غيّروا شكل الإعلام التقليدي... رؤساء وقادة يطبّقون نظرية "القط اللطيف"

غيّروا شكل الإعلام التقليدي... رؤساء وقادة يطبّقون نظرية "القط اللطيف"

في 28 مارس 2018، دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غرفة الطعام المجاورة للمكتب البيضاوي، ونشر من هناك تغريدة أعلن فيها عزل وزير المحاربين القدامى ديفيد شولكين من منصبه، وتعيين الطبيب روني جاكسون مكانه.

وشولكين هو حلقة من حلقات مسلسل الإقالات التي أعلنها ترامب عبر تويتر ليكون أول رئيس للولايات المتحدة يدير شؤون البلاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يكن ترامب القائد السياسي الأول الذي يعلن قراراً هاماً عبر تويتر. سبقه إلى ذلك حاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين أعلن إجراء تعديل وزاري في الإمارات في أكتوبر 2017.

اختلف هذان الإعلانان في الشكل والظروف. ولكن من الواضح أن المؤتمرات الصحافية لم تعد ضرورية لإبلاغ المواطنين بالقرارات المهمة.

تويتر كأداة دبلوماسية

وتستخدم تويتر كوسيلة تواصل اجتماعي رئيسية 276 شخصية سياسية بارزة موزعين على رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية 178 دولة تمثل 92% من الدول المنضوية في منظمة الأمم المتحدة. بينما يشكل فيسبوك ثاني وسيلة تواصل اجتماعي يستخدمها قادة الدول مع 169 صفحة رسمية تمثل حكومات.

في معظم الأحيان، تدير المكاتب الإعلامية وظيفة التغريد، بناء على توجيهات الرؤساء، بحسب وكيل كلية إعلام جامعة القاهرة الدكتور شريف درويش اللبان. لكن دونالد ترامب يشتهر بأنه يدير شخصياً حسابه على تويتر.

ويلجأ الرؤساء إلى تويتر في فترة ترشحهم للانتخابات الرئاسية، بهدف خلق روابط حميمية مع الناخبين ولتشكيل حلقات تفاعل معهم، مثلما فعل وترامب والرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وغيرهم كثر.

وفي أول تغريدة كتبها الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي قال: "مرحبا بالجميع، إني سعيد جداً بإطلاق حسابي على تويتر، شكراً لكن مَن يرغب في متابعتي". وأتى ذلك قبيل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2012.

ويؤكد الرئيس التنفيذي لشركة تويتر جاك دورسي أنه من المهم أن يتواصل المواطنون مباشرة من قياداتهم، عبر محادثات مفتوحة وليس خلف أبواب مغلقة.

وبحسب دراسة لـTwiplomacy نُشرت في 31 مايو 2017، فإن تويتر أداة دبلوماسية يستخدمها قادة العالم ويمكن من خلالها تحليل مستقبل العلاقات الدولية بين الدول لأنها الأداة الأكثر فعالية في التواصل.

وسائل إعلام "كاذبة"

يحمل كل من دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي ضغينة تجاه الإعلاميين ووسائل الإعلام التي يتهمونها بترويج أخبار كاذبة. وإن كان كلاهما يغرّدان بشكل منهجي عبر تويتر، إلا أن استخدام السيسي لتويتر لا يُقارن باستخدام ترامب له، خاصةً أن الأخير لا يستطيع تقييد حرية الإعلام.

أقوال جاهزة

شارك غردعام 2008، قدّم الباحث الأمريكي إيثان زوكرمان "نظرية القط اللطيف" لتفسير بعض اتجاهات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي... والآن، يطبّق قادة دول هذه النظرية

شارك غردقادة دول العالم عرفوا "المعادلة السحرية"... باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، حيث يقضي الناس معظم أوقاتهم وينشرون صور "قططهم اللطيفة"، يمكن الوصول إليهم بشكل أيسر

في أبريل 2017، قال ترامب لصحيفة فايننشال تايمز إنه بدون تويتر ما كان ليكون رئيساً لأمريكا. وقال في إحدى تغريداته: "لو كانت الصحافة تمنحني تغطية دقيقة وشريفة، لامتلكتُ سبباً أضعف بكثير لكي أغرّد. للأسف".

وبدأ الخلاف بين ترامب ووسائل الإعلام الأمريكية منذ مرحلة الانتخابات الرئاسية التي أوصلته إلى البيت الأبيض، حين راح يتهمها بالانحياز إلى منافسته هيلاري كلينتون.

ووجه السيسي، في كلمته بمناسبة افتتاح المرحلة الأولى من حقل "ظهر" للغاز الطبيعي من محافظة بورسعيد، رسالة إلى الإعلام تراوحت مضامينها بين التوجيه والعتب. وقال: "الإعلام عليه دور كبير، والإعلامي يجب أن يفهم ما تقوم به الدولة لكي يوصله إلى المواطن البسيط بلغة يفهمها، فلو وصلت المعلومة إلى المواطن بشكل خاطئ ‘هيجيله إحباط’"، مطالباً وسائل الإعلام بالتحقق مما تقوله.

وعدا القادة المتحاملين على وسائل الإعلام، يبرز نموذج القادة الذين يستخدمون تويتر للتقرب من شعوبهم وفتح قنوات تواصل معهم، ولعلّ أبرزهم عربياً الشيخ محمد بن راشد، الأكثر متابعة على تويتر من بين القادة العرب.

القط اللطيف

عام 2008، قدّم الباحث الأمريكي إيثان زوكرمان "نظرية القط اللطيف" في إطار تحليله للنشاط الرقمي وتفسيره لاتجاه مستخدمي المنصات الاجتماعية لأغراض غير التي صُنعت من أجلها، تحديداً لدعم الأنشطة السياسية.

ويقول زوكرمان إن الناشطين يستخدمون مواقع حيث تنشر الناس في العادة صور "قطط لطيفة"، لأنه ببساطة، هناك يتواجد الناس.

وبرأيه، فإن حث الناس على القيام بشيء ما سيكون أصعب إذا كان المطلوب إحضارهم إلى منصات معيّنة. ولكن باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، حيث يقضي الناس معظم أوقاتهم، يصل الناشطون إليهم بشكل أيسر.

عرف ترامب هذه المعادلة وصار حالياً أكثر زعيم عالمي متابعةً على تويتر مع 50 مليون متابع.

وتقول الأستاذة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة سهير عثمان لرصيف22 إن قادة العالم أدركوا مدى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتأثير في عقول الشباب والتقرّب منهم بدون المرور عبر قنوات الإعلام التقليدي التي فقدت مصداقيتها عند الشباب.

وأعلنت مؤسسة CrimsonHexagon المعنية بتحليل وسائل التواصل الاجتماعي أنه حين عزل ترامب وزير خارجيته ريكس تيلرسون عبر منصة تويتر في 13 مارس 2018، كان قراره من أكثر المواقف التي تمت مناقشتها مؤخراً مستدرجاً 564 ألف محادثة على تويتر في يوم واحد.

فقدان بريق السبق الصحافي

تشير مجلة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا في نيويورك إلى أن تغريدات ترامب كانت سبباً في تقليل قدرة الصحافيين على تحقيق سبق صحافي.

وفي ظل لجوء الرؤساء إلى الشبكات الاجتماعية، يخسر الصحافيون أمراً آخر هو سحر المقابلة الصحافية وما تتضمنه من معلومات جديدة، كما تؤكد الكاتبة الصحافية صفاء فيصل، مديرة مكتب هيئة الإذاعة البريطانية في القاهرة.

وتؤكد ذلك دراسة "كولومبيا ورناليزم ريفيو" التي خلصت إلى أن تغريدات ترامب تسببت في عزوف الصحافيين عن إجراء مقابلات صحافية معه لأنه يكرر ما يقوله عبر تويتر ولا يضيف شيئاً جديداً.

مشاركة الشباب في الحياة السياسية

يقضي ترامب ساعات عدة يومياً على شبكات التواصل الاجتماعي لمتابعة الأحداث والتفاعل مع متابعيه، بحسب ما نقله موقع أكسيوس الإخباري عن جدول عمل البيت الأبيض المسرب إليه.

وأدرك الجيش المصري مدى أهمية منصات التواصل الاجتماعي عقب ثورة يناير 2011، والتي لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً رئيسياً فيها، فدشّن المجلس العسكري صفحة على مواقع التواصل تخص أول متحدث عسكري رسمي في مصر لخلق قناة اتصال مباشرة مع الشباب، حسبما يوضح لرصيف22 الدكتور شريف درويش اللبان.

ويقول اللبان إن السيسي أيقن حجم الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة السياسية و"لإطلاع الشباب بصفة مستمرة على "الإنجازات والمشاريع إيماناً منه بسرعة الاتصال الفعال عبر هذه الوسائل".

ويشير شريف اللبان إلى أن النسبة الأكبر من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي هي من الشباب، ولذلك يسهّل التواجد عليها التواصل معهم "ما يسهل خلق حالة من الثقة والمصداقية معهم".

أكثر زعماء العرب نفوذاً

دشن الشيخ محمد بن راشد حسابه على تويتر في يونيو 2009، والآن يتابعه أكثر تسعة ملايين شخص، ليصبح بذلك أول حاكم في الشرق الأوسط يمتلك منصة إعلامية اجتماعية، قبل أن تصير مصدراً تستقي منه وكالات الأنباء العالمية بعض أخبارها الخاصة بالإمارات.

ويوضح شريف اللبان أن الشيخ محمد بن راشد تمكن من أن يصبح أكثر الزعماء العرب نفوذاً وتأثيراً على تويتر إذ تحظى تغريداته بتفاعل كبير وأصبحت محط اهتمام ليس فقط في الخليج بل في العالم أجمع.

ويعتبر الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أكثر قائد عالمي فعالية على تويتر استناداً إلى معيار عدد إعادة تغريد تغريداته. فعام 2017، بلغ معدل إعادة تغريد ما كتبه أكثر من 154 ألف مرة.

ويتابع 6.82 مليون شخص الملك سلمان، ليكون ثالث أكثر شخصية سياسية عربية متابعةً خلف بن راشد وملكة الأردن رانيا العبد الله (10.5 مليون متابع).

تويتر أرض خصبة للسياسة

تشير الدكتورة سهير عثمان إلى أن هناك فوارق في استخدام القادة للإعلام التقليدي أو الإعلام الاجتماعي، وتقول: "الرئيس يجب أن يجري لقاءات على التلفاز وفي الإعلام التقليدي لمناقشة ميزانية الدولة والاستراتيجيات التي يصعب التقرب من خلالها إلى الجمهور عبر منصة تويتر".

وتعتبر أن تويتر مناسب جداً للحديث عن المشاريع التي تُدشَّن، وهو ما يفعله السيسي ومحمد بن راشد، لتحقيق نوع من التواصل والتفاعل مع المتابعين.

تغيّرت علاقة الإعلام بالجمهور وباتت عملية صناعة الإعلام اليوم معكوسة. في البداية كانت وسائل الإعلام التقليدية وسيطاً بين المُرسل والمستقبل، ولكن وسائل التواصل الاجتماعي حلّت مكانها اليوم.

ويلاحظ أي معني بعالم الأخبار الصحافية هذا الأمر إذ يعرف أن حسابات القادة على وسائل التواصل الاجتماعي هي الوسيلة الأسرع لمعرفة أخبارهم وقراراتهم، قبل وكالات الأنباء وقبل حتى محطات التلفزة.


إبراهيم عيد

صحافي مصري حاصل على درجة البكالوريوس في الإعلام من جامعة القاهرة وعمل في مواقع مصرية مختلفة.

التعليقات

المقال التالي