عشرون عاماً من "الحراكات الرقمية"... حاجة مستمرة إلى تجاوز لحظة الحراك

عشرون عاماً من "الحراكات الرقمية"... حاجة مستمرة إلى تجاوز لحظة الحراك

يُمكن القول إن أوّل الحراكات الاجتماعية المُعتبرة، أو الوازنة، التي وَظّفت الأدوات والمنصات الإلكترونية في عملية التهيئة والتواصل والتحشيد والإعلام، هو ذاك الذي نُظّم في مدينة سياتل الأمريكية نهاية نوفمبر ١٩٩٩ توازياً مع عقد مؤتمر "منظمة التجارة العالمية".

تجمّع حينها في المدينة الصغيرة التي لم يكُن عدد سكانها يزيد عن ٦٥٠ ألفاً، ما بين ٤٠ و٦٠ ألف ناشط يمثلون نحو ٧٠٠ جمعية غير حكومية، وتظاهروا أمام مقرّ المؤتمر احتجاجاً على السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تمثلها المنظمة، وعلى دور هذه السياسات في توسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء على مستوى العالم.

يرد في كتاب The Art of Protest (ريد، ٢٠٠٥) وصف تفصيلي لما سُمي لاحقاً "موقعة سياتل"، التي نجمت عن اصطدام أعداد كبرى من المتظاهرين بقوات الشرطة الأمريكية المولجة بحماية الوفود المشاركة في المؤتمر.

يُبرز الكتاب مجالات النشاط والعمل المتعددة التي خرج من متنها المتظاهرون الآتون من دول شتى، والتي تراوحت بين روابط أساتذة وطلاب، ونقابات عمالية، وجمعيات بيئية، مروراً بمجموعات تُنوّع اهتماماتها بين الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة والمستهلِك والسكان الأصليين ومرضى الإيدز والحيوان، وصولاً إلى تكتّلات مزارعين ومنتجي أجبان محتجين على الآليات الاقتصادية التي أنتجها نظام العولمة الذي ترعاه "منظمة التجارة العالمية"، وعلى أثر هذه الآليات على إنتاجهم.

هؤلاء جميعاً شكلوا كتلة عابرة للحدود تجمعهم مصلحة مشتركة لمواجهة الآليات التي وُلدت من رحم نظام عالمي بدأ بالتّشكل، قبيل انهيار المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي.

كان الفضاء الإلكتروني حديث النشأة نسبياً، وكانت الأداة الرقمية المُساعدة مُمثلة بموقع إلكتروني مستقل يدعى Indymedia، استخدمه المتظاهرون بغرض التشبيك بينهم وتنظيم تحركاتهم، ثم بهدف الإعلام عن الحدث عبر إيصال المعلومة بالنّص والصوت والصورة، أثناء مرحلة الاصطدام بالأمن وبعدها، وذلك لضعف ثقة كثير منهم بوسائل الإعلام التقليدية الأمريكية، ولخشيتهم من أن تعمد إمّا إلى التقليل من وقع الاحتجاج أو إلى الانحياز ضد المشاركين فيه.

ثورة الهواتف النّقالة

بعد "موقعة سياتل"، أخذ "الحراك الرقمي" أوجهاً عدّة في مواقع مختلفة من العالم، أتى بعضها بنتائج ملموسة، لا اعتماداً على شبكة الإنترنت، بل على الرسائل النصية القصيرة المتناقلة عبر الهواتف الخلوية أساساً. ويرد في كتاب Digital Activism Decoded (جويس، ٢٠١٠) استعراض مفصّل لعدد من تلك المحطات، من بينها مثلاً الإطاحة بالرئيس الفلبيني جوزيف أسترادا عام ٢٠٠١، بعدما انحاز جهازا الجيش والشرطة لمصلحة متظاهرين محتجين على الفساد، قُدرت أعدادهم بمليون شخص أو يزيد.

الإطاحة بالرئيس الفلبيني جوزيف أسترادا عام ٢٠٠١

لم يكن يومها أكثر من واحد في المئة من السكان موصولين بالإنترنت، فيما كان ١٥ في المئة منهم يملكون هواتف نقالة. وقد شكّلت الأخيرة الأداة الرقمية المساعدة على تنسيق تحركات المتظاهرين عبر رسائل هاتفية قصيرة، إذ أفادت بيانات رسمية كُشف عنها لاحقاً بأن عدد هذه الرسائل في ذروة الحركة الاحتجاجية تجاوز ٧٠ مليوناً في اليوم الواحد، أي أكثر من ضعف عددها في الأيام العادية.

وبأسلوب مشابه لعبت الهواتف النقالة في إسبانيا دوراً بعد ثلاث سنوات (٢٠٠٤) في إسقاط رئيس الحكومة خوسيه ماريا أزنار وحزبه، لكن في انتخابات برلمانية هذه المرة، إثر توظيف أزنار حادث تفجير ثلاثة قطارات في مدريد سياسياً قبيل الانتخابات، واتهامه حركة "إيتا" الانفصالية في إقليم الباسك بالوقوف وراء التفجير، برغم تبني تنظيم "القاعدة" صراحة له رداً على موقف أزنار المؤيد لغزو العراق.

أقوال جاهزة

شارك غرد"الحراكات الرقمية"... حتى الآن، لا تزال بنت اللحظة، وفي حالة سيولة مستمرة، كما أنها، تولي الشكل والجوانب التقنية (البصرية وغيرها) أولوية على حساب المضمون

شارك غرد"الحراكات الرقمية"... حاجة إلى تجاوز لحظة الحراك، لا الرقمي فحسب، بل ما ينجم عنه من فعل ملموس على الأرض، إلى شكل من أشكال التنظيم ذات البنى والآليات القادرة على حفظ الأثر وتجذيره

حينها، شهد اليوم الانتخابي دعوات للتظاهر وللتصويت ضد الحزب الحاكم وسياساته الخارجية، وأظهرت البيانات لاحقاً ارتفاعاً لعدد الرسائل الهاتفية القصيرة المرسلة في ذاك اليوم، بنسبة ٤٠ في المئة عن معدلها المعتاد.

الأمر ذاته تكرّر في أوكرانيا في العام نفسه (٢٠٠٤) ، إذ شكلت الرسائل الهاتفية أداة مثلى للمحتجين ضد الحكومة المدعومة من موسكو، في ما سمي "الثورة البرتقالية"، والتي تمثلت بتظاهرات بعضها متحرك وبعضها الآخر ثابت كما في وسط العاصمة كييف، أثمرت في ختامها تنظيم انتخابات جديدة أتت بزعيم المعارضة فيكتور يوتشنكو إلى رأس السلطة.

كذلك، وتحت عنوان غير سياسي هذه المرة، انطلقت حملة عبر الهواتف الخلوية رعتها منظمة Green Peace في الأرجنتين في العام ٢٠٠٥، بغرض الضغط على السلطات لإقرار قانون لحماية البيئة والغابات الآخذ حجمها بالتقلص، وهو ما نجم عنه إقرار قوانين حمائية من هذا النوع بعد عامين.

سطوة "السوشال ميديا"

في السنين اللاحقة، بدأت وسائط التواصل الاجتماعي تأخذ مكانتها المركزية التي تحوزها الآن في ميدان "الحراكات الرقمية"، وجاء دورها على العموم مُكملاً لدور وسائل الإعلام التقليدي، بدءاً من احتجاجات بورما التي أطلقت شرارتها على "فيسبوك" صفحة تدعو لمناصرة الرهبان البوذيين في مواجهة الحكم العسكري عام ٢٠٠٧، والتي أوصلت شواهد من الحدث إلى وسائل إعلام عالمية مثل "بي بي سي"، مروراً بـ"الثورة الخضراء" في إيران عام ٢٠٠٩ احتجاجاً على انتخاب أحمدي نجاد، والتي لعب فيها "تويتر" دوراً رئيساً.

لم يعنِ ذلك بطلان فاعلية أدوات رقمية أخرى خلال محطات احتجاجية في غير بقعة من العالم، وكان بعضها تقليدياً كحال رسائل الهواتف النقالة خلال تظاهرات مقاطعة شيامين الصينية عام ٢٠٠٧ ذات المضمون البيئي ـ الاجتماعي، والتي شارك فيها نحو مليون شخص اعتراضاً على عمل مصانع سامة في بيئات مأهولة، وبعضها الآخر أكثر تخصيصاً مثل تطبيق Ushahidi (ترجمتها "شهادة" باللغة السواحلية)، الذي عني برصد أماكن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان وتوثيقها جغرافياً من قبل شهود عيان، كما في كينيا إثر أحداث العنف اللاحقة للانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٨ وفي غزة أثناء الحرب الإسرائيلية عليها في ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩.

الربيع العربي... ذروة التأثير

لكن أحداث "الربيع العربي" في الشهر الأخير من عام ٢٠١٠ حسمت مسألة التأثير الذي بلغته وسائط التواصل الاجتماعي ومثلت ذروته. ففي تونس ثم مصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا، كانت الفضاءات الافتراضية مجالاً للدعوة والتحريض، عبر تكثيف مشاعر رفض السائد (السياسي والاقتصادي)، وبناء سرديات تُفند الموجود وتُقدّم بدائل مُتخيلة.

وقد فاض تأثير "الربيع العربي" بداية ليصل، وإن بشكل رمزي ومحدود، إلى دول غربية حتى. وفي هذا الإطار، يقدم كتاب Tweets and the Streets (غيرباودو، ٢٠١٢) مقارنة بين "ثورة يناير" ٢٠١١ في مصر، وبين حركة Indignados (أو "الغاضبون") الإسبانية المحتجة على أوضاع البلاد الاقتصادية السيئة وضيق سوق العمل وإجراءات التقشف الحكومية، وحركة Occupy Wall Street ("احتلوا وول ستريت") الأمريكية المناهضة لسياسات البيت الأبيض القائمة على دعم القطاعات المالية والمصرفية وأثريائها على حساب مصالح الطبقتين الوسطى والدنيا.

وبرغم اختلاف وسائل التواصل الرقمية المعتمدة في كل من هذه الحالات ("فيسبوك" أساساً في مصر و"تويتر" بشكل رئيسي في إسبانيا و"تمبلر" في الولايات المتحدة)، فقد تمثل التشابه بينها باتجاه الناشطين في كل منها إلى تحويل التجمع في الفضاء الافتراضي إلى تجمهر في ساحات مركزية عامة في مدن رئيسية، وصولاً إلى احتلال تلك الساحات، كما كانت حال "ميدان التحرير" القاهري و"بويرتا ديل سول" وسط مدريد وحديقة "زوكوتي" في نيويورك، علماً أن الاستراتيجية هذه اعتُمدت في عدد من دول "الربيع العربي" متى كان ذلك متاحاً، كحال "ميدان اللؤلؤة" في المنامة بالبحرين و"ميدان السبعين" في صنعاء باليمن وما سمي لاحقاً بـ"ميدان التحرير" في بنغازي بليبيا.

كما تمثل التشابه في "القيادة الناعمة" لناشطي الفضاء الرقميsoft leadership، الناجمة عن وجود أشخاص مؤثرين يديرون صفحات ومنصات إلكترونية، أحياناً بهويات شبحية، علماً أن ذلك لم يترجمه وجود قيادة هرمية عند تحوّل التجمع الافتراضي إلى تجمهر مركزي جاذب على الأرض.

هذا التجمع والتكثيف الاحتجاجي في الفضاء الافتراضي، ووجود قيادات ناشطة تمثل عقد ربط بين مئات الآلاف (سرعان ما تذوب عند تحوّل الاحتجاج الافتراضي إلى فعل مركزي ملموس) يمكن لحظُه في حراكات أخرى لاحقة لصدور الكتاب أيضاً، مثل تظاهرات "ميدان تقسيم" في تركيا عام ٢٠١٣ و"ثورة المظلات" Umbrella Revolution في ميدان Central في هونغ كونغ (والاثنتان حملتا دعوات إلى توسيع هامش الحريات في البلدين المذكورين)، كما يمكن لمسه في حراكات أخرى ذات مضمون بيئي ـ اجتماعي مثل "طلعت ريحتكم" إثر أزمة النفايات في لبنان عام ٢٠١٥.

وباستثناء فكرة التجمهر في ساحات مركزية، كانت السمات المذكورة حاضرة كذلك في حركة Black Lives Matter ("حياة السود مهمة") ذات النشاطات المتحركة على امتداد الولايات الأمريكية.

العبرة في اليوم التالي

في رده على سؤال حول تقييم الحراكات الاجتماعية وآثارها أثناء مقابلة تلفزيونية، يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، وهو الذي كان أحد المشاركين المتحمسين في حركة "احتلوا وول ستريت"، إن "اليوم التالي هو ما يهم". ذاك أن مقياس النجاح أو الفشل وما بينهما من تدرّجات، يتصل أساساً بقدرة الحالة الاحتجاجية على استبدال ما تقارعه ببدائل قابلة للحياة.

ويمكن الحديث هنا عن ثلاثة عوامل أساسية لجهة تقييم أثر الحراكات الاجتماعية والسياسية: أولها ما يتصل بالتنظيم؛ وثانيها بالقدرة على طرح بدائل ممكنة التحصيل؛ وثالثها بديمومة أثر هذه البدائل.

الثابت أن عدداً كبيراً من الحراكات المذكورة وصل إلى نتائج ملموسة، بمعزل عن مدى تطور البنية التحتية التقنية أو تأخرها، وبمعزل عن تشابه الأنظمة والبيئات المعنية أو تنافرها. لكن النتائج كانت، في معظم الحالات، آنية ومباشرة، برغم ضخامتها أحياناً.

وقد بدت هناك حاجة عموماً إلى تجاوز لحظة الحراك، لا الرقمي فحسب، بل ما ينجم عنه من فعل ملموس على الأرض، إلى شكل من أشكال التنظيم ذات البنى والآليات القادرة على حفظ الأثر وتجذيره (ثمة استثناءات هنا، كحالة إسبانيا مثلاً، التي وُلد من رحمها حزب "بوديموس" اليساري وخاض بقيادة زعيمه الشاب بابلو إغليسياس، أحد رموز حراك ٢٠١١، انتخابات ناجحة قارع فيها الأحزاب التقليدية وثبّت نفسه في المعادلة السياسية للبلاد).

لا يعني ذلك بالضرورة أن مبدأ "القيادة الناعمة" الذي يمكن لحظه في "الحراك الرقمي" لا يصلح، ولا أن الحاجة إلى قائد أو رمز ملهم أمر لا غنى عنه، إذ إن القيادة التنظيمية يفترض أن تكون مؤسسية أصلاً، فيما الحاجة إلى بروز أفراد أمر يرتبط بظروف كل حالة على حدة عموماً.

ويمكن القول إن معظم "الحراكات الرقمية"، بشكلها الماضي والحاضر، تشبه الفضاء الرقمي نفسه لجهة عدم ثباتها، فهي بنت اللحظة، وهي في حالة سيولة مستمرة. كما أنها، كظواهر، تنحو باتجاه التذرّر والفردانية individualism في ما يخص التنظيم، وتولي الشكل والجوانب التقنية (البصرية وغيرها) أولوية على حساب المضمون.

وبرغم أنها تشكّل قوة دفع قادرة على إحداث صدمة، بل أحياناً على المساهمة في تفكيك بنى اجتماعية وسياسية (كما في كثير من حالات "الربيع العربي")، إلا أنها، في معظمها، تبدو أعجز من القدرة على التركيب أو تحقيق البدائل. هذا أقله حتى يومنا هذا، أي بعد نحو عشرين عاماً على مباشرة التحضير، إلكترونياً، لـ"موقعة سياتل".


أستاذ مادة الإعلام في الجامعة الأمريكية في بيروت.

التعليقات

المقال التالي