محمد بن سلمان والإصلاح الذي سيغيّر السعوديين

محمد بن سلمان والإصلاح الذي سيغيّر السعوديين

يقود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جملة من الإصلاحات الجذرية التي ستغيّر وجه وعادات المجتمع السعودي، بعضها لن يظهر تأثيره ربما إلا بعد سنوات، خاصة على المستويين الثقافي والحضاري. باختصار، إنه يُخرج السعودية والسعوديين من التزمّت الديني الذي انعكس على الحياة اليومية والمجتمع والفن وينقلهم إلى الدنيا المعاصرة بسعتها ومتعها.

لنضع السياسة جانباً قبل أن يصرخ أحد: "وماذا عن الانفتاح السياسي"؟ هناك إصلاح جذري قلما يُشار إليه بين جملة "الإصلاحات" في الإعلام السعودي، بل إن الأمير نفسه لم يُشر إليه أو يتبناه رغم أنه يمكن أن تكون له آثار عميقة في تغيير المجتمع السعودي أكبر بكثير مما ستفعله السينما وقيادة المرأة للسيارة. إنه "إصلاح سوق العمل"، فثمة حملة هادئة تجري في اتجاهين، لو اكتملت سوف تغيّر وجه السعودية واقتصادها بشكل جذري وعميق.

بدأ هذا الإصلاح بحملة حرب غير مسبوقة على التستر، والتستر في الفهم السعودي هو ضرب من ضروب الفساد الذي اعتاد عليه السعوديون رغم وجود نظام صادر عن مجلس الوزراء يجرّمه ويعاقب مَن يمارسه بالسجن، وتعريفه "هو أن يؤجر السعودي اسمه وجنسيته وما تمنحه إياه هذه الجنسية لأجنبي لا يسمح له النظام بالعمل في التجارة مقابل مبلغ مقطوع من المال".

هذا تعريفي للمفهوم كما ورد في كتاب نشرته عام 2013 وسميته "احتلال السوق السعودي"، وتشددت فيه بوصفي السعوديين الذين يمارسونه بالقوادين، أو الطفيليين، وهم كذلك، إذ تتكلس خبراتهم في خدمة التاجر الأجنبي الذي يكتسب الخبرة والمعرفة في السوق السعودي، بينما يكتفي "الطفيلي" بتقاضي مبلغ مقطوع متفق عليه مقابل خدمات أساسية لا إبداع فيها، مثل تجديد رخصة محل، أو إصدار تأشيرات مغادرة.

واقتصاد التستر محدود النمو، إذ لا يمكن أن يصبح كل السعوديين متسترين، وإنما فقط طبقة منهم. هذه الطبقة تطوّر علاقات فاسدة مع البلديات والداخلية ومكاتب العمل لحماية المتستَّر عليهم حينما يغشون ويزورون وما أكثر ما يفعلون ذلك، فهم غير منتمين إلى الوطن لا اجتماعياً ولا اقتصادياً، وكل ما يريدونه هو الكسب السريع فقط.

كما يشكل هؤلاء المتسترون "لوبي" يناضل لتعطيل الدولة كلما عنّ لها إطلاق حرب على التستر. إنهم يفعلون هذا اليوم مستخدمين شتى الحجج كالدعوة للرفق بإخواننا المقيمين فيرفعون شعارات الأخوة الإسلامية، إلى الرفق بالمستهلك الذي سترتفع عليه الأسعار إنْ خرج "إخواننا الأجانب" من السوق. لا تصدقوهم فهم أبعد الناس عن خلق الإسلام والحرص على المواطن. إنهم وفق نظام مكافحة التستر الصادر عن مجلس الوزراء، مجرمون يستحقون السجن.

كما أن للتستر دوراً تدميرياً عميقاً للاقتصاد السعودي الوطني، فهو لا يؤدي إلى انتشار البطالة بين السعوديين فقط وإنما إلى قتل ثقافة العمل عندهم وبالتالي يخلق دوامة تلتهم كل الفرص أمام الشباب السعوديين وفي نفس الوقت لا يسمح النظام السعودي بتجنيس هؤلاء الأجانب فيترسخ فيهم الشعور بأنهم عابرون، فلا يستثمرون في السوق الذي ينشطون فيه ولا ينتمون إلى الوطن الذي يعيشون فيه.

وبالتالي، صارت هناك دائرة مغلقة لا يمكن كسرها إلا بقوة الدولة، إذ اعتاد الاقتصاد المحلي على التستر ورتّب أوضاعه وفق قواعده، وكذلك المستهلك السعودي، ذلك أنه يوفر له خدمات وسلعاً رخيصة، فظل ينمو وينمو كنبتة غريبة عن بيئتها، غير منتمية إلى الاقتصاد الوطني، فغاب الإبداع والتطوير عن الاقتصاد السعودي وبقي اقتصاداً خدمياً استهلاكياً.

أقوال جاهزة

شارك غردجمال خاشقجي لرصيف22: هناك إصلاح جذري قلما يُشار إليه بين جملة "الإصلاحات" التي اقترحها محمد بن سلمان في الإعلام السعودي، رغم أنه يمكن أن تكون له آثار عميقة في تغيير المجتمع السعودي

شارك غردجمال خاشقجي لرصيف22: إصلاح أساس الاقتصاد السعودي وتوفير الوظائف لمجتمع جله من الشباب هو البداية للنهضة السعودية الحقيقية التي يجب أن تبدأ من وسط الأحياء الفقيرة

لم تعلن الدولة "الحرب على التستر"، ولكن يبدو أنها في الطريق إلى ذلك، فثمة حملة غير مسبوقة عليه ونشاط يقوده تكتل من أربع وزارات: التجارة، البلدية، الداخلية والعمل، لاستهدافه (وليس استئصاله بعد). حُدّدت قطاعات معيّنة لفرض توطينها مثل تجارة الذهب وقطع غيار وتأجير السيارات، فبات منظر المتاجر المغلقة أو المعروضة للتقبيل (معروضة للبيع في السوق) منتشراً في الأسواق السعودية المتخمة بالمتاجر فوق الحد الطبيعي.

ويعزز ذلك "إصلاح" آخر أمر به الأمير محمد بن سلمان، هو رسوم الوافدين، والذي يشبه "ضريبة الرأس" في الأنظمة الضريبية. السعودية دوماً تتحاشى استخدام مصطلح "ضريبة" ولكن رسم الوافدين يظل ضريبة تُفرض على كل فرد في الأسرة من غير السعوديين وبدأت هذا العام بأربعمئة ريال وسوف تصل بحلول عام 2020 إلى 800 ريال شهرياً، وفق معادلة مرتبطة بمعدل توظيف السعوديين في المنشأة.

لقد أحدثت هذه الرسوم أثراً كبيراً، فكثيرون من الوافدين يقيمون مع أسرهم وأبنائهم، ما يعني أن يصل ما سيدفعونه إلى أكثر من 20 ألف ريال سنوياً، وهذا ما دفع بعضهم لمغادرة المملكة. لا توجد الآن إحصاءات دقيقة لعدد مَن غادروا ولكن هناك مَن يتوقع أن يغادر نحو مليوني وافد هذا العام، من بين 12 مليون وافد يقيمون في المملكة مشكلين ثلث عدد السكان، ما أدى إلى خلل سكاني خطير وغير طبيعي في بلاد لا تجنس المهاجر، والخلل الأكبر هو أن هؤلاء يشكلون نحو 70 في المئة من القوة العاملة.

رأى البعض في الرسوم "جباية" لتحصيل المال لخزينة الدولة، وذهب البعض الآخر إلى أنه "ظلم" لأسر استقرت في المملكة منذ عشرات السنين، ولكن يمكن أيضاً (وببرود الاقتصادي الحريص على مصلحة الوطن) أن يُنظر إلى الأمر كعملية إصلاح كبرى ستغيّر الاقتصاد السعودي أو بالأحرى تعيده طبيعياً مثل اقتصادات الدول الحقيقية.

أنا من المجموعة الأخيرة، إذ إن الوضع السابق والذي ساد في المملكة منذ الطفرة النفطية الأولى في منتصف سبعينيات القرن الماضي أدى إلى خلل اقتصادي واجتماعي مهدِّد لاستقرار المملكة، فأي دولة يجب أن تُعنى أولاً بتوفير الوظائف والحياة الكريمة لمواطنيها. ومرة أخرى وببرود السياسي، فإن الأجنبي الذي يتظاهر ويحرق إطارات السيارات احتجاجاً على تأخير رواتبه، وقد حصل هذا بالفعل في المملكة، يمكن تسوية أوضاعه ودفع رواتبه ثم ترحيله خارج البلاد، ولكن ماذا لو فعل المواطن ذلك؟ هذه أزمة سياسية نحن في غنى عنها.

هذا هو الإصلاح الحقيقي الذي يجب أن يُلتفت إليه، قبل جلب الاستثمارات العالمية، أو على الأقل ليكن موازياً له. إن إصلاح أساس الاقتصاد السعودي وتوفير الوظائف لمجتمع جله من الشباب وتصل البطالة فيه إلى أرقام عالية مختلف فيها، مع كون 20 في المئة من الشعب مستحقون للضمان الاجتماعي وفق الأرقام الرسمية أي أنهم فقراء، هو البداية للنهضة السعودية الحقيقية التي يجب أن تبدأ من وسط الأحياء الفقيرة.

ولا يجب أن نُخدع بالكريمة الرائعة من الشباب والشابات السعوديين المتعلمين في الخارج والمتحمسين للمدن الجديدة واقتصاديات المعلومات والمعرفة وغير ذلك من المصطلحات الجذابة. لنستثمر في هؤلاء، ولكن لنهتم أكثر بالاقتصاديات البسيطة، اقتصاد 101، والتي بعد إصلاحها واستقرارها، ننطلق منها باطمئنان نحو الأفكار المستقبلية الاستثنائية. إنها مسألة سياسية قبل أن تكون اقتصادية.


جمال خاشقجي

كاتب سعودي مقيم في واشنطن

التعليقات

المقال التالي