الأولوية للحريات الفردية أم للقضايا "الكبرى"؟... سجال لم يُحسم بعد في المغرب

الأولوية للحريات الفردية أم للقضايا "الكبرى"؟... سجال لم يُحسم بعد في المغرب

في السنوات الأخيرة، طُرحت مسألة الحريات الفردية في المغرب في إطار سجالي بين فريق يدافع عنها ويرى أنها حاجة ملحة وأولوية للمغاربة وفريق آخر يتشبث بما يسميه "القضايا الكبرى"، كمحاربة الفساد وتوفير الخدمات الاجتماعية من تعليم وطبابة مجانيين أولاً وقبل أي شيء آخر.

هذا السجال يتجدد كلما أبدى مفكّر أو ناشط مغربي دفاعه عن الحريات الفردية، لا سيما تلك المرتبطة بالجنس والمعتقد. ففي بحر الأسابيع الماضية أثار رأي صادر عن الناشط في المجتمع المدني نور الدين عيوش موجة انتقادات عارمة، خاصةً في صفوف التيار المحافظ، بسبب دعوته لتكريس حرية الجسد والمعتقد بدون قيود دينية أو وصاية مؤسساتية من المجتمع أو الدولة، معتبراً أن هذه الحريات ضرورية وتشكل أولوية للمغاربة أكثر من أية حقوق أخرى.

المعارضون لطرح عيوش وغيره من مؤيدي الحريات والحقوق الفردية يرون أن هذه الأفكار طوباوية ولا تتناسب مع هوية وقيم المجتمع المغربي، وتوقيت طرحها حالياً غير مناسب بحكم أنها مجرد قضايا ثانوية لا تمثّل أولوية قياساً بـ"القضايا الكبرى".

وفي المقابل، ينتقد أصحاب ما يوصف إعلاميا بـ"التيار الحداثي" معارضيهم المتمسكين بأولوية "القضايا الكبرى" ويقولون إن الحريات الفردية هي المنطلق لمعالجة باقي القضايا مهما كان وزنها أو تأثيرها المجتمعي.

ما الأولوية؟

يحاجج المدافعون عن "القضايا الكبرى" كأولوية على الحريات الفردية بكونها تشمل هموماً تمس المواطن المغربي في معيشته وتعليمه وصحته وسكنه.

لا ينكر الكاتب والباحث إدريس الكنبوري، وهو أحد المدافعين عن هذا الطرح، أهمية الحريات الفردية في حياة المغاربة، لكنه يتحدث عن أولويات.

ويقول لرصيف22 إن "التخلف والفساد وسوء التدبير السياسي وفشل النماذج التنموية التي يسجلها المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم تفرض علينا وضع جدول من المهام ذات الأولويات، أي لا بد لنا من توفير الحقوق الأساسية والاجتماعية والاقتصادية وأن يتمتع المغربي بالكرامة والعدالة والسكن والعمل، وطبعاً من ضمن هذه الحقوق كلها توجد الحريات الفردية".

يختلف رئيس جمعية تنوير جواد الحاميدي مع طرح الكنبوري، ويوضح لرصيف22 أن "الحريات الفردية هي الأَوْلَى، وبعد ذلك بإمكاننا أن نناقش القضايا الكبرى، إذ لا يمكننا أن نبني دولة الحق والقانون بدون تلك الحريات ولن نؤسس دولة على مقومات الحداثة بدونها".

كثيراً ما يرى مؤيدو "القضايا الكبرى" أن المطالبة بالحريات الفردية في المغرب هي مجرد ترف وكماليات، في ظل ما يسجله البلد من تخلف اجتماعي وفساد سياسي، وسط بيئة اجتماعية لا تسمح بتطبيق مثل هذه الحريات على أرض الواقع.

"تصبح الحريات الفردية ترفاً، بل وحالة من الفوضى والتوحش في ظل ما يعيشه بلدنا من تخلف، لذلك فهي لن تُحقَّق إلا بإرساء مجموعة من المكاسب السياسية والمدنية والاقتصادية"، يقول الكنبوري.

ولكن الحاميدي يعتبر أن الحريات الفردية ليست ترفاً "بل هي مسألة ملحة وضرورية لأنها تمنح المغربي الحرية في اختياراته في عقله وجسده ووجدانه"، موضحاً أن "الحريات الفردية معطى أساسي مثله مثل الأكل والشرب والحاجات المعيشية".

من ناحيته، يتحفظ المحلل السياسي والباحث في العلوم الاجتماعية عبد الرحيم العلام بشدة على مصطلح "القضايا الكبرى"، مؤكداً أنه "لا توجد قضايا كبرى وأخرى ثانوية".

ويقول لرصيف22: "المغربي يحتاج إلى ممارسة حرياته الفردية والمدنية بشكل متوازي مع حقوقه الاقتصادية والسياسية، ولا توجد أولوية، ويجب أن يكون النضال بشكل متوازٍ بين الاثنين وبدون تجزئة".

أقوال جاهزة

شارك غرديعتبر تيار واسع من المغاربة أن الأولوية هي للقضايا "الكبرى" مثل بناء الوطن والدولة ومحاربة الفساد، أما التركيز على الحريات الفردية فهو ترف وكماليات و"سفاسف"... ما رأيك؟

شارك غردالحريات الفردية... مطلب ضروري يمكّن تحقيقه المواطنين من التفكير في صياغة مستقبل أفضل؟ أم طرح عقيم مفروض علينا من قبل منظمات أجنبية غرضها إلهاء الناس عن "القضايا الكبرى"؟

وبرأيه، "إذا تحقق النظام الديمقراطي العادل فهو بالضرورة سيضمن هذه الحريات، والعكس أيضاً، فعندما يناضل المغربي من أجل الحريات الفردية والمدنية سيساهم نضاله في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي".

الحريات الفردية... الآن أم في ما بعد؟

لم تكن مسألة الحريات الفردية تُطرح بشكل ملح في المغرب في العقود السابقة. فمنذ نيل البلد استقلاله من المستعمر الفرنسي، أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت نخبة مغربية تطرح أفكاراً وعناوين كبرى سميت آنذاك بـ"القضايا الوطنية"، كبناء الدولة ومؤسساتها والخيار الديمقراطي والتعليم ومحاربة الفساد وسؤال الحداثة، إضافة إلى قضايا أخرى ما زالت متجددة كتمكين المرأة في المجتمع. لكن مع مرور الزمن باتت الحريات الفردية تفرض نفسها كمطلب يقابله فريق من المغاربة بكثير من التحفظ أو الاعتراض.

ويقول الكنبوري: "بعد استقلال المغرب، طُرِحَت القضايا الكبرى ذات الأولوية. فعندما تحدثت الحركة الوطنية عن الحريات الشخصية، كما سماها علال الفاسي في الخمسينيات، كانت مرتبطة ببناء الوطن والدولة. الآن تخلفنا وتخلينا عن هذا البرنامج فبدأنا نذهب إلى القضايا الجزئية، إلى نوع من السفاسف، وهذا ما أدى إلى هبوط المستوى الثقافي والفكري في البلد".

واعتبر الكنبوري أن تكريس الحريات الفردية مرتبط بمهام بناء الدولة الحديثة والهوية الوطنية والمواطن والكرامة، مضيفاً أن "النقاش الحالي حول هذا الموضوع ليس بنّاءً، بل هو عقيم ومفروض علينا من قبل منظمات أجنبية غرضها إلهاء الناس عن القضايا الكبرى".

لا يتفق الحاميدي مع هذا الحديث، مؤكداً أن "الحريات الفردية ليست مرتبطة بعامل الزمن، إذ لا يمكننا أن ننتظر عقوداً أخرى حتى نعالج القضايا الكبرى وبعد ذلك نمنح للفرد تلك الحقوق".

وأشار الحاميدي إلى أن الأحزاب المغربية تتعاطى مع ملف الحريات الفردية كمزايدات سياسية ومن منطلق حسابات ضيقة، "والحزب الذي يناقش هذه القضية في البرلمان يتعرض للهجوم وأحياناً للإساءة، لذلك فمعظم الأحزاب السياسية ليست لديها الجرأة لإثارة الموضوع".

وأضاف: "السلطة من جهتها لا تعير اهتماماً للقضية ولا تكثرت بها إذ أن ذلك سيجعلها تصطدم مع السواد الأعظم من فئات المجتمع، وهي خائفة على مصالحها لأنها مدركة أن معظم المغاربة هم في صف المعارضين لها".

غالباً ما يُعاتَب المدافعون عن الحريات الفردية بكونهم يختزلونها في حريتي الجنس والمعتقد فقط. من هذه النقطة يرى الكنبوري أن المشكلة هي في أنه تم حصر الحريات الفردية في المثلية والإفطار في رمضان وحرية المعتقد، وهذا الأمر، برأيه، لن ينقل المجتمع المغربي خطوة إلى الأمام، مطالباً مؤيدي هذا الطرح بأن يوسّعوا نطاق المفهوم.

ويقف العلام على مسافة واحدة من الطرفين منتقداً الذين يقزّمون حريات الإنسان الفردية إلى "الجانب الشهواني"، على حد تعبيره، ومعترضاً في ذات الوقت على فكرة تقديم القضايا الكبرى على الحريات الفردية أو العكس.

على أية أرضية ستؤسَّس الحريات الفردية؟

يؤكد الناشط ورئيس جمعية تنوير أن الحريات الفردية ستؤسَّس على التزامات المغرب الدولية من اتفاقيات ومواثيق دولية وشراكات مع الاتحاد الأوروبي ومؤسسات ومنظمات دولية تطالبه باحترام تلك الحريات، كما أن الدستور هو بمثابة مرجع للحريات.

"يبقى الإشكال في القانون الجنائي الذي يجرّم بعض الممارسات المندرجة في إطار الحريات الفردية وهو ما يحتاج إلى إلغاء"، يردف الحاميدي.

ويعتقد المحلل السياسي والباحث في العلوم الاجتماعية عبد الرحيم العلام أن الأرضية التي ستؤسَّس عليها هذه الحريات هي إرساء دولة محايدة مدنية تضمن حريات المغاربة بشكل مريح وبدون التدخل في شؤونهم الخاصة.

مَن يحسم السجال؟

"المجتمع بكل أطيافه لا ولن يستطيع أن يحسم موقفه من هذا السجال"، يقول الحامدي، مجيباً على سؤال عن مَن سيحسم السجال، ويضيف: "فقط إرادة الدولة هي مَن سيحسمه لأنها وقّعت على اتفاقيات وقوانين ومجبرة على تنفيذها".

من جهته، يرى الكنبوري أن هذا السجال يخضع للإيديولوجيا "إذ هناك نوع من الصدام الوهمي بين تيارين يؤدي الى عدم الوصول إلى نتائج معيّنة".

ويضيف: "الحريات الفردية يجب أن تخضع لحوار وطني بين النخبة المسؤولة التي يجب أن تحترم وجهة نظر الآخر وتؤمن بالاختلاف وتتفق على نوعية القيم والحريات الفردية التي نريدها في المجتمع على أساس ألا نفرّط في مكاسب الهوية والتراث، وفي ذات الوقت لا نفرط في مكاسب الانتماء إلى العصر".

ويستبعد العلام أن يحسم المجتمع موقفه من هذا السجال "لأن هذا أمر مختلَف فيه تاريخياً، في الماضي وفي الحاضر، وسيبقى وسيستمر".


صحفي و كاتب مقالات في الصحف والمواقع العربية كصحيفة رأي اليوم الإلكترونية وألترا صوت والسفير العربي، حاصل على باكالوريوس (ليسانس) صحافة.

التعليقات

المقال التالي