بسبب صواريخ مصر.. بدأ الموساد الإسرائيلي حرب الاغتيالات عام 1962

بسبب صواريخ مصر.. بدأ الموساد الإسرائيلي حرب الاغتيالات عام 1962

أسرار عدة كشفها  كتاب "انهض واقتل أولاً: التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة في إسرائيل"، الذي صدر يوم 30 يناير من العام الجاري، عن دار نشر "راندوم هاوس"، للكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان.

أهمية هذا الكتاب هو أن مؤلفه عمل لسنوات كمراسل للشؤون العسكرية والاستخباراتية في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الاسرائيلية، ولديه علاقات قوية مع دوائر صنع القرار داخل إسرائيل.

أمضى بيرغمان حوالي ثماني سنوات في تأليف هذا الكتاب، ونجح أثناء إعداده في الحصول على كمية ضخمة من الوثائق السرية، كما قام بإجراء أكثر من ألف مقابلة مع شخصيات مهمة من ضمنها رؤساء وزراء إسرائيليين، رؤساء موساد، وأشخاص قاموا بعمليات الاغتيالات.

ومؤخراً نشرت مجلة "النيوزويك" الأميركية، جزءاً من الكتاب، يبين كيف بدأت إسرائيل مبكراً استخدام سلاح الاغتيالات، وكيف وجدت في هذا السلاح إنقاذاً لوجودها من "محرقة" جديدة كان يمكن أن تنهي وجودها.

في كتابه، يعتبر بيرغمان أن إسرائيل استخدمت الاغتيالات لأشخاص رأت أنهم يشكلون خطراً عليها، وذلك أكثر من أي بلد آخر في العالم الغربي.

وغالباً ما كانت تعتبر إسرائيل هذه العمليات مشروعة وتهدف لحماية أمنها القومي، حتى لو كانت هذه العمليات ستعرض أرواح المدنيين الأبرياء للخطر، فمن وجهة نظر النظام الإسرائيلي وقتها كان تعريض المدنيين الأبرياء للقتل شر لا بد منه.

ويبين الكاتب أن إسرائيل استخدمت الاغتيال كأداة عسكرية لعدة أسباب منها أن الأمر ينبع من جذور الحركة الصهيونية ومن "صدمة الهولوكوست" التي جعلت الإسرائيليين يشعرون دائماً أنهم مهددون بخطر الإبادة.كما ينبثق من إيمان إسرائيل أن وقت الخطر لن يساعدها أحد، لأنها دولة صغيرة، ولأن الدول العربية تؤمن منذ أمد بعيد بضرورة تدميرها.

هكذا بدأ استخدام سلاح الاغتيالات

يكشف الكتاب، الذي تحول سريعاً إلى واحداً من أكثر الكتب مبيعاً، أن الأمر بدأ في صباح يوم 21 يوليو من العام 1962، حين استيقظ الإسرائيليون على أسوأ كابوس بالنسبة لهم، وهو خبر امتلاك مصر لأربعة صواريخ أرض - أرض.

وبعد يومين من هذا الخبر، أقام الجيش المصري عرضاً للصواريخ في القاهرة، بحضور حوالي 300 دبلوماسي أجنبي، ويومها أعلن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بفخر أن الجيش قادر الآن على ضرب أي نقطة "جنوبي بيروت".

في اليوم التالي، بثت الخدمة العبرية للإذاعة المصرية صوت الصواريخ مع تعليق للمذيع يعتبر فيه أن "هذه الصواريخ تهدف إلى فتح أبواب الحرية للعرب"، وأنها تسعى "لاستعادة الوطن الذي سُرق كجزء من المؤامرات الإمبريالية والصهيونية".

بعد أسابيع قليلة، علم الإسرائيليون أن فريقاً من العلماء الألمان لعبوا دوراً أساسياً في تطوير هذه الصواريخ، ورغم أن الحرب العالمية الثانية كانت قد انتهت منذ حوالي 17 عاماً وقتها إلا أن الإسرائيليين تذكروا الهولوكوست، فبدعم من العلماء الألمان أصبح عبد الناصر يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد وجودهم، مما جعلهم يعتبرون عبد الناصر أدولف هتلر الشرق الأوسط.

"النازيون الألمان السابقون يساعدون الآن عبد الناصر في مشاريع الإبادة الجماعية المعادية لإسرائيل"... هكذا وصفت الصحافة اليهودية الأمر وقتها، أما الموساد، فبدأ يفكر في طريقة مختلفة للتعامل مع هذه "الكارثة".

بن غوريون (في الوسط) يعلن قيام دولة إسرائيل عام 1948

وقال آشر بن ناتان، الذي كان وقتها مديراً عاماً لوزارة الدفاع، "شعرت بالعجز، كما لو أن السماء كانت تسقط على رؤوسنا". أما ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، فقد أخذ يتحدث عن الكابوس الذي "أبقاه مستيقظاً في الليل"، و"كيف أحضر يهود أوروبا الناجين من المحرقة إلى دولة إسرائيل ليعرّضهم لمحرقة ثانية". 

جواسيس في كل مكان

أجرى الموساد، الذي تم إنشاؤه بعد فترة وجيزة من تشكيل إسرائيل عام 1948 بهدف مراقبة وحماية البلاد ضد التهديدات الخارجية، تحقيقاً سرياً للغاية في هذه القضية عام 1982. وقد وصف فيه إعلان مصر عام 1962 بامتلاك مشروع الصواريخ بأنه "واحد من الأحداث الأهم والأكثر صدمة في تاريخ مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي".

بحسب الكتاب، فقد وضع رئيس الموساد إيسر هاريل الوكالة بأكملها في حالة تأهب قصوى. وبدأ العملاء على الفور اختراق سفارات وقنصليات دبلوماسية مصرية في عدة عواصم أوروبية بهدف تصوير كل الوثائق التي تحمل معلومات عن هذا المشروع.

رئيس الموساد إيسر هاريل

تمكن الموساد أيضاً من زرع موظف سويسري في مكتب "شركة مصر للطيران" في زيوريخ، وهي شركة كانت تعمل أحياناً كغطاء لوكالات الاستخبارات التابعة لعبد الناصر، بحسب الكتاب.

سمح الموظف السويسري لعناصر الموساد بنقل حقائب البريد ليلاً، مرتين في الأسبوع، إلى منزل آمن، ليقوموا بتصوير المراسلات وبعدها يقوم الخبراء بغلق تلك الحقائب دون أن يتركوا أية علامة على أنهم قد عبثوا بها، ثم يتم إعادة حقائب البريد إلى مكتب "مصر للطيران" مرة أخرى بسرية تامة، وهو الأمر الذي جعل الموساد يمتلك فهم أولي لما تخطط القاهرة له.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد عرض الصواريخ المصرية، وضع رئيس الموساد إيسر هاريل الوكالة بأكملها في حالة تأهب قصوى... وبدأ العملاء على الفور اختراق سفارات وقنصليات دبلوماسية مصرية في عدة عواصم أوروبية بهدف تصوير كل الوثائق حول المشروع

شارك غردتخوف الخبراء الإسرائيليون من أن يكون هدف المصريين تزويد الصواريخ برؤوس حربية مشعة وكيميائية… فقدّم رئيس الموساد خطته لهم: "بما أن مصر تحتاج إلى العلماء الألمان لتطوير صواريخها، فالحل هو اختطاف العلماء الألمان أو القضاء عليهم"

يكشف الكتاب أن المشروع المصري بدأ من قبل اثنين من العلماء المعروفين عالمياً، وهما يوجين سانغر وولفغانغ بيلز اللذين انضما عام 1954 إلى معهد بحوث فيزياء الدفع في شتوتغارت. وسرعان ما كونا فريقاً اقترب من النظام المصري في عام 1959، وعرضا تجنيد وقيادة مجموعة من العلماء لتطوير صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى.

وافق عبد الناصر على تعيين أحد أقرب المستشارين العسكريين له، وهو اللواء عصام الدين محمود خليل، المدير السابق لاستخبارات القوات الجوية ورئيس قسم البحث والتطوير في الجيش المصري، كمنسق لهذا لبرنامج. وحصل الفريق، الذي كان يزيد عدده عن ثلاثين من العلماء الألمان المميزين على رواتب كبيرة ومساكن فاخرة.

وفي يوم 16 أغسطس عام 1962، حين اجتمع هاريل مع بن غوريون، عارضاً عليه وثيقة مهمة من حقائب البريد الخاصة بالاستخبارات المصرية التي تم تصويرها في زيوريخ، عمّت حالة من الصدمة، فقد أظهرت الوثيقة أن مصر تخطط لتصنيع 900 صاروخ.

تخوف الخبراء الإسرائيليون من أن يكون الهدف الحقيقي للمصريين هو تزويد هذه الصواريخ برؤوس حربية مشعة وكيميائية، وعقد بن غوريون اجتماعات عاجلة مع كبار مسؤولي الدفاع في إسرائيل، بينما كان لدى هاريل وقتها خطة مختلفة للتعامل مع الأمر، فـ"بما إن مصر تحتاج إلى العلماء الألمان لتطوير صواريخها، فالحل هو… اختطاف العلماء الألمان أو القضاء عليهم".

"أنت سجين لدينا، افعل ما نطلبه أو نقتلك"

في نهاية أغسطس عام 1962، ذهب هاريل إلى أوروبا بنفسه بهدف تنفيذ خطته، وفي 10 سبتمبر من نفس العام، ذهب شخصياً إلى منزل هاينز كروغ (أحد العلماء الألمان) في ميونيخ، زاعماً ان اسمه هو صالح قاهر وأنه مندوب عن العقيد سعيد نديم، كبير مساعدي اللواء خليل.

لكن ما لم يعرفه العالم الألماني هو أن قاهر (ذي الأصل العراقي) هو عميل للموساد، ونجح بمساعدة عملاء آخرين في القبض على كروغ، وقالوا له "أنت سجين لدينا، افعل بالضبط كل ما نقوله لك، أو سنقتلك".

نجح الإسرائيليون بفضل خطتهم في أخذ العالم الألماني إلى الحدود الفرنسية مخدراً، وسرعان ما وضعوه على متن طائرة العال التي تقل المهاجرين اليهود من شمال أفريقيا إلى إسرائيل، وقد أخبر عملاء الموساد السلطات الفرنسية بأن كروغ مهاجر مريض.

لم يكتف الموساد بما فعله، بل أطلق عملية تضليل واسعة النطاق، حيث استعان بشخص يشبه كروغ ويحمل وثائق باسمه وجعلوه يسافر في جميع أنحاء أمريكا الجنوبية، في محاولة لإقناع المصريين والألمان، على حدّ سواء، أن كروغ أخذ الأموال وهرب.

صورة من الموساد تظهر هاينز كروغ

وفي إسرائيل، تم سجن كروغ في منشأة سرية للموساد حيث تعرض للاستجواب القاسي. في البداية بقي صامتاً، لكنه سرعان ما بدأ في التعاون، وعلى مدار عدة أشهر أخبر الموساد بكل التفاصيل التنظيمية والإدارية لمشروع الصواريخ، وبحسب ما كشفه الكتاب فقد كانت الوثائق التي في حقيبته مفيدة أيضاً.

يقول مؤلف "انهض واقتل أولاً: التاريخ السري للاغتيالات المستهدفة في إسرائيل"، إن كروغ تطوع بالعودة إلى ميونيخ والعمل كجاسوس لصالح لموساد، لكن وقتها تخوف الموساد من ذلك بسبب أنه قد يذهب للسلطات الألمانية ويخبرهم كيف قامت إسرائيل بخطفه، وهو ما قد يسبب أزمة لكونه ألماني وخطفته إسرائيل من على أرض ألمانية، فاختار هاريل الطريق الأسهل، وأمر أحد رجاله بأخذ كروغ إلى مكان مهجور شمال تل أبيب وإطلاق النار عليه.

هكذا انتهى أمر الرجل، لكن لم تنته سلسلة الاغتيالات بل بدأت، فقد دفع نجاح عملية كروغ بن غوريون إلى الموافقة على عمليات اغتيال أكثر.

استمرت إسرائيل بعد ذلك في اغتيال شخصيات أكثر، من جنسيات ألمانية وجنسيات أخرى، إذ يظهر الكتاب بالوثائق كيف نفذت إسرائيل العديد من عمليات الاغتيال خارج حدودها، منها تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981، واغتيال عدد من العلماء ممن عملوا فيه.

نجحت إسرائيل أيضاً في اغتيال مجموعة ليست قليلة من العلماء الايرانيين ممن عملوا في المفاعل النووي الإيراني، فضلاً عن عمليات الاغتيال التي طالت المئات من الشخصيات الفلسطينية.

وكان بيرغمان قد اقتبس عنوان كتابه مما جاء في التلمود "إذا جاء شخص ليقتلك، انهض واقتله قبل أن يقتلك".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي