خلافة أبو مازن... خشية من صراع بين "الورثة" يقود إلى حرب اغتيالات وسباق تنازلات

خلافة أبو مازن... خشية من صراع بين "الورثة" يقود إلى حرب اغتيالات وسباق تنازلات

يمرّ المشهد الفلسطيني بحالة من التوتر الشديد، ترقباً لما سيسفر عنه الصراع الذي يلوح بين عدد من قيادات حركة فتح على خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في ظل تدهور صحته وتلميحات إلى استبداله بمَن يقبل بصفقة القرن.

وبحال شغور منصب رئاسة السلطة، بالاستقالة أو الوفاة، تنص المادة 37 من القانون الأساسي الفلسطيني على أن يتولاه رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو منصب يشغله حالياً القيادي في حركة حماس عزيز الدويك.

في مارس الماضي، نشر المحلل السياسي والمدير العام ورئيس تحرير هيئة الإذاعة الإسرائيلية السابق يوني بن مناحيم تقريراً في مركز القدس للشؤون العامة قال فيه إن المجلس الثوري في حركة فتح قرر تغيير الدستور الداخلي للسماح لنائب رئيس الحركة محمود العالول بتولي مهام عباس إذا أصبح الرئيس غير قادر على الحكم، وذلك لمنع رئيس البرلمان الذي ينتمي إلى حماس من تولي هذا المنصب.

وكتب بن مناحيم: "بعض الذين يتنافسون على قيادة حركة فتح لديهم ميليشيات مسلحة. التوقع السائد هو أن صراعاً عنيفاً سينشب بين الميليشيات المختلفة حالما يصبح عباس غير قادر على الحكم أو يموت. والخطوة المتوقعة هي محاولة للسيطرة بقوة السلاح على مؤسسات السلطة في رام الله، مثل مجمع المقاطعة والبرلمان والراديو والتلفزيون".

حرب اغتيالات؟

يؤكد اللواء المصري شريف إسماعيل، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية سابقاً، احتمال وقوع صراعات مسلحة في فلسطين. ولكن برأيه، لن تكون على شكل صدامات بين مليشيات، ولكن قد تدخل فلسطين في حرب اغتيالات، مشدداً على أن إسرائيل ستلعب دوراً في ذلك وستوظف الأحداث لتهيئة الساحة بما يتمشي مع مصالحها، ليصل إلى رئاسة السلطة مَن يخدم سياستها أكثر ومَن سيكون قادراً على المضي في صفقة القرن.

وتوقّع إسماعيل أن الصراعات على الأرض ستكون بين تيار فتح الكلاسيكي الذي يضمّ قيادات تقليدية وبين تيار دحلان الذي يسمّي نفسه "التيار الإصلاحي"، مشيراً إلى إمكانية بزوغ نجم القيادي مروان البرغوثي ليحصد نتيجة الصراع القائم بين دحلان وباقي القيادات التقليدية، ومضيفاً أن ذلك سيكون المفاجأة التي لا يتوقعها أحد.

هل سيكون الصدام حتمياً؟

يؤكد الباحث والكاتب الفلسطيني أسامة عامر أن اختيار خليفة أبو مازن لن يكون سهلاً بل أكثر تعقيداً مما يتخيله البعض، لأن المنافسة تدور على خلافته في ثلاثة مواقع وهي رئاسة فتح والسلطة ومنظمة التحرير.

ويضيف أن الصدام وارد بالفعل في ظل انتشار أخبار ومعلومات حول نشاط لميليشيات تابعة لقيادات بفتح في المخيمات، ولا سيما في مخيمات الدهيشة وجنين.

وحذّر الباحث الفلسطيني من أن دحلان، بعد فصله من فتح، صدرت ضده مذكرات توقيف من القضاء وهو حالياً مطلوب من قبل أجهزة الأمن، لذا لن يُسمح له بدخول الانتخابات، وإذا جاء إلى الضفة ستحاول الشرطة القبض عليه، وهنا سيقع الاشتباك.

وتوقع أن يزداد المشهد توتراً خلال الأسابيع المقبلة إذ من المقرر أن تختار فتح قيادات جديدة في اللجنة المركزية، مؤكداً أن هناك حديثاً يدور بين القيادات حول استبعاد عدد من الشخصيات من بينهم مروان البرغوثي.

هل تقبل حماس بمخطط دحلان؟

تشير مصادر مقرّبة من "التيار الإصلاحي" إلى أن دحلان يعمل على إقناع حماس بتنازل عزيز الدويك عن منصب رئاسة المجلس التشريعي لشخصية محايدة كسلام فياض، كي تتولى قيادة السلطة حال استقالة أو وفاة أبو مازن، وتضمن منع ملاحقة دحلان أمنياً وتسمح له بالترشح في الانتخابات.

في تقرير آخر، يكشف بن مناحيم أن دحلان تمكن من إقامة معسكرات مسلحة في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية ولبنان، مضيفاً أن مصادر أمنية إسرائيلية، تؤكد أنه يسعى إلى أن يصبح الرئيس "بأي ثمن".

ويحظى دحلان بدعم اللجنة العربية الرباعية التي تضم كل من مصر والسعودية والأردن والإمارات لتولي رئاسة السلطة الفلسطينية.

يؤكد الباحث الفلسطيني في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أحمد قاسم حسين أن قوة دحلان تراجعت في الضفة الغربية، لكنه بالفعل يحظى بدعم من بعض شباب فتح في المخيمات، وقد حاول جرّهم إلى صدام مع السلطة في الضفة، لكنه فشل في ذلك، في إشارة منه إلى حوادث إطلاق النار التي وقعت في نابلس عام 2016، والتي اتهم محافظ نابلس أكرم رجوب دحلان بالوقوف وراءها.

أقوال جاهزة

شارك غردبعض الذين يتنافسون على قيادة حركة فتح لديهم ميليشيات مسلحة، وتخوفات من نشوب صراع عنيف بين الميليشيات المختلفة حالما يصبح أبو مازن غير قادر على الحكم أو يموت

شارك غردخلاف حول مَن سيخلف أبو مازن... والصدام وارد بين الطامعين في المنصب، في ظل انتشار أخبار ومعلومات حول نشاط لميليشيات تابعة لقيادات بفتح في المخيمات

ويشير إلى أن دحلان نقل تركيزه إلى غزة ويعتمد على بقايا أنصاره في القطاع والضفة، مضيفاً أنه فتح قنوات اتصال مع حماس في غزة لاستعادة الدور والنفوذ في الداخل الفلسطيني من بوابة القطاع.

فيتو أمريكي

يكشف بن مناحيم أن إدارة ترامب تبنّت وجهة نظر الإدارة السابقة بالوقوف ضد دحلان ومنعت دخوله إلى أمريكا بسبب تصريحاته حول إلغاء اتفاقية أوسلو، مؤكداً أن واشنطن أجرت اجتماعات مؤخراً بمشاركة مسؤولين عرب ومبعوث ترامب جيسون غرينبلات والسفير الأمريكي في تل أبيب دافيد فريدمان، لبحث مرحلة ما بعد عباس، واتهموا دحلان خلال الاجتماع بالعمل مع حماس.

من جانبه أكد القيادي في "التيار الإصلاحي" أيمن الرقب أن الفصيل الذي ينتمي إليه والشعب بأكمله لن يقبل برئيس فلسطيني جديد إلا عبر انتخابات، مشدداً على حق النائب محمد دحلان وحق كل مواطن في خوض هذه المنافسة عبر الصناديق سواء عارضته أمريكا أو دعمته.

وأكد الرقب أن دولاً إقليمية وأطرافاً عدة بدأت في طرح أسماء بديلة لأبو مازن مثل الرجوب وغيره، لكنهم جميعاً مرفوضون من قبل الشعب ومن قبل تياره ما دام لم يأتوا من خلال صندوق الانتخابات.

الرجوب... مرشح قطر ضد رجل الإمارات

يُعدّ أمين عام اللجنة المركزية في فتح جبريل الرجوب أكثر الطامحين لتولي رئاسة السلطة الفلسطينية، وهو يعمل على تنظيم وحشد أنصاره في محافظتي الخليل ونابلس التي يرأسها ابن عمه اللواء أكرم الرجوب، كما يساعده مدير مديرية القدس في الأمن الوقائي العميد وجيه الرجوب.

يؤكد هذه المعلومات المحلل الإسرائيلي بنحاس عنباري في مقال نشره في صحيفة معاريف الإسرائيلية وقال فيه إن قيادات في فتح يقومون بتسليح أنفسهم وحشد مُواليهم، استعداداً للصراع على كرسي السلطة، مضيفاً أن الرجوب يحشد عناصره في الخليل.

في تقريره المذكور سابقاً، يؤكد بن مناحيم، نقلاً عن مصادر في فتح، أن الرجوب يعتقد أن عباس سيتقاعد قريباً، ويرى في نفسه المرشح الأنسب لخلافته، ويحظى بدعم قطري في مواجهة دحلان مرشح الإمارات، مضيفاً أن الرجوب يشعر بقلق بالغ إزاء إمكانية أن يصبح دحلان رئيساً. وفي حالة صعود الأخير، سيضطر الرجوب إما إلى مغادرة الضفة، أو سيتعرض لملاحقة دحلان له ومحاكمته.

وكشفت مصادر فلسطينية أن الرجوب يجري اتصالات مع دول إقليمية قبل القمة العربية من أجل دعمه في المنافسة، ويطلب لقاء مسؤولين مصريين. وأكدت المصادر ذاتها أنه إذا فشل في الحصول على هذا الدعم، قد يعقد صفقة مع دحلان بعد رحيل عباس.

العالول... الأقرب إلى المنصب

يؤكد الكاتب الفلسطيني أسامة عامر أن محمود العالول هو الأقرب فعلياً لخلافة عباس في فتح ورئاسة السلطة ومنظمة التحرير، وذلك بعد أن تم تصعيده إلى منصب نائب رئيس الحركة.

وكشف يوني بن مناحيم أن العالول يعمل مع الرجوب، ضد كل من رئيس الوزراء رامي الحمد الله ومحمد دحلان، على الرغم من أنهما يتنافسان أيضاً على ذات المنصب.

ويضيف بن مناحيم: "العالول ينتمي إلى فصيل الصقور... ولديه خبرة كبيرة في المقاومة المسلحة والاغتيالات... فقد حاول قبل عامين اغتيال القيادي (عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الراحل) غسان الشكعة".

ويقدّم العالول نفسه عبر طرحه استراتيجية "المقاومة الشعبية" بدلاً من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، ويسوّق نفسه عبر حثه قادة فتح في الضفة على التواصل مع الناس والتصالح مع الشعب والشارع.

وألمح العالول في أول مقابلة أجراها مع صحيفة الشرق الأوسط في الأول من مارس 2017، بعد توليه منصبه كنائب لرئيس حركة فتح، إلى مسألة التعاون الأمني مع إسرائيل. وعندما سئل عن تخلي ترامب عن "حل الدولتين"، طرح مفهوم "الدولة الواحدة".

وتحدث بنحاس عنباري أيضاً عن العالول في مقاله بمعاريف مشيراً إلى أن النائب الرسمي لعباس يقوم بتحضير نفسه في منطقة نابلس.

من جانبه، دافع المتحدث باسم فتح جهاد الحرازين عن العالول، مؤكداً لرصيف22 أن "الأخ محمود العالول" جرى انتخابه ديمقراطياً من قبل أعضاء فتح ليكون نائباً للرئيس عباس، وفقاً للوائح ونظام الحركة الداخلي، وأن "أي حديث عن استخدام السلاح بين القيادات لفرض شخص في موقع شخص آخر سيكون مرفوضاً، لأنه لا يعبّر عن عقيدة فتح التي رفضت استخدام سلاحها ضد حماس في غزة".

وحول قبول فتح بدحلان رئيساً للسلطة في الضفة الغربية، رفض الحرازين التعليق، مؤكداً أن أبو مازن لا يزال في السلطة وأن الحركة لا تقبل بفرض أية شخصية، ومَن يريد رئاسة فلسطين لا يجب أن يفكر إلا بالانتخابات، أما السلاح فهو فقط ضد إسرائيل.

ترحيب أمريكي بمرشح عباس

بحسب تقرير بن مناحيم، سيدعم عباس مؤيده المخلص اللواء ماجد فرج، رئيس جهاز المخابرات العامة الذي تعرّض لمحاولة اغتيال في مارس الماضي.

ويؤكد الباحث الفلسطيني أحمد قاسم أن مؤسسات أوسلو في الضفة في حال غياب عباس قادرة على إنتاج بديل له بطريقة غير صدامية، لأن الصدام في الضفة الغربية لن تسمح به إسرائيل، وستطرح البديل.

حول هذه النقطة، يقول بن مناحيم أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قبلتا بفرج، بسبب تعاونه معهما وقيادته لحرب السلطة الفلسطينية على "الإرهاب" في الضفة الغربية، وهذا الأمر يُعتبر من الركائز الرئيسية لسياسات واشنطن وتل أبيب، ويضيف: "أثبت فرج نجاحه في هذا المجال بالتحديد".

إلى الآن، لم يتحدث الرئيس عباس عن البديل أو عن التنازلات التي تقترح قيادات فتح تقديمها لإسرائيل... فمَن سيكون خليفته؟ دحلان الذي يثير مجرّد طرح اسمه تساؤلات كثيرة؟ أم العالول الذي طرح حل الدولة الواحدة؟ أم ماجد فرج الذي يطلق عليه الفلسطينيون لقب "المتعاون" بسبب تنسيقه الأمني مع إسرائيل؟ أم جبريل الرجوب الذي قال إن حائط البراق لليهود؟


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي