على هامش التهويل العسكري... أمريكا تراهن على اقتصاد روسيا وأثريائها

على هامش التهويل العسكري... أمريكا تراهن على اقتصاد روسيا وأثريائها

يعتزم الكونغرس الأمريكي القيام قريباً بمعاقبة روسيا وتحجيم دورها في ملفات عدة، حيث يخطط للتصديق على مشروع قانون يتضمن حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية ضد موسكو.

ليست العقوبات على روسيا جديدة بل تعود إلى عام 2014 تزامناً مع تدخل القوات الروسيّة في أوكرانيا، وقد بدأتها الولايات المتحدة بمؤازرة كل من أوروبا وكندا واليابان، قبل أن تواجهها موسكو بعقوبات مضادة.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية أضافت يوم الجمعة الماضي 24 شخصية روسية و14 مؤسسة إلى قوائم العقوبات المفروضة على روسيا، بينما ترك الحديث عن عقوبات جديدة أثراً مختلفاً بسبب توقيته.

وركّز محللون غربيون على هذا الأثر لتزامنه مع التصعيد الكلامي بين موسكو وواشنطن على خلفية تلويح الأخيرة بضربة عسكرية في سوريا، ولطرحه وسط الكلام عن تراجع حاد للروبل الروسي ووطأة الديون التي خلفتها العقوبات السابقة على موسكو في ظلّ ارتفاع تكاليف مشاركتها عسكرياً في الحرب السورية.

وكان محللون طرحوا مسألة "الحرب الاقتصادية" ضدّ روسيا كخيار يمكن الاستثمار فيه بشكل أكبر في معرض دعوتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تجنّب فكرة المواجهة العسكرية مع روسيا من البوابة السورية، في وقت قلّل الجانب الروسي من آثارها حيث قال رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف إن بلاده ستتغلّب عليها، متهماً واشنطن بلجوئها إلى "المنافسة غير الشريفة".  

وستشمل حزمة العقوبات المقترحة حظراً تاماً لأي تعاملات مالية بسندات الدين السيادية الروسية، بالإضافة إلى منع التعامل بالأوراق المالية الصادرة عن مؤسسات مالية مهمة من ضمنها البنك المركزي الروسي والخزينة الاتحادية الروسية.

يُضاف إلى ذلك عقوبات على العديد من البنوك الروسية، ومنها "سبير بنك"، "غازبروم بنك" و"بنك موسكو". ومن المتوقع تطبيق حزمة العقوبات في مدة لا تتجاوز الشهرين من تاريخ إقرارها.

"الأوليغارشية" الروسية بين بوتين والعالم

"بوتين أم الحفاظ على العلاقات مع العالم؟ العقوبات قد تجبر الأوليغارشية (الأثرياء أصحاب النفوذ السياسي) الروسية على الاختيار"... كان هذا هو العنوان الذي طرحه مقال تحليلي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية للكاتب نيل ماكفاركهار.

يرى الكاتب أن الأوليغارشية الروسية هم فئة مهمة ستتأثر جداً بالعقوبات الحديثة، لافتاً النظر إلى أن الروس الأثرياء في لندن سيشعرون سريعاً بتداعيات تلك العقوبات، حيث حذرت واشنطن البنوك البريطانية يوم الثلاثاء الماضي من أنها قد تواجه عقوبات شديدة إذا استمرت في التعامل مع أي من الروس الأربعة والعشرين الذين وردت أسماؤهم في العقوبات، بما في ذلك سبعة من ممثلي النخبة الروسية.

ورغم أن حزمة العقوبات الأمريكية الجديدة قد تساعد الرئيس فلاديمير بوتين على تحقيق هدف طويل الأمد له يتمثل في وضع المزيد من الاقتصاد تحت سيطرة الدولة، إضافة إلى الضغط على أصحاب المليارديرات الروس بهدف جلب أموالهم إلى الوطن، إلا أن المقال يظهر زاوية مختلفة للأمر حيث يرى إمكانية استثمارها أمريكياً.

برأي الكاتب، ستكون العقوبات بالتأكيد ضد مصالح بوتين، إذ أنها قد تجبر بعض أصحاب المليارديرات على اتخاذ موقف ضد الكرملين، وربما يقومون بتمويل حركات أو منظمات سياسية تعمل ضد بوتين في الخارج.

ونقل المقال عن كونستانتين غايز، وهو محلل في مركز "كارنيغي" في موسكو، قوله إن أي شخص يريد مساعدة الكرملين في الخارج سيفكر مرتين قبل أن يفعل ذلك، في إشارة إلى أن مصالح أثرياء الخارج لن تكون بالتأكيد في دعم بوتين ونظامه.

واقع جديد

يرى مقال "نيويورك تايمز" أن العقوبات الجديدة كانت غير متوقعة من الجانب الروسي، الذي كان يعتبر أن محدودية تعاملاته التجارية مع الولايات المتحدة، لن تجعل الانتقام الاقتصادي الأمريكي ضد موسكو ضخماً.

واعتبر أن روسيا استخفّت بالعقوبات التي طُرحت بخصوص أثريائها، لا سيما بعد "مسرحية" العام الماضي، حين أثار خبر نقل الكونغرس لقائمة "فوربس" لأثرياء روسيا عام 2017 لتحديد من ستشملهم العقوبات - من دون إعداد قائمة خاصة به - الجدل، إذ شكّك كثر بالآليات المعتمدة لفرض عقوبات فاعلة.  

ونقل كاتب المقال عن الخبير الاقتصادي والاستشاري في مجال الاستثمار فلاديسلاف زوكوفسكي تأكيده أن الروس كانوا يظنون أنه لن تحدث عقوبات قوية ضدهم، "لكن الوضع أصبح خطيراً الآن، فحزمة العقوبات الأخيرة أكثر خطورة من كل العقوبات السابقة ضد روسيا"، حسب زوكوفسكي.

أقوال جاهزة

شارك غردستشمل حزمة العقوبات المقترحة حظراً تاماً لأي تعاملات مالية بسندات الدين السيادية الروسية، بالإضافة إلى منع التعامل بالأوراق المالية الصادرة عن مؤسسات مالية مهمة من ضمنها البنك المركزي الروسي والخزينة الاتحادية الروسية

شارك غردرحب محللون بالعقوبات على "الأوليغارشية" الروسية، فتقليدياً كان هناك خشية لدى الأثرياء الروس من الاستثمار في موسكو، ومع هذه العقوبات ستكون عودتهم إلى الوطن أسهل لكن لفترة محدودة، قبل أن ينقلب هؤلاء أو بعضهم على بوتين

وكان  من بين مَن شملتهم العقوبات قطب تجارة المعادن أوليغ ديريباسكا، الذي يُعتقد أنه يعمل لصالح الحكومة الروسية، إضافة إلى مدير شركة الغاز الروسية العملاقة "غازبروم"، أليكسي ميلر. كما ضمت القائمة سليمان كريموف، الملياردير كيريل شمالوف الذي يقال إنه صهر بوتين، و"روسوبورونكسبورت"، الشركة الروسية الحكومية المصدّرة للأسلحة. 

ورحب محللون بهذه الخطوة الأمريكية الجديدة، فتقليدياً كان هناك خشية لدى الأثرياء الروس من الاستثمار في موسكو، ولكن مع هذه العقوبات ستكون العودة إلى الوطن أسهل ولكن لفترة محدودة، فالأسواق الروسية ضيقة وغير جذابة لاستثمارات ضخمة ومستدامة.

ومن هنا اعتبر محللون أن "الحرب الباردة" بين واشنطن وموسكو تدخل "واقعاً جديداً"، سترسمه العقوبات على الأوليغارشية الروسية والعقوبات الجديدة الجديدة المطروحة.

يوم اهتزت الأسواق في روسيا

بدوره، لفتت "سي أن بي سي" الأمريكية في تقرير إلى السبب الرئيس في انهيار الروبل (العملة الروسية)، وهو تهديد ترامب بضرب سوريا بالصواريخ نكاية في روسيا، إضافة إلى العقوبات الأمريكية الاقتصادية الجديدة.

وبدأ التراجع الشديد للعملة الروسية، بعد تغريدة ترامب التي نشرها على حسابه الرسمي على تويتر والتي قال فيها إن الصواريخ "قادمة"، حيث انخفض الروبل بعدها مباشرة بنسبة 2 في المئة مقابل الدولار في موسكو، للمرة الأولى منذ عام 2016.

واعتبر المقال أن العقوبات الأمريكية الأخيرة سببت حالة فزع غير مسبوقة في الأسواق الروسية، ليس فقط في الشركات المفروض عليها عقوبات مثل شركة "روسال" لإنتاج الألمونيوم، بل وصل الفزع لشركات أكثر بسبب احتمال فرض المزيد من العقوبات على شركات أخرى.

ونقلت "سي أن بي سي" تصريح رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، أمام البرلمان الروسي، والذي اعتبر فيه إن قرارات الإدارة الأميركية الأخيرة هي محاولة لمحاربة روسيا في "منافسة غير عادلة"، مضيفاً أن العقوبات تهدف لتقييد تطور روسيا وخلق توترات في الاقتصاد والعملة وأسواق التمويل.

وبخصوص الرد الروسي المتوقع، قال ميدفيديف إن ما وصفه بالإجراءات الروسية المضادة، ينبغي أن تحسب بدقة وألا تلحق ضرراً بروسيا وأن تكون ملائمة، "رغم ذلك، لا أستبعد أننا قد نضطر لمراجعة كافة جوانب التعاون مع الولايات المتحدة في المجالات الرئيسية"، على حدّ قوله.

ثمن باهظ في سوريا

لم تختلف وجهة شبكة "بلومبيرغ" عن ما سبق، حيث رأت في مقال لها إن تهديدات ترامب بضرب سوريا إضافة إلى العقوبات الاقتصادية نجحت في "هز الأسواق في موسكو" وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى سقوط العملة الروسية إلى أدنى مستوى لها منذ 16 شهراً.

واعتبرت "بلومبيرغ" الأمريكية أن هذا الانخفاض الكبير المتتابع في الروبل الروسي سيضاعف من وطأة الديون الدولارية التي يتحملها الاقتصاد الروسي.

وأشار خبراء روس إلى أن روسيا تدفع ثمناً باهظاً نتيجة مشاركتها العسكرية في سوريا، بينما رجحوا أن تكون الخسائر التي تكبدتها روسيا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2017، نتيجة العقوبات وأسعار عقود النفط، بحوالي 600 مليار دولار أمريكي.  

من جهته، توقع المجلس الروسي للشؤون الدولية في تقرير حديث استمرار العقوبات الأمريكية على روسيا حتى نهاية ولاية بوتين، أي لغاية العام 2024.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي