"المنتصر هو مَن يقرّر"... هل وُلدت مبادرة الهلباوي لحل الأزمة المصرية ميتة؟

"المنتصر هو مَن يقرّر"... هل وُلدت مبادرة الهلباوي لحل الأزمة المصرية ميتة؟

يبدو أن مصير المبادرة التي طرحها القيادي الإخواني السابق كمال الهلباوي ودعا فيها إلى حل الصراع بين الأطراف المتنازعة في مصر لن يكون أحسن حالاً من مصير مبادرات مماثلة سابقة ماتت قبل أن تولد.

فعلى مدار السنوات الخمس التي أعقبت أحداث 3 يوليو 2013، طرحت عشرات الشخصيات والرموز السياسية في مصر والوطن العربي، مثل الأكاديمي حسن نافعة، والمستشار طارق البشري، ورئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، ومدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية سعد الدين إبراهيم، وأستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي، والسياسي عبد المنعم أبو الفتوح، مبادرات وقادت وساطات لإنهاء أكبر أزمة تشهدها مصر في تاريخها الحديث. لكن جميعها ذهب أدراج الرياح.

مبادرة الهلباوي الذي انشق عن الإخوان في مارس 2012 بسبب ما اعتبر أنه "انحراف الجماعة عن نهجها"، والذي يشغل حالياً عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية مصرية) ويقيم في لندن لتلقي العلاج اهتمت بأخبارها مواقع مقرّبة من الإخوان ما دفع البعض إلى اعتبار أن الجماعة راضية عنها وتأمل في مساعدتها على إنهاء الصراع مع النظام، حتى وإنْ حرصت على عدم الإفصاح عن ذلك.

وفور شيوع الأخبار عنها، قوبلت المبادرة برفض حاسم من شخصيات سياسية وإعلامية محسوبة على النظام حتى أن بعضهم تطاول على الهلباوي ووصف مبادرته بالقنبلة التي لا يمكن السكوت عنها.

تفاصيل المبادرة

لا يغيب عن الهلباوي أن مبادرات سابقة كثيرة فشلت ولكنه يُرجع ذلك إلى أنها كانت فردية وتميل إلى طرف دون آخر. ولذلك يطرح أن يرعى المبادرة ما أسماه بـ"مجلس حكماء".

لم يصغ الهلباوي بنود مبادرته ولم يحدد شروطها. وبحسب طرحه، هذه التفاصيل سيُعنى بوضعها "مجلس الحكماء" الذي يتألف من رموز وشخصيات مصرية وعربية ستحدد آلية عمل وتقدّم مقترحات.

وبحسب تصوّر الهلباوي، يمكن أن يضم مجلس الحكماء عبد الرحمن سوار الذهب (الرئيس السابق للجمهورية السودانية)، ومرزوق الغانم (رئيس مجلس الأمة الكويتي)، وعبد العزيز بلخادم (رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق)، والصادق المهدي (رئيس حزب الأمة القومي المعارض في السودان)، ومنير شفيق (مفكر فلسطيني)، ومعن بشور (مفكر وكاتب سياسي لبناني)، ومحمد فايق (رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر)، وعمرو موسى (الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية)، بالإضافة إلى شخصية يختارها الأزهر، وأخرى تمثل الأقباط، وآخرين.

ويقول الهلباوي إن مبادرته لا تستهدف حصراً الإخوان والنظام وإنما جميع أطياف مصر وكافة تشكيلات المعارضة، "لإنقاذ مصر من التخلف والتحديات والفساد والإرهاب"، حسبما قال.

ويضيف أن التحديات الإقليمية والدولية التي "تواجه الأمة الاسلامية وفي القلب منها مصر"، وخوفه من طرح الأزمة المصرية عبر المنابر دولية، وعدم وجود مشكلة تستعصي على الحل هو ما دفعه إلى اختيار هذا التوقيت لطرحها.

حكماء الهلباوي

وعن سبب اختياره للشخصيات المذكورة أعلاه، قال الهلباوي إنهم "لا يمتلكون أطماعاً دنيوية كبيرة، وأصحاب خبرات، ويتميزون بنوع من الاستقلالية، كما أنهم لا ينتمون إلى طرف، وغير ممولين من الخارج، لا من قطر ولا السعودية ولا تركيا ولا مصر، وليسوا موظفين عند أحد حتى يؤثر عليهم، ولهم تاريخ في العمل السياسي والتنموي".

ووصف الهلباوي، في حديث مع رصيف22، مبادرته بـ"المهمة الوطنية" التي تستهدف نشر السلام في المجتمع ككل.

وأوضح أنه لم يتواصل مع شخصيات "مجلس الحكماء" لكن سيتم الإعلان عن موفق كل شخصية على حدة في الوقت المناسب، كما أن أطروحته تعتمد على المرونة التي تسمح باستبعاد أو ضم شخصيات أخرى لم يسمها.

وأشار إلى أن هذا المجلس قد يتطور ليصبح مجلس حكماء عربي شامل لحل مشاكل الأمة العربية "بدلاً من أن يتحكم في مصيرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والإسرائيليون".

وعن التنازلات المطلوبة من كل الأطراف، قال: "مهما وصلت فلن تكون أغلى مما دفعه الشعب المصري من سجن وتشريد وفساد وإرهاب"، داعياً جميع الأطراف إلى إعلاء مصلحة مصر والتراجع خطوات إلى الوراء".

دبلوماسية عمرو موسى

يؤكد عمرو موسى أن أحداً لم يتصل به وأنه لا يعرف تفاصيل المبادرة. وحول قبوله بالانضمام إلى "مجلس الحكماء"، لم يجب لا بالإيجاب ولا بالنفي، مشيراً في تصريح لرصيف22 إلى أنه ينتظر الوقوف على بنود وآلية المبادرة ليحدد موقفه منها "لأن الأمور أصعب مما يتصوره البعض".

هجوم رموز النظام

تعليقاً على المبادرة، وصفها المذيع المصري نشأت الديهي، مقدم برنامج "بالورقة والقلم" على فضائية "ten" بالقنبلة والكارثة والكلام الخطير والعنيف الذي لا يمكن السكوت عنه.

وتوجّه الديهي إلى الهلباوي بالقول: "ارحم شيخوختك لأن ما قلته لا يمكن أن يخرج عقل متزن اتزاناً وطنياً".

واعتبر النائب محمد أبو حامد أن مجرد عرض مثل هذه المبادرات هو "شيء سخيف"، وقال: "نحن في دولة قانون لا تتصالح مع جماعة إرهابية". وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت جماعة الإخوان المسلمين "جماعة إرهابية".

أقوال جاهزة

شارك غردهل يمكن أن يحلّ "مجلس حكماء" عربي الأزمة بين النظام المصري والإخوان، في ظل إثارة فكرة التدخل العربي في الشؤون المصرية حساسية كافة الأنظمة المصرية المتعاقبة؟

شارك غردالسيسي أسس حكمه على فكرة القضاء على الإخوان والأخيرون يصرّون على بناء الصراع على ثنائية عسكر وشرعية... فهل تنجح مبادرة كمال الهلباوي لوضح حد للأزمة المصرية؟

وقال أبو حامد لرصيف22 إن الدولة انتهت من إصدار قانون التحفظ على أملاك الجماعات الإرهابية، و"جاري الانتهاء من قانون يقضي بتنقية الجهاز الإداري للدولة من العناصر الإرهابية" وبالتالي لا مكان للحديث عن مصالحة.

وكان مجلس النواب قد وافق في 17 أبريل 2018 على مشروع قانون مقدم من الحكومة، يقضي بتنظيم إجراءات التحفظ وإدارة والتصرف بأموال "الجماعات الإرهابية والإرهابيين".

وبسؤاله عن استهداف المبادرة المعارضة ككل وليس الإخوان فقط، أجاب أن "أي معارض ينطبق عليه ما قاله"، معتبراً أن مَن يتدخّل في خط المصالحات كأنه يقول إن دماء الشعب ليس لها قيمة، ومتوعداً إيّاه بأنه سيكون في مرمى الدولة وسيواجَه بكل قوة.

الإخوان... اعتراض على استحياء

يعبّر القيادي الإخواني جمال حشمت بلغة هادئة عن رأيه في مبادرة الهلباوي ويقول لرصيف22: "إذا لم تتوافق الأطراف على مجلس الحكماء فلن يستجيب لهذه المبادرة أحد".

ويعترض حشمت على مشاركة عمرو موسى في "مجلس الحكماء" متسائلاً: "كيف يمهد للانقلاب العسكري ويؤيده ثم يُدعى ليكون طرفاً محكّماً؟"، ومقدراً ألا يكون للمبادرة صدى على أرض الواقع.

المعارضة المدنية... ترحيب

رحّبت الحركات المعارضة المدنية مثل 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وعدد من الشخصيات المدنية وشباب 25 يناير بالمبادرة.

وقال محمد نبيل، القيادي في حركة 6 إبريل، لرصيف22 إن "أية مبادرة بين كل أطراف الصراع السياسي بما فيها النظام نرحب بها ونتمنى أن يحدث ذلك".

وطالب نبيل كل الأطراف بأن تعي أنه يستحيل أن يتحكّم طرف واحد بالأمور في مصر ويسحق معارضيه، مشيراً إلى أنه "على النظام أن يبدي حسن النية واستعداده للحوار".

وعن تصوّره للبنود التي يجب أن تتضمّنها المبادرة، قال: "يجب أن تنص على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإعلان بدء حوار وطني شامل تمهيداً لتأخذ عملية المصالحة مجراها".

يتوقّع نبيل ألا يوافق النظام على هذه المبادرة "لأنه في لحظة انتصار بعد انتخابات الرئاسة" التي أعقبتها موجة اعتقالات دون حدوث رد فعل كبير. ويخلص إلى أن "التاريخ يقول إنه لحدوث عملية تفاوض لا بد أن يكون هناك طرفان يعانيان من استمرار حالة الصراع بينهما، وهذا لا ينطبق على الوضع الحالي في مصر".

محكوم عليها بالفشل؟

"المبادرة لن يستمع إليها النظام ومحكوم عليها بالفشل". بهذه الكلمات يلخّص السياسي المعارض ونائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطية مجدي حمدان توقعاته حول مصير المبادرة، معتبراً أن "النظام يعيش على شيطنة الإخوان ومَن يتضامن معهم".

وقال حمدان لرصيف22 إن "النظام يتخذ من الجماعة شماعة لفشله يركن إليها من وقت لآخر وهو لن يتخلى عن تلك الذريعة بهذه السهولة، كما أن إعلام النظام أشبع عقول الشعب بفكرة أن كل الأزمات والفشل في معالجتها سببها الإخوان".

وعن البنود التي يمكن البناء عليها لإطلاق مبادرة جادة، قال: "هي مواد الدستور وخارطة الطريق التي أوصلت الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رئاسة الجمهورية"، شارحاً أن مواد الدستور تنص على تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية والمادة الأخيرة من خارطة الطريق تنص على تشكيل هيئة عليا للمصالحة الوطنية وخروج المعتقلين والدعوة إلى انتخابات وتجميد العمل السياسي للإخوان وعدم مشاركتهم في الحياة السياسية لفترة.

لا أزمة سياسية بلا حل؟

برأي رئيس حزب الأصالة الإسلامي إيهاب شيحة، "لا توجد أزمة سياسية بلا حل مهما تعقدت ومهما حدث من مواجهات بين الأطراف المتصارعة لكن الأمر يتطلب إرادة سياسية".

ولكنه قال لرصيف22 إنه في الأزمة المصرية الحالية "قام طرفا الأزمة الرئيسيان بحرق كل المراكب. فالسيسي بنى شعبيته وأسس حكمه على فكرة القضاء على الإخوان وقدم أوراق قبوله للخليج من خلال الوعد بالقضاء على الجماعة لذا فليس للمصالحة مجال على أجندته. وفي المقابل، يصرّ الإخوان على ثنائية الصراع بين عسكر وإخوان وهو المسار الوحيد الذي يضمن للجماعة الشرعية أمام قواعدها وأمام شبابها الذين عانوا ولا يزالون من قمع النظام وأداء القيادات".

وتوقع شيحة أن يتم التعاطي مع المبادرة في الإعلام لفترة ثم سرعان ما يطويها النسيان كسابقاتها.

وعن شروط نجاح أية مبادرة قال شيحة إنها أولاً يجب أن يكون طرحها وطنياً شاملاً خارج إطار الثنائية المعروفة ويهدف إلى إرساء دولة مؤسسات ديمقراطية وليس إلى القبول بواقع حكم العسكر؛ وثانياً أن تتوافر الإرادة السياسية لتقديم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية؛ وثالثاً مراعاة التوقيت المناسب لطرحها؛ ورابعاً القبول العام لشخصية مطلق المبادرة.

وبرأيه، لا يحقق الهلباوي الشرط الأخير "لموقفه الحالي من الإخوان ودوره في دعم النظام محلياً ودولياً، فضلاً عن موقف الدولة العميقة منه لموضعه السابق داخل الجماعة".

النظام لن يقبل المبادرة

يرى الإعلامي والباحث في شؤون الحركات الإسلامية خالد الأصور أن النظام لن يقبل مبادرة الهلباوي لا بل لن يفكر فيها، "إذ كيف لنظام قوي مستقر قضى على خصمه بالضربة القاضية أن يقبل تدخلاً من شخصيات عربية ودولية، وهي نقطة لطالما أثارت حساسية ليس نظام السيسي فحسب بل كل الأنظمة المصرية السابقة؟".

ويقول لرصيف22: "أجزم أن الهلباوي سيتلقى قرصة في أذنه إنْ لم يكن أبعد من ذلك على هذا الكلام".

أما عن موقف الإخوان من المبادرة فهو لا يقدّم ولا يؤخر، برأيه، "لأن مواقف الأطراف تتخذ أهميتها من قوة أصحابها والأوراق التي يمتلكونها، والإخوان فرّطوا بكل مصانع أوراقهم".


عبد الله مفتاح

صحافي مصري عمل في عدة مواقع مصرية وعربية.

التعليقات

المقال التالي