماضي، تُعتبر كوميديا بلغة الحاضر".

وأشار الصحافي أساف جبور في مقال له على موقع "ماكور ريشون" إلى أن نتنياهو تعمد خلال المؤتمر الصحافي ذكر اسم الرياض وموسكو وربطهما بالتهديدات الناجمة عن الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى، لافتاً إلى أن ذلك جاء من أجل العزف على الأماكن الأكثر حساسية في المنطقة، وبلورة ائتلاف واسع ضد استمرار الاتفاق النووي مع إيران.

دعم حكومي

أما وزراء الحكومة الإسرائيلية، فقد أعربوا عن دعمهم لما قام به نتنياهو. وقال وزير المالية وزعيم حزب "كولانو"، موشيه كحلون، إنه يجب تغيير الاتفاق النووي الذي بُني على الغش والخداع. وأضاف: "لا يمكنني الكشف عن كل ما تم عرضه أمام الكابينيت. هناك أدلة تثبت بشكل واضح أن إيران كانت تخدع وتكذب طوال الوقت، حتى بعد التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015".

واعتبر وزير الاستخبارات يسرائيل كاتس أنه من الناحية العملياتية، ما حدث شيء مدهش، يعود الفضل فيه إلى رجال الظل (الاستخبارات) و"هذه واحدة من أعظم العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية"، مضيفاً أن المادة التي عرضها نتنياهو تحرج إيران وتظهرها في صورة الكاذبة أمام المجتمع الدولي.

وأشارت وزيرة العدل الإسرائيلية إيليت شاكيد إلى أن ما كشف عنه نتنياهو يمثل تنبيهاً لأوروبا التي تدفن رأسها في الرمال إزاء كل ما يتعلق بالنووي الإيراني.

ولفت وزير التعليم نفتالي بينيت إلى أن المعلومات التي عُرضت تثبت أن الاتفاق النووي مبني على أساس الغش والخداع، مبدياً عدم اهتمامه بآراء المتابعين لهذا الملف ممن أكدوا أن الوثائق التي عرضها نتنياهو لم تأت بجديد.

في المقابل، انتقد زعيم حزب "يش عتيد" يائير لابيد مؤتمر نتنياهو الصحافي، وقال "إن العقل يتساءل الآن هل المكان المناسب لكشف هذه المعلومات هو بث تلفزيوني؟"، مضيفاً: "لا يوجد أحد في العالم لم يكن يعتقد أن إيران تطور برنامجاً نووياً، وإلا لماذا عقدوا معها الاتفاق النووي؟ منذ اللحظة التي تم فيها توقيع الاتفاق النووي، ونحن في مكان مختلف".

وحذّر لابيد من أن الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي سيمنح إيران الفرصة للحصول على سلاح نووي.

خطوة غير موفقة

من ناحية أخرى، أعرب نائب رئيس الموساد سابقاً رام بن باراك، عن اعتقاده بأن نتنياهو أخطأ عندما كشف تفاصيل العملية الاستخباراتية التي جرت داخل إيران، مبدياً اعتقاده بأن هناك مسؤولين كباراً كانوا يعارضون الكشف عن العملية لأن هذا الأمر يضرّ بإسرائيل، وقال: "كان من الممكن تحقيق نفس الأهداف بدون المؤتمر الصحافي الذي عقده نتنياهو".

أقوال جاهزة

شارك غرد"وقف نتنياهو على المسرح كممثل للدولة التي أنفقت خلال العقود الماضية عشرات المليارات من الشواكل على التجسس والاستعداد للحرب مع إيران، وقص على العالم تراجيديا بلغة الماضي، تُعتبر كوميديا بلغة الحاضر"...

شارك غرد"كل إيراني، اليوم، ابتداء من آيات الله وحتى آخر طفل، يعرف أن إسرائيل يمكنها الولوج إلى قدس الأقداس في قلب طهران"...

وأكد اللواء احتياط عميرام لفين معارضته للمؤتمر الصحافي، وقال بحسب ما نقلت عنه صحيفة "معاريف" إنه لو كان في الاستخبارات لعارض ما قدمه نتنياهو علناً، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية استغل الجهود الجبارة التي بذلها رجال الاستخبارات في الحصول على التصفيق، ومعتبراً أن ما كشفه يمثل خطأ استراتيجياً كبيراً.

ورأت الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إيميلي لانداو، في تصريحات صحافية، أن الجميع كان ينتظر أن يقدم نتنياهو صورة استخباراتية عن أي خرق إيراني منذ توقيع الاتفاق النووي، لكن هذا لم يحدث"، لافتةً إلى أنه لا يجب إلغاء الاتفاق النووي، بل يجب تعديله وإصلاحه، لأنه بالفعل حقيقة قائمة.

وشبّه المستشرق الإسرائيلي، إيال زيسر، في مقال له بصحيفة "يسرائيل هيوم" مؤتمر نتنياهو الصحافي بالضربة التي هبطت على رأس النظام الإيراني، وقال إن "كل إيراني، اليوم، ابتداء من آيات الله وحتى آخر طفل، يعرف أن إسرائيل يمكنها الولوج إلى قدس الأقداس في قلب طهران". وتابع، أن النظام الإيراني ربما يكون قوياً في الكلام، لكن الآن اتضح جيداً أنه "بيت عنكبوت دمرته أول ريح استخباراتية".

وأشار الكاتب الإسرائيلي أورن نهري في مقال له بموقع "والا" إلى أن كل طرف أخذ تصريحات نتنياهو بالشكل الذي يعضد وجهة نظره. فأوروبا كانت تنتظر دليلاً على الخداع الإيراني اليوم، وليس شيئاً حدث في الماضي، أما روسيا والصين، فعلى ما يبدو ستستمران على نهجهما ذاته، فيما من المتوقع أن يستمر الصراع على عقل وقلب ترامب.

وقال البروفيسور عوزي أراد من معهد دراسات الأمن القومي إن خطاب نتنياهو كان مخيباً للآمال، وأضاف أن الإيرانيين سيقولون إن إسرائيل لم تجد خرقاً للاتفاق في كل المعلومات الاستخبارية التي حصلت عليها، مضيفاً: "الحقيقة أننا لم نعثر على أية انتهاكات حقيقية".

وفي سخرية واضحة، كتب روجل ألفير، في صحيفة "هآرتس"، تعليقاً على مضمون ما ذكره رئيس الحكومة الإسرائيلية: "إليكم ما عرفناه عن البرنامج النووي الإيراني قبل المؤتمر الصحافي الميلودرامي لنتنياهو: أولاً وقبل كل شيء، كنا نعلم أن إيران لديها برنامج نووي عسكري وأنها تعمل على استخدام رؤوس حربية نووية في الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. لهذا السبب أراد نتنياهو وباراك قصف منشآت إيران النووية في ذلك الوقت. هكذا قيل لنا".

وأضاف: "كنا نعلم أن إيران لديها برنامج نووي لأغراض عسكرية، كنا نعرف أن الطريقة التي تنفذ بها مثل هذه البرامج، كما هو الحال في إسرائيل، سرية، وخفية. أقسم أننا عرفنا ذلك. أنا أتذكر ذلك جيداً، أنا لا أتخيل أننا نعرف ذلك، أنا لست مصاباً بالهلوسة، لست مجنوناً، أنا عاقل، كنا نعرف ذلك".

وكتب المحلل الإسرائيلي، رون بن يشاي، في صحيفة "يديعوت أحرونوت": "نتنياهو لم يقدم دليلاً على أن إيران تسعى اليوم إلى امتلاك قنبلة نووية، لكن الكشف الذي حققه الموساد عنصر ردع استراتيجي، يمكنه إبعاد أو تأجيل الحرب، وبعد عرض كل الأكاذيب، يجب على ترامب والشركاء إعداد اتفاقات صحيحة، وإذا لم يحدث ذلك، تعود العقوبات إلى الطاولة مرة أخرى".


التعليقات

المقال التالي