روبير سوليه لرصيف22: اليمين المتأسلم ضد التحديث ومصر الثقافة والحضارة ما زالت هنا

روبير سوليه لرصيف22: اليمين المتأسلم ضد التحديث ومصر الثقافة والحضارة ما زالت هنا

تأثيرات النمو الديموغرافي على الثقافة، تغيُّر وجه المجتمع المصري بسبب الأفكار التي حملها المهاجرون، اختفاء التنوّع الكوزموبوليتي الذي كانت تحتضنه المدن المصرية الكبرى، الإسلاميون والربيع العربي... إشكاليات كثيرة علّق عليها الكاتب الفرنسي-المصري روبير سوليه.

سوليه ليس غريباً عن مصر فقد وُلد فيها عام 1946، لأسرة من "الشوام"، وفيها أكمل دراسته الثانوية قبل أن يهاجر إلى فرنسا عام 1964 ويدرس الصحافة ويبني مسيرة مهنية طويلة في جريدة لوموند استمرت من عام 1969 حتى عام 2011، وتولى خلالها مهام متنوعة.

وتعكس عناوين كتب سوليه اهتمامه بمصر ومنها "مصر ولع فرنسي"، "علماء بونابرت في مصر"، "رحلة المسلة المصرية إلى باريس"، "حجر رشيد"، "قاموس عاشق لمصر"، "السادات"، "سقوط الفرعون"، و"هؤلاء صنعوا مصر الحديثة"، كما كتب روايات عدة منها "مزاج"، "الطربوش"، و"فندق مهرجان".

وعلى هامش زيارته للقاهرة، كان هذا الحوار مع سوليه.

  • بين الشاب الذي غادر مصر في الـ17 من عمره وبين الكاتب الذي يأتيها زائراً كل عام أو عامين، كيف ترى مصر والمصريين؟ وماذا حدث لهم منذ رحيلك إلى فرنسا؟

تغيّرت مصر كثيراً. كل شيء تغيّر عما كنت أعرفه. فعندما وُلدت، كان عدد سكان مصر 18 مليون نسمة، أما الآن فهو يزيد عن المئة مليون. أدى هذا التغيير الديموغرافي إلى تغيير مصر بشكل كامل. ولا أعرف إنْ كان المصريون يدركون أن هذا التغيير الديموغرافي أحدث تغييراً في مصر ككل.

ومن مظاهر التغيير الأخرى التي أثّرت فيّ بشكل شخصي اختفاء المحيط الكوزموبوليتي، والذي وُلدت فيه وشهدته خلال الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. كان محيطاً متعدد الثقافات والأعراق والأديان، فقد كان هناك الأقباط واليهود، الشوام والمغاربة، الطليان والأرمن واليونانيون. كل هذا تغيّر واختفى.

ولا يقتصر الأمر على مصر وحدها، فالشرق الأوسط كله تغيّر بشكل جذري. وعندما ننظر الآن إلى خريطته لن نجد ليبيا أو اليمن أو سوريا أو العراق.

  • هل أثّر التغيير الديموغرافي على الثقافة؟

من المؤكد أنه أثّر بالفعل على ثقافة المصريين. فالمصريون منذ الفراعنة وفجر التاريخ لا يغادرون وادي النيل، ويرتبطون به ويعيشون حوله. لكن في أعقاب حرب أكتوبر، وتحديداً بعد عام 1975، بدأوا بالتخلي عن هذه الثقافة، وبدأوا بالسفر والهجرة خارج مصر إلى دول الخليج وغيرها، وعندما عادوا، رجعوا بأفكار وثقافة أخرى غريبة عنهم.

وبالتالي، فإن سفرهم وعودتهم بهذه الأفكار والثقافة ساهما كثيراً في تغيير وجه المجتمع المصري وثقافته. تركتُ مصر في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، وما بين تلك الفترة والآن حدثت تغيّرات كثيرة: حربان مع إسرائيل، ومن بعدهما السلام معها، خسارة سيناء واستعادتها مرة أخرى... كل ذلك تسبب بتغيّرات كبيرة طالت مصر.

  • ماذا عن روح مصر نفسها وناسها وليس فقط التغييرات السياسية؟

من حسن الحظ أن هناك أشياء لا تتغير. لي كتاب في هذا الصدد بعنوان "قاموس الحب في مصر" وفيه تناولت 142 موضوعاً تدور حول المصريين وصفاتهم وأهم سماتهم التي تميّزهم عن بقية الشعوب.

وخصصت فصلاً كاملاً عن النكتة المصرية، والسخرية التي يشتهر بها المصريون، سواء من أنفسهم أو من الحياة بصفة عامة. ورغم أنني أتحدث بالفرنسية إلا أنني أعشق اللهجة المصرية، زي كلمة "معلهش" (نطقها بالعامية المصرية) وهي من ضمن الكلمات التي تطرّقت إليها في الكتاب، وتُستخدم بمعنيين: الأول يحمل دلالة سلبية، الشارع قذر معلهش، الفساد معلهش؛ بينما يحمل المعنى الثاني دلالة حضارية، فمن خلالها نحاول فهم الآخر والتماس الأعذار له والتسامح معه والاعتذار، وهي في مجملها معانٍ حضارية. وبالطبع مصر الثقافة والحضارة ما زالت هنا.

  • ما بين الولع الفرنسي بمصر و"باسيل" بطل روايتك "مزاج"... كيف تقيّم الشخصية العربية وكيف تراها؟

"باسيل" نموذج جيّد للتحضر، فهو ينسج علاقات عديدة بمَن حوله وقادر على الاندماج والتواصل مع مجتمع غريب عنه، كما أنه شخص خدوم يتطوّع بتقديم خدماته للجميع حتى قبل أن يطلبوها، ولا يطلب مقابلاً لتلك الخدمات، فقط كلمة شكر. في المجمل باسيل شخص مزاجه سوي وصحي وهذه سمات تغلب على الشخصية العربية.

  • برأيك، لماذا وكيف تسلق الإسلاميون ثورات الربيع العربي، وحوّلوا دفتها لخدمة مصالحهم حتى وصلنا إلى المشهد الحالي في المنطقة؟

في مصر، لم يدخل الإخوان المسلمون الحراك الثوري مباشرة، فلم يكونوا هم الذين بدأوا هذا الحراك، لكنهم في ما بعد، عندما اشتركوا في الحوار، شاركوا بكامل قوتهم. وقتها تحديداً، عندما بدأ الإخوان بالانخراط في التغييرات الثورية، لم تأخذ بقية التيارات المشارِكة في ثورة 2011، حذرها من أطماعهم، هم وغيرهم من التيارات اليمينية، ومن سعيهم إلى القفز على ثورات الربيع العربي.

منذ أن أسس حسن البنا تنظيم الإخوان المسلمين، كانت أعينهم على الحكم وأسلمة المؤسسات، خاصة في ظل واقع أن الشعب المصري شعب متدين منذ قديم الأزل. لكن الدين شيء، وأسلمة مؤسسات الدولة شيء آخر. الإخوان لم يتغيّروا أبداً. ففي ثورة يوليو 1952، كانوا ضد الجيش، وظلوا كذلك حتى عام 1964، وكان شعارهم "دستورنا هو القرآن"، وهو ما يتناقض مع تطور الدولة المصرية.

"عندما تقوم ثورة فنخبة أي بلد هي التي تظهر ولكن في ما بعد تظهر أيضاً نفس المشكلات التي لم نستطع حلها في الماضي".

فمنذ أن أسس محمد علي الدولة الحديثة وصولاً إلى عهد جمال عبد الناصر، لم يكن الدين مهيمناً على الساحة السياسية. وبعد سقوط (الرئيس الأسبق محمد حسني) مبارك، كانت جماعة الإخوان هي القوة الوحيدة المنظمة، وهذه كانت إحدى نتائج سياساته التي تعمّدت ألا تكون هناك أحزاب سياسية قوية، وبالتالي عندما سقط نظامه لم يكن هناك غيرهم كحركة منظمة، فكان أن وصلوا إلى حكم مصر عن طريق الانتخابات بطريقة تحتاج إلى مراجعة، فقد كان هناك السلفيون ونساء منقبات يصوتون لمرشحين لا يعرفوهم.

  • هل يعني هذا أن ما تعلنه التيارات اليمينية عن أنها ليست ضد التحديث، الإخوان نموذجاً، مجرد ادعاءات؟

بالطبع. اليمين المتأسلم ضد التحديث بكافة أشكاله وصياغاته، فشكل الدولة الحديث يقوم وفقاً للقوانين والدساتير وهم ضد هذا تماماً. وكان أحد أسباب نجاحهم في الوصول إلى الحكم رغبة الناس في منحهم فرصة للحكم، لكن في النهاية ومع اختبار ما يعلنونه فشلوا.

أقوال جاهزة

شارك غردروبير سوليه لرصيف22: المصريون منذ أيام الفراعنة لا يغادرون وادي النيل، لكن بعد حرب أكتوبر، بدأوا بالتخلي عن هذه الثقافة والسفر والهجرة إلى دول الخليج وغيرها، وعندما عادوا، رجعوا بأفكار وثقافة غريبة وساهموا في تغيير وجه المجتمع المصري

شارك غردروبير سوليه لرصيف22: التيار الإسلامي سيظل موجوداً في مصر. هناك تواجد قوي للسلفيين لكنهم وبمنتهى البساطة لا يستطيعون معارضة الدولة في هذه المرحلة. أيضاً، ما زال للإخوان قاعدة اجتماعية كبيرة

  • ماذا تتوقع لمستقبل الإخوان في مصر؟ وهل سيكمنون ومن ثم يعودون للظهور من جديد كما حدث في فترات سابقة؟

التيار الإسلامي بصفة عامة سيظل موجوداً، خاصة أنه لا يقتصر على الإخوان فقط فهناك تواجد قوي للسلفيين ولديهم تقريباً نفس الأهداف والأفكار، لكنهم وبمنتهى البساطة لا يستطيعون معارضة الدولة في هذه المرحلة. أيضاً، ما زال للإخوان قاعدة اجتماعية كبيرة في مصر.

  • ماذا عن تغلغل أفكارهم في القاعدة الاجتماعية؟

لا يمكن تعميم الحكم، فهناك مَن يساند الإخوان والتيار الإسلامي بصفة عامة، لكن وفي الوقت ذاته هناك مَن يرفضهم ويرفض أفكارهم.

  • بماذا تقيّم التجربة الناصرية الآن، مقارنة بما فعله السادات وبالأوضاع التي ترتبت على سياساته؟

(الرئيس المصري الأسبق أنور) السادات اتخذ مساراً وسياسات عكس التي قام بها ونفّذها عبد الناصر في كل المجالات. ناصر خاض الحرب ضد إسرائيل بينما السادات عقد معها معاهدة سلام، وبينما كان ناصر حليفاً لروسيا تحوّل السادات شطر الولايات المتحدة الأمريكية، ناصر أقرّ سياسات اقتصادية اشتراكية لدعم الفقراء بينما السادات اعتنق وطبّق سياسات الانفتاح الاقتصادي، ناصر حارب وتصدى للإخوان المسلمين لكن السادات أدخلهم اللعبة السياسية ليحارب بهم اليسار والناصريين. لكن مشاكل مصر متراكمة ولا يمكن نسبتها إلى فترة عبد الناصر أبداً.

  • ما رأيك في ما يذهب إليه البعض من أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يشبه كثيراً عبد الناصر في سياساته؟

مصر تغيّرت كثيراً، وكذلك الشرق الأوسط. عبد ناصر كان قائداً للمنطقة العربية كلها لكن السيسي رئيس لمصر، وهناك مشاكل كثيرة داخلها، وأرى أن السيسي ليست لديه ميول للتدخل في دول أخرى كما تدخل عبد الناصر من قبل في اليمن وغيرها، وهذا في حد ذاته اختلاف جوهري بين الرئيسين.

  • هل تابعت تجربة السيسي منذ عام 2013 وثورة 30 يونيو؟

نستطيع الحديث عن السيسي منذ عام 2011 وليس فقط منذ 2013. كان هناك وهمٌ بعد سقوط مبارك في أن تكون هناك ديمقراطية، لكنه كان محض وهم، فالديمقراطية في الأساس هي تعلّم، عن طريق الأحداث السياسية والانتخابات متعددة المرشحين. مَن قاموا بثورات 2011 كانوا يحلمون بكل هذا ولكن تم إحباطهم في ما بعد في كل العالم العربي. عندما تقوم ثورة فنخبة أي بلد هي التي تظهر ولكن في ما بعد تظهر أيضاً نفس المشكلات التي لم نستطع حلها في الماضي.

  • أين يقف المثقف الفرنسي من سياسات بلاده الخارجية، خاصة تجاه المنطقة العربية و"العالم الثالث" بوجه عام؟

لا يوجد هناك ما يمكن تسميته بـ"المثقف الفرنسي". فرنسا بلد حر والفرنسيون لهم آراء مختلفة، فهناك الأحزاب السياسية والمثقفون لكن من الصعب أن نجمع المثقفين الفرنسيين تحت موقف معين. هناك مَن يساند سياسات فرنسا الخارجية ويؤيدها، بينما البعض الآخر لا يهتم بها من الأساس.

  • ألا تتعارض مبادئ الثورة الفرنسية مع سياسات فرنسا الخارجية ومنها مثلاً التدخل في شؤون دول أخرى، كما في مشاركتها بتوجيه الضربة الثلاثية لسوريا؟

ليس من مهامي الدفاع عن السياسات الخارجية لفرنسا. نفهم أن فرنسا تواجه مشكلة مع الإرهاب على أراضيها، ولكن في الوقت نفسه ليس لديها أية رؤية استعمارية، وعندما تتخذ أية مبادرات بالتدخل في بلد ما لا يكون هذا بالمعنى الاستعماري كاحتلال العراق مثلاً، إنما بدافع مساعدة هذه الدول.

وإلى حد ما، فإن رد الفعل الفرنسي هو رد فعل عاطفي تجاه الصور والمشاهد القادمة من ليبيا وسوريا، وبالتالي قررت فرنسا التدخل بدافع عاطفي أكثر منه سياسي، وبالمثل بالنسبة للقضية الفلسطينية والفلسطينيين.

  • هل تغيّرت السياسات الفرنسية تجاه الإسلاميين الذين يلجأون إليها، تحت دعاوى اضطهادهم في بلادهم، عقب تفجيرات باريس 2015؟

حتى الآن رد فعل الشعب الفرنسي نموذجي تجاه هذه الهجمات. حاولي تخيّل رد الفعل الشعبي نحو شخص يحمل السلاح ويقتل الناس باسم الله، ويخلّف وراءه عشرات القتلى ومئات المصابين. لكن الشعب الفرنسي كان ينزل إلى الشوارع بورود وشموع، يقولون لا ويرفضون الهجمات الإرهابية، بينما كان هناك بعض الأغبياء الذين حاولوا كتابة شعارات مسيئة تحمل الكراهية على المساجد.

لكن في المجمل، لم تكن هناك أية أعمال عنف تجاه الجاليات العربية أو الإسلامية في فرنسا. هذا رد فعل نموذجي سارٍ حتى الآن. المسلمون والمسيحيون نزلوا الشارع وقالوا لا للإرهاب والقتل والإسلاموفوبيا. لكنني في حقيقة الأمر لا أدري ما يمكن أن يحدث إذا ما حدثت هجمات أخرى. فرنسا حاولت التدخل في مالي بسبب انطلاق هجمات إرهابية منها ضد شعوب ودول موالية لفرنسا.

  • وماذا عن التعامل الرسمي مع مَن يشكّلون خطراً إرهابياً؟

نحن لا نقبل الإرهابيين في بلادنا ولا حكوماتنا تقبل بهم. بلادنا تقبل اللاجئين في حال كانوا غير مصنّفين كإرهابيين في بلادهم، أما لو كانوا على قوائم الإرهاب فبالطبع تُرفض طلباتهم.

مَن يشكّلون خطراً موجودون في فرنسا لكنهم تحت المراقبة دائماً. وأغلبية الجالية المسلمة في فرنسا مسالمة وأغلب أفرادها فرنسيو الجنسية. نعم هناك عدد من المتطرفين بينهم لكن تجري مراقبتهم ومراقبة المساجد، وإذا ما ثبت أن هناك إمام مسجد متطرف يتم طرده من المسجد وإغلاقه.

  • متى يتخلي "الرجل الأبيض" عن اعتناق وهم نشر الديمقراطية بين الشعوب العربية، ولو محمولة على صواريخ التوماهوك والدبابات؟

ومَن قال إننا نمارس هذا؟ أنا ضد هذا بالطبع والديمقراطية لا تقترف مثل هذه الأفعال. وبما أننا نتحدث عن فرنسا فهذه بالطبع ليست سياساتها، فرنسا لا تحاول نشر الديمقراطية من خلال القصف مثلاً، والتدخل الذي حدث في سوريا كان دفاعاً عن الشعب السوري الذي تعرّض لهجمات كيميائية وبدوافع إنسانية في المقام الأول.


نضال ممدوح

صحافية مصرية شابة لها كتابات ومقالات في صحف مصرية وعربية

التعليقات

المقال التالي