رومانسية وتعلّق بأمجاد الماضي وإعجاب بالخصوم... الشعارات الانتخابية في لبنان تبتعد عن السياسة

رومانسية وتعلّق بأمجاد الماضي وإعجاب بالخصوم... الشعارات الانتخابية في لبنان تبتعد عن السياسة

تطغى الشعارات الانتخابية على المشهد العام في لبنان حالياً، وتحرص كل القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات المنتظرة في السادس من مايو القادم على عرض بضائعها الشعاراتية بأكبر قدر ممكن من الكثافة والتكرار.

تعيد معظم الشعارات إنتاج واقع القوى السياسية الحالية، وتمثّل في عمقها ودلالاتها صورة أمينة عن دفتر الأحوال اللبناني، وتقدّم استعراضاً لطبيعة العلاقات بين مختلف القوى السياسية، وبينها وبين الناس.

نظرة على ما تقوله الشعارات في ظاهرها وما تضمره في باطنها، تثبت أن المطلوب من الانتخابات النيابية المقبلة تكريس الواقع الحالي وتثبيته، والتأكيد على الخروج من السياسة، والتركيز على عناوين عريضة، غائمة في معظمها.

فتيار المستقبل يلجأ إلى البعد الطقسي المدموغ بصبغة دينية عبر خرزته الزرقاء. ويستعمل حزب الله معادلة الحماية والبناء فيما تسترخي حركة أمل في ظلال لبنان الأمل. ويستعيد التيار الوطني الحر نغمة الرئيس القوي...

هذا الابتعاد الذي لا يمكن إلا أن يكون مقصوداً عن السياسة كرّس واقعاً شعاراتياً مأزوماً وبارداً، يعبّر عن علاقات القوى القائمة، ويفسّر منطق تفكيرها، ويقدّم صورة عامة عن واقع الأحوال في لبنان.

ثنائية صراعية بين ريفي وتيار المستقبل

"صوتك غالي صوتنا عالي"، هو شعار يرفعه وزير العدل السابق أشرف ريفي الذي يمارس في مواجهته مع تيار المستقبل لعبة الإيحاء بالثبات على المواقف، والتأكيد على رفض التسويات مع حزب الله.

يحاول ريفي أن يسرق من المستقبل جمهوره عبر تركيب شعاره على شعار سابق كان سبق للتيار الأزرق أن أطلقه في حملته الانتخابية عام 2009. يعلن أن الصوت الغالي هو صوت رفض وصاية حزب الله على البلد وهو الصوت الذي ينسبه إلى الجمهور الناخب.

وينسب إلى نفسه الصوت العالي، القادر على إدارة شؤون إيصال صوت الناس الغالي إلى درجة من العلو يصير معها مسموعاً ولا يمكن تجاهله، بعكس ما فعل تيار المستقبل بإرادة الناس حين ركن إلى التسوية التي سلّمت البلد إلى حزب الله.

يرد تيار المستقبل على طريقته الخاصة. فبعد أن بات اللعب على وتر شهادة رئيس الحكومة الأسبق ومؤسسه رفيق الحريري غير ممكن، في ظل التفاهم مع حزب الله المتهم باغتياله، اعتمد التيار مقاربة تسعى إلى تفسير مواقفه وترد على خصومه.

يزعم التيار الأزرق أنه يستكمل مسار مؤسسه التاريخي الذي يعطي الأولوية لحماية البلد بوصفها هدفاً أسمى تهون التضحيات والتنازلات في سبيل تحقيقه، ويأتي شعاره "نحنا الخرزة الزرقا يللي بتحمي لبنان" في هذا السياق.

يبرّر تيار المستقبل مسار التسوية مع حزب الله بأنه لم يكن تنازلاً أو انحرافاً عن الثوابت كما يدّعي ريفي، بل إعادة تأكيد على عنوان حماية لبنان، ويكرر هذا العنوان مع شعار الخرزة الزرقاء بصيغ مختلفة.

وتأتي الخرزة الزرقاء بعد ذلك لتخاطب وعياً عاماً بات يطرح بقوة أسئلة حول هوية تيار المستقبل وماذا يمثل. وبما أنه لا يمتلك جواباً واضحاً في الاقتصاد، والسياسة، والأمن، والمصير، فإن الخرزة الزرقاء كفيلة بلجم الأسئلة والإحالة إلى مأثور شعبي.

لائحة العزم... البراغماتية المطلقة

يتجنّب رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، في حملته الانتخابية، مخاطبة خصومه مباشرة، ويكاد يشهر علناً هويته كرجل أعمال يغلّب خطاب المصلحة على أي خطاب آخر.

لم يعتمد ميقاتي في مواجهة المستقبل وريفي لغة الحفاظ على الثوابت وما إلى ذلك، على الرغم من أن سجالاته السابقة مع تيار المستقبل كان يغلب عليها طابع التأكيد على حرصه على الطائفة السنية.

يخاطب ميقاتي الناخب قائلاً له: انتخبني وحسب، وساعتها يمكن أن ننجز الحلول، وهو ما يعبّر عنه شعار لائحته الانتخابي "صوتك هو الحل". يعد وعداً مبطناً بايجاد الحلول إذا فاز في الانتخابات، وبدون أن يحدد ما هي المشاكل.

إنها لعبة التاجر الشاطر الذي يريد شراء بضاعة الفوز الانتخابي مقابل بيع الوعود.

أقوال جاهزة

شارك غردنظرة سريعة على ما تقوله الشعارات الانتخابية في لبنان تثبت أن المطلوب من الانتخابات النيابية المقبلة هو تكريس الواقع الحالي وتثبيته، والتأكيد على الخروج من السياسة

شارك غردقراءة في الشعارات الانتخابية في لبنان... القوى المعارضة تبدو وكأنها تطالب القوى الحاكمة بالانسحاب المجاني من ساحة المعركة، أو تطالبها بإصلاح ذاتها، بشكل يتضمن اعترافاً بمرجعيتها واستبطاناً لسطوتها

التيار الوطني الحر وحزب الله... أحلام تكاد تتطابق

على الرغم من أن التحالف بين حزب الله والتيار الوطني الحر لا يشمل كل الدوائر الانتخابية، وعلى الرغم من ارتفاع وتيرة الخلافات بينهما في بعض الدوائر، إلا أن طموح التكامل والذوبان في منطق حزب الله وبعده الشعاراتي، والرغبة في التكامل الوجودي معه، يكاد يسم خطاب التيار الوطني الحر الانتخابي المتطابق في دلالاته مع منطق شعارات حزب الله.

"التيار القوي للبنان القوي" هو الشعار الانتخابي للتيار الوطني الحر الذي يعتبر أن كل ما يحصل عليه من مكاسب هو بمثابة تحصيل لحق مستحق له بفضل قوته الذاتية التي تجعله ركناً فاعلاً من أركان المعادلة اللبنانية.

وتضاف إلى ذلك فكرة القوة المستمدة من التراث العسكري لمؤسسه الذي كان قائداً للجيش اللبناني. وبالتالي، يعمل التيار على ربط فكرة القوة بنمط خاص من العسكرة، محاولاً وضع كل ذلك في سياق شعاراتي يتماهى مع خطاب حزب الله الذي ينادي بالحماية والبناء ويرفع شعاره الانتخابي "نحمي ونبني".

يؤكد خطاب التيار على فحوى خطاب حزب الله وعلى معادلة الجيش والشعب والمقاومة، مدعياً أنه يستكملها مع حزب الله دون الحاجة إلى أي مكون آخر.

الكتائب والمردة والقوات... في أسر التاريخ

يتبع شعار حزب الكتائب "نبض التغيير" سياقات الإيحاء بالتجديد الذي ينادي به رئيسه النائب سامي الجميل، مع "نبض الحرية، نبض السيادة، نبض بكرا"، محاولاً أن ينفض التراث العتيق للحزب الذي كان أحد أبرز الأحزاب التقليدية في الحياة السياسية اللبنانية.

يلعب الجميّل على أحد شعارات التيار الوطني الحر الذي لطالما وصف نفسه بأنه حزب الإصلاح والتغيير ليقول إنه ممثل نبض التغيير في حين بات التيار الوطني الحر مرتمياً في أحضان السلطة وممثلاً للفساد والركود.

يتبعه في السياق نفسه حزب القوات اللبنانية في شعاره "صار بدا" الذي يركّب عليه عدداً من المطالب التي تمثل خطابه، فمرة يكون "صار بدا دولة مش دويلة"، ومرة "صار بدا حصرية السلاح بإيد الجيش"، في محاولة للتأكيد على الاختلاف مع التيار الوطني الحر وحزب الله.

وفي الوقت الذي يسترجع فيه تيار المردة التاريخ ويعد بالثبات في المستقبل، في شعاره "نحنا مبارح ونحنا بكرا"، فإن القوات تراهن على ضرورة التعاطي مع الحاضر الذي تنسب إلى نفسها القدرة على تغيير أحواله.

واللافت أن كل التيارات المسيحية تستبطن لاوعياً عسكرياً ما في صلب تكوينها. ويشمل هذا المنطق المردة، والكتائب، والقوات، والتيار الوطني الحر بشكل يقلل دائرة التعارض الفعلي بينها، ويضع تنافسها في إطار ضيق ومحاصر بالتاريخ.

حركة أمل... الاسترخاء في ظلال القوة

يمثل شعار حركة أمل الانتخابي لحظة تستحق الدرس، فالحركة المتحالفة بشكل عميق مع حزب الله لا تحاول الركون في شعارها الانتخابي إلى منطق القوة والعسكرة، بل تكاد تبدو مسترخية في ظل قوة حزب الله، قانعة بدورها ومصيرها.

"لبنان الأمل" شعار يحيل إلى منطق شعري غنائي أكثر من تركيزه على معركة انتخابية. ولعل رئيس الحركة ورئيس المجلس النيابي نبيه بري يريد من خلال هذا الشعار الإيحاء بعدم وجود معركة فعلية، وبأن الامور لا تستدعي أي نوع من أنواع شد العصب، لذا جاء الشعار الناعم استجابة لواقعيته ودرايتة بمآلات الأمور.

لبنان الأمل هو غير لبنان القوي الذي ينادي به التيار الوطني الحر، ولعل الرئيس بري يغمز من قناة التيار معتبراً أن القوة الفعلية هي في الحلف المتكامل بينه وبين حزب الله. وبالتالي، فإنه لا داعي للتأكيد على المؤكد وعرض العضلات، بل إن القوي هو مَن يسترخي وينتسب إلى الأمل في حين أن المتشنج هو مَن يبادر إلى الاستعراض.

المجتمع المدني... الرومانسية الشعائرية

تعتمد لوائح "تحالف وطني" وهو تحالف يضم بالأساس بعض الوجوه من المجتمع المدني شعار "كلنا وطني" مع تفريعات للمرشحين من قبيل شعار المرشحة عن لائحة التحالف في دائرة بيروت الأولى بوليت ياغوبيان "بيكفي".

تلجأ شخصيات المجتمع المدني إلى منطق الرومانسية وتخاطب روحاً جماعية افتراضية عبر اعتماد صيغة لفظية مركبة على مفردات النشيد الوطني اللبناني.

ويعتمد حزب سبعة المنبثق من رحم المجتمع المدني شعار "ابتسامة وطن" بشكل يتكامل مع المنطق الرومانسي العام الذي تطرحه باقي تشكيلات المجتمع المدني، والذي تحرص فيه على إقامة تناقض بين ابتسامات النخبة المنضوية تحت جناحه وعبوس التيارات السياسية التقليدية.

حرص حزب سبعة على توصيف نفسه مؤخراً بأنه أصبح حزباً سياسياً يتحالف مع المجتمع المدني، ولكنه يعتبر منتجاً للرومانسية التي صبغت منطق ولوج شخصيات المجتمع المدني إلى العملية الانتخابية ووعودها بتحويل البلد إلى وطن مبتسم.

قوى الاعتراض على حزب الله... استبطان سطوته

تعتمد إحدى المجموعات المواجهة لحزب الله في دائرة الجنوب الثالثة شعار "شبعنا حكي". يستفيد مطلقو هذا الشعار من أخطاء الثنائية الشيعية الحاكمة، ولكن لا يبادرون إلى طرح مشروع متكامل وبديل.

وتعتمد أبرز لوائح الاعتراض على حزب الله في دائرة بعبك الهرمل، لائحة "الكرامة والإنماء"، شعارات مثل "تاريخنا مقاوم وكرامتنا تفرض حقنا بالإنماء". وبذلك، تحاول الركون إلى شعارات موازية لشعارات حزب الله مع الإيحاء بأنها تناقضها في الاتجاه.

شعار حزب الله هو "نحمي ونبني"، أي نقاوم ونعتني بالإنماء، وهو عين ما يقوله شعار اللائحة المنافسة.

المفارقة أن هذه القوى تبدو بشكل أو بآخر وكأنها تطالب القوى الحاكمة بالانسحاب المجاني من ساحة المعركة، أو تطالبها بإصلاح ذاتها، بشكل يتضمن اعترافاً بمرجعيتها واستبطاناً لسطوتها. فالصيغة الاحتجاجية هي صيغة لا يمكنها إثبات خصوصية مشروع مواجهة.


التعليقات

المقال التالي