في ولايته الثانية... هل يعيد السيسي الطيور المصرية المهاجرة إلى موطنها؟

في ولايته الثانية... هل يعيد السيسي الطيور المصرية المهاجرة إلى موطنها؟

عندما سأل الإعلامي أحمد موسى نظيره عماد الدين أديب لماذا لا تنعت الإخوان بالإرهابيين ورئيسهم محمد مرسي بالجاسوس؟ رد عليه قائلاً: "لأن الوجوه مصيرها أن تتلاقى".

بعد فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بولاية رئاسية ثانية، في الثاني من أبريل 2018، خرجت مطالب تدعو على استحياء إلى فتح صفحة جديدة مع المعارضين في الخارج ممّن غادروا مصر بعد الثالث من يوليو 2013.

ولم يُحصَ عدد الذين غادروا مصر بعد عزل الإخوان بشكل رسمي، إلا أنهم كثر وينتمون إلى فصائل سياسية مختلفة، أغلبيتهم من جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب ذات الطابع الإسلامي ولكن بعضهم ينتمي إلى قوى ثورية مثل حركات 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين، إضافة إلى عدد من الفنانين والإعلاميين والسياسيين الليبراليين.

هؤلاء يسميهم البعض "الطيور المهاجرة" وهو مصطلح يشير إلى مَن غادروا بلادهم بغض النظر عن الأسباب، ويشيع استخدامه في مصر حالياً لوصف مَن غادروا بعد يوليو 2013، خشية من تبعات توجهاتهم المعارضة للنظام.

في المقابلة المذكورة، دعا أديب إلى فتح حوار مع المتعاطفين مع الإخوان ممن لم تتلوث أياديهم بالدماء، وقال بنغمة غير معهودة في السنوات الخمس الماضية: "واجبي كمواطن مصري وكسياسي وإعلامي أن نأخذ هؤلاء في حضننا. فالفكرة لا يُردّ عليها إلا بفكرة".

كلام أديب أثار ضجة واسعة حتى قيل إنه "يمهد للمصالحة مع الإخوان"، كما اتهمه في مداخلة خلال عرض الحلقة السيناريست وحيد حامد، لكن الإعلامي المصري الذي يرتبط بعلاقات مع النظام نفى ذلك وقال: "أقسم بالله أنا لا أمهد إلى مصالحة".

"ربنا بيقبل التوبة"

"يا إخوانا ربنا بيقبل التوبة، أي حد فينا ممكن يغلط. ما دام في النهاية عاد إلى دائرة الصواب والتزم بقواعد وقوانين البلد فيا مرحباً به، وإلا سنكون مجتمعاً عنصرياً".

هكذا تفاعل أستاذ العلوم السياسية والإعلامي معتز عبد الفتاح، عبر برنامج "الطريق إلى الاتحادية" المُذاع عبر فضائية "ON-Live"، مع نبأ قرب عودة نجم الكرة المصرية محمد أبو تريكة، ما يشير إلى تغيرات في نغمة الحديث عن معارضي الخارج.

وكان القضاء المصري قد أدرج أبو تريكة على قوائم الإرهاب عام 2017، ولكن لم يُلقَ القبض عليه لأنه متواجد في قطر حيث يعمل محللاً رياضياً في قناة "بي أن سبورت".

ولكن في قرار جديد رأى البعض أنه يحمل بشرى للمعارضين أو المتعاطفين مع الإخوان، أوصت نيابة النقض في مارس 2018 بإلغاء قرار محكمة جنايات القاهرة القاضي بإدراج 1538 شخصاً على قائمة الإرهابيين بتهمة تمويل جماعة الإخوان، بينهم أبو تريكة.

رامي جان وطارق عبد الجابر

بعد أيام من ظهور نغمة التهدئة، خرج بعض المهاجرين ممن عُرفوا بمعارضتهم للنظام من الخارج، ليؤكدوا أنهم تلقوا رسائل بالعودة إلى مصر والتعبير عن معارضتهم للنظام داخل بلادهم مع ضمانات بعدم المساس بحريتهم وبعدم الزج بهم في السجون، حسبما أوضحت لرصيف22 الناشطة غادة نجيب.

وفي مارس 2018، عاد مؤسس تجمع "مسيحيون ضد الانقلاب" رامي جان إلى مصر، بعدما عمل في تركيا في قناة الشرق المملوكة للمعارض أيمن نور والمحسوبة على الإخوان وقدّم برنامجاً باسم "غربة" هاجم فيه النظام ووصفه بالانقلابي، ولم يُحاكَم أو يُسجن.

وتكرر نفس السيناريو سابقاً مع الإعلامي طارق عبد الجابر الذي كان يعمل مذيعاً في قناة الشرق، وفجأة تقدّم باستقالته وعاد إلى مصر عام 2016، بعد ضمانات بعدم إلقاء القبض عليه.

رسائل لعودة الطيور المهاجرة

غادة محمد نجيب، زوجة الممثل هشام عبد الله، غادرت مصر في 2016، وأكدت أن الأجهزة الأمنية أرسلت لها رسائل تطلب منها الرجوع إلى مصر مع ضمان الأمان لها ولأسرتها.

تقول نجيب لرصيف22 إن الرسائل بدأت في نوفمبر الماضي وتكررت حتى ثالث يوم من أيام الانتخابات الرئاسية الماضية.

وأطلعت نجيب رصيف22 على حوار دار بينها وبين أشخاص تواصلوا معها لإقناعها بالرجوع، يدور حول طمأنتها حيال فكرة العودة إلى مصر، لكنها طلبت عدم نشره لأسباب شخصية.

أقوال جاهزة

شارك غردعندما سأل الإعلامي أحمد موسى نظيره عماد الدين أديب لماذا لا تنعت الإخوان بالإرهابيين ورئيسهم محمد مرسي بالجاسوس؟ رد عليه قائلاً: "لأن الوجوه مصيرها أن تتلاقى"

شارك غردمعارضون مصريون في الخارج يتحدثون عن تلقي رسائل من النظام تطلب منهم العودة إلى بلادهم... "حينما سألت لماذا الدعوة لا تكون للكل؟ قيل لي: ‘الإخوان مش دلوقتي’"

تعتبر نجيب أن لهذه الرسائل هدفين: ممارسة ضغوط خارجية على النظام ليخلق معارضة "كرتونية" مثل معارضة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك؛ وسلخ الليبراليين والمدنيين عن الإخوان حتى تظل المعركة بين فصيلين فقط: عسكر وإخوان.

وعن تفاعلها مع الأمر تقول: "ليتني أعود. طبعاً نفسي أرجع بلدي لكن مع الجميع، حينما يعود الكل، بدون عقد صفقات سرية أو تفرقة".

وانتقدت نجيب هذه الطريقة في التواصل وكتبت على تويتر:

أما سامي كمال الدين، أحد أبرز المعارضين المصريين في الخارج ومقدم برنامج "في المليان" على قناة الشرق، فأكد هو الآخر أنه تلقى عرضاً للعودة إلى مصر، هو وتسع عاملين في القناة، بينهم معدّون ومذيعون فُصلوا من عملهم في مارس، إثر خلافات مالية تطوّرت إلى اتهامات بالخيانة بين طرفي الخلاف.

وكتب كمال الدين في تغريدة:

وأكد لرصيف22 أنه وصلته مكالمات من شخص في المخابرات ومن إعلامي شهير تطلب منه ومن المفصولين من قناة الشرق العودة إلى مصر، مضيفاً أن لا أحد ممن يعرفهم تفاعل مع هذه الرسائل.

التسامح بعد الانتخابات الرئاسية

"يريد النظام إظهار صورة من التسامح بعد الانتخابات الرئاسية والإيحاء بأن هناك معارضة من الداخل ولكنها قطعاً ستكون كرتونية"، يعلّق على هذه الرسائل القيادي في حركة 6 أبريل المقيم في الخارج خالد إسماعيل.

وقال إسماعيل لرصيف22 إن "عودة الطيور المهاجرة ووضعهم في دائرة المعارضة المستأنسة سيصب في صالح النظام"، وأضاف: "أشك في استجابة الكثيرين لتلك المحاولات والدليل أن النظام يتبع تلك الطريقة من فترة ليست بالقليلة ولم تجد نفعاً بعودة معارضين من الخارج باستثناء شخصين فقط هما طارق عبد الجابر ورامي جان".

وأبدى اعتقاده بأن النظام يريد نزع الغطاء المدني عن معارضة الخارج حتى تظهر وكأنها إسلامية فقط وهو ما سيلقي بضغوط إضافية على جماعة الإخوان لتقديم تنازلات له وبالتالي تصفية معارضة الخارج.

وتابع: "معلوماتي إلى الآن أنه لا استجابة من الشباب لمحاولات الأذرع الإعلامية المؤتمَرة من الأجهزة السيادية إعادتهم، وهو ما يفسّر محاولات النظام الضغط عليهم وتهديدهم بإسقاط الجنسية، إذ تارة يلعب على وتر الترغيب وتارةً أخرى يلجأ إلى الترهيب".

رسائل العودة تتجاهل الإخوان

هذا النوع من الرسائل لا يصل إلى أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الخارج. وتقول غادة نجيب: "لا أعلم إن كانت قد وصلت رسائل إلى الإخوان أم لا لكن حينما سألت لماذا الدعوة لا تكون للكل؟ قيل لي: ‘الإخوان مش دلوقتي’. وما فهمته أنهم يرسلونها إلى أنصار التيار المدني فقط".

وهذا ما أكده قياديان في جماعة الإخوان لرصيف22. فقال النائب السابق في برلمان 2011 محمود عطية إنه لم تصله رسائل ولم يسمع عن هكذا رسائل.

وأكد القيادي في الجماعة وأمين لجنة العلاقات الخارجية في حزب الحرية والعدالة محمد سودان أنه على حد علمه لم تصل رسائل إلى أحد من الإخوان حتى الآن.

وأضاف: "إنْ كانت من النوع الذى استجلبوا به رامي جان وطارق عبد الجابر، فلا أظن أن هناك عضواً فعلياً في الإخوان المسلمين يقبل بهذا الصنف من الرسائل ويستجيب لها".

وعن سبب اقتصارها على المدنيين من المعارضين، قال سودان لرصيف22: "أعتقد أنهم يحاولون إعادة الفُرقة والخلاف بين المناهضين للنظام، وخاصة بعد أن هدأت حدة الخلاف بين العديد من الفصائل المعارضة، وبعد انضمام العديد من مؤيدي 30 يونيو إلى معسكر رافضي النظام الحالي".

فرص السيسي لاحتواء الشباب

وفي الإطار نفسه، طالب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية منتصر عمران الرئيس السيسي بأن يؤسس لدولة حديثة قوامها الديمقراطية والحرية في ولايته الثانية وأن يعيد الطيور المهاجرة ويفرج عن الشباب الذين لم يحملوا السلاح ويسمح للمهاجرين بالعودة دون ملاحقات أمنية أو اعتقالات "ما لم تتلوث أيديهم بالدماء" ودمجهم في المجتمع لأن ذلك يعطي مساحة لـ"المعارضة الشريفة".

وأوضح عمران لرصيف22 أن المقصود بعودة الطيور المهاجرة عودة الشباب الذين هاجروا عندما وقعت أحداث 30 يونيو لأنهم يحملون فكراً ورؤية تخالف رؤية النظام الجديد بغض النظر عن صحة موقفهم من خطأه.

وأشار إلى أن "النظام القوي هو الذي يترك الفرصة للشباب للعمل بحرية والتعبير عن آرائهم وأفكارهم والذي يناقشهم بهدوء ويوجّههم بحب واحترام حسب متطلبات الوضع والذي يواجه الفكر بالفكر لا بإطلاق الشائعات وتشويه المعارضين".

المعارضة لا تحتاج إلى رسائل

"المعارضة لا تحتاج إلى رسائل للعودة إلى بلادها"، برأي أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة طارق فهمي.

وقال فهمي لرصيف22 إن السلطات في مصر لا تغلق أبوابها في وجه أي معارض يريد أن يرجع إلى أرضه ولا أحد يحتاج إلى رسائل للطمأنة طالما لم تتلوث يديه بالدماء.

وأضاف أن المعارضة موجودة في عهد السيسي بشكل واسع، نافياً ما يردده المهاجرون من أن سبب الرسائل هو احتياج النظام إلى معارضة كرتونية وقال: "بعض وسائل الإعلام تمارس المعارضة بشكل فج ولا تُمنع من ذلك، كما أن بعض الكتاب يقومون بذلك ولا ينكَّل بهم".

أما نائب رئيس جهاز أمن الدولة السابق اللواء فؤاد علام، فذهب إلى أبعد من ذلك وقال لرصيف22 إنه لا صحة لهذه الرسائل ومَن يردد ذلك على السوشال ميديا هي أجهزة مخابرات أمريكية وإسرائيلية تستهدف زعزعة استقرار مصر.


عبد الله مفتاح

صحافي مصري عمل في عدة مواقع مصرية وعربية.

التعليقات

المقال التالي