"استغلّونا رغم تكفيرهم لنا"... أقباط يروون تجاربهم السياسية مع إسلاميي مصر

"استغلّونا رغم تكفيرهم لنا"... أقباط يروون تجاربهم السياسية مع إسلاميي مصر

طبع التوتر علاقة الجماعات الإسلامية المصرية بالأقباط منذ وقت طويل، بسبب اعتقاد تلك الجماعات بـ"كفرهم" وبسبب رفعها شعار "لا ولاية لمسيحي على مسلم"... وبرغم ذلك، تعاونت بعض الجماعات الإسلامية مع أقباط سياسياً، خاصةً بعد الربيع العربي، ونسجت معهم علاقات يرى البعض أنها لم تهدف سوى إلى استغلالهم لخدمة أهدافها وأجنداتها الخاصة.

الإخوان... التجربة الأوسع

يروي القيادي الإخواني السابق إبراهيم ربيع أن العلاقة المباشرة بين جماعة الإخوان المسلمين والأقباط ظهرت بشكل بارز في فترة ما بعد ثورة يناير عام 2011، واستمرت بعد ثورة 30 يونيو عام 2013 وما تلاها من أحداث يصفها البعض بالانقلاب.

ويقول لرصيف22 إن تلك العلاقة "كانت نفعية، إذ استغل الإخوان بعض المسيحيين لخدمة أغراضهم". فمثلاً، أثناء تأسيس الجماعة "حزب الحرية والعدالة" عام 2011 احتاجت إلى ضم أعضاء مسيحيين في حزبها لأن القوانين المصرية تمنع تأسيس أحزاب دينية، وكان من بينهم رفيق حبيب الذي اختير نائباً لرئيس الحزب.

وكان رفيق حبيب قد ساهم في تأسيس حزب الوسط عام 1996 وهو حزب أسسته مجموعة من قيادات الإخوان السابقين، على رأسهم أبو العلا ماضي.

يشير ربيع الذي نشط لأكثر من 30 عاماً داخل تنظيم الإخوان قبل أن يتركهم عام 2011، إلى أن "آراء الإخوان في الأقباط داخل التنظيم شيء، وما يقال في الإعلام شيء آخر، فهم يؤمنون من داخلهم بأن الأقباط كفار وعليهم دفع الجزية للمسلمين أو دخول الإسلام"، مشيراً إلى أن مرشد الإخوان الخامس مصطفى مشهور كان يردد هذا الكلام في دروسه.

ويضيف أن قول الإخوان أمام وسائل الإعلام إن الأقباط شركاء في الوطن، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، ينبع من حرصهم على شكل الجماعة أمام الغرب.

ولكن القيادي الإخواني محمد سودان يرفض هذا الكلام ويقول إن "مسألة الكفر أو اللاكفر عرّفها كثيرون من علماء الإخوان، فلفظ الكافر يُطلق علي أي كافر بأي شيء فالمسلم في نظر المسيحي كافر والعكس صحيح".

وبخصوص علاقة التنظيم بالأقباط يقول: "نحن نتعامل مع الأقباط على أنهم شركاء وطن ويجب أن نتعاون معهم وأن يتعاونوا معنا من أجل رفعة هذا الوطن، وهذا ما فعلناه، بدليل دعوتنا لهم للمشاركة في حزبنا السياسي، واختيارنا أحدهم مستشاراً للرئيس مرسي".

حبيب الذي خاض تجربة سياسية لعلّها الأبرز لقبطي مع الإخوان، يشرح أن موافقته على تولي منصب نائب رئيس حزب الحرية والعدالة تعود إلى قناعته بـ"أن البرامج السياسية القائمة على المرجعية الحضارية الإسلامية هي الأكثر تعبيراً عن المجتمع، لأنها القائمة على هوية المجتمع المصري سواء مسلمين أو مسيحيين".

تجربة أخرى بارزة في مسار علاقة الأقباط بالإخوان كان بطلها سمير مرقص الذي عُيّن مستشاراً للرئيس الأسبق محمد مرسي لشؤون التحوّل الديمقراطي.

ولكن هذه التجربة لم تعمّر طويلاً ولم يستمر مرقص في منصبه إلا ثلاثة شهور واستقال في ديسمبر 2012، بعدما فوجئ بمرسي يصدر قرارات دون استشارته، ومنها إطلاقه إعلاناً دستورياً، كما تحدّث عن تلقيه تهديدات من الإخوان حتى يتراجع عن الاستقالة حرصاً على الشكل، إلا أنه رفض ذلك.

رامي جان: "استغلّوني"

بعد عزل الإخوان عن حكم مصر، شاركت مجموعة من الأقباط مع الجماعة في معارضتها للنظام الجديد، ومن ضمن هؤلاء الناشط القبطي رامي جان الذي عاد مؤخراً إلى مصر وراح ينتقد الإخوان.

جان أعلن تأييده للإخوان بعد أحداث 3 يوليو 2013، وعمل معهم من تركيا قبل أن يعود إلى مصر في منتصف مارس الماضي معلناً اعتذاره عن دعمهم.

يقول جان لرصيف22 إن دعمه للإخوان لم يكن لأسباب مصلحية بل لإيمانه بقضيتهم. أسس الناشط القبطي عدداً من الحركات لدعم الإخوان منها حركة صحافيون ضد الانقلاب، وحركة مسيحيون ضد الانقلاب.

وبعد فترة طالبه الإخوان بالسفر إلى تركيا والعمل في قنواتهم، وبالفعل سافر إلى هناك، وقام بتقديم برنامج باسم "غربة" على قناة الشرق الإخوانية.

يقول جان لرصيف22 إن الإخوان وظفوه كمسيحي يستغلون ديانته في مخاطبة الغرب لدعم قضية الجماعة. ويضيف أنهم أشركوه في جلسات مع مسؤولين في الكونغرس الأمريكي والبرلمان البريطاني كانوا يزورون تركيا ليحدثهم عن دعم الأقباط للإخوان.

ويشير إلى أنه بعد انتهاء هذا الاستغلال همّشوه من خلال منعه من حضور الاجتماعات الهامة الخاصة بهم، وعدم الاهتمام برأيه في ما يتعلق بالمسيحيين المصريين بل وأحياناً كانت تتم مهاجمة الأقباط على شاشات الجماعة رغم أنه واحد منهم.

ويروي أنهم كانوا كلما اعترض على تلك الأمور يرفعون في وجهه الآية القرآنية الشهيرة: "لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وأنهم بدأوا في ما بينهم يروّجون لفكرة أن مسيحيته تمنعه من أن يكون واحداً من الإخوان.

أقوال جاهزة

شارك غرد"هذه التجربة أفشل تجربة خضتها في حياتي ولا زلت أدفع ثمنها حتى الآن"... عن تجارب الأقباط داخل أحزاب إسلامية مصرية

شارك غرد"استغلوا ديانتي في مخاطبة الغرب لدعم قضية الإخوان، فأشركوني في جلسات مع مسؤولين في الكونغرس الأمريكي والبرلمان البريطاني... وبعد ذلك همّشوني"... عن تجارب الأقباط داخل أحزاب إسلامية مصرية

ولكن محمد سودان يعتبر أن ترك رامي جان تركيا وعودته إلى مصر هو قرار شخصي منه وأن الخلاف مع الجماعة "هو مَن اصطنعه، ولا يمكن أبداً أن يعبّر عن وجود اضطهاد إخواني للمسيحيين بدليل أن الإخوان دائماً ما يؤكدون أن الأقباط هم فصيل من نسيج الشعب المصري، وشركاء في الوطن يحتاجون الدعم أكثر وأكثر، ولهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دون أي تمييز، حتى أن من حقهم الترشح للرئاسة والفوز بها".

إلا أن المحامي القطبي سعيد فايز يعتبر أنه "من الظلم أن يتحدث أحد عن وجود علاقات قوية بين الإخوان والمسيحيين، خاصة أن الأقباط الذين تعاونوا مع الإخوان يُعدّون على أصابع اليد الواحدة، والجميع تبرأ منهم وأكد أنهم لا يمثلون الأقباط".

وأوضح فايز لرصيف22 أن الأقباط المصريين كانوا عقبة كبيرة أمام الإخوان أثناء ترشحهم لرئاسة مصر عام 2012 إذ دعموا المرشح المنافس لمرسي، الفريق أحمد شفيق، وكان الإخوان يخشون من أصواتهم التي كادت أن تقلب الموازين وتمنح الفريق أحمد شفيق منصب الرئاسة.

الدعوة السلفية... تكفير وترشيح

يؤمن السلفيون في مصر، وبالأخص المدرسة السلفية في الإسكندرية المعروفة باسم الدعوة السلفية وذراعها السياسي حزب النور، بكفر الأقباط ويعلنون هذا الأمر بشكل واضح وصريح في فتاويهم ومؤلفاتهم، كما يؤكد لرصيف22 المحامي والحقوقي نجيب جبرائيل.

ويؤكد جبرائيل أن الأمر لم يقف عند حد التكفير بل وصل إلى حد تحريم تهنئتهم بأعيادهم، الأمر الذي دفعه إلى رفع 22 دعوى قضائية على مشايخ سلفيين بتهمة ازدراء الدين المسيحي، ولكن لم تتم محاكمة أي سلفي حتى الآن.

وفي السياسة، حرّم السلفيون مشاركة المسيحيين، وحرّموا تولي مسيحي رئاسة الجمهورية، أو حتى منصب وزير، تحت شعار "لا ولاية لمسيحي على مسلم".

ولكن حين أتى استحقاق الانتخابات البرلمانية عام 2014 ضمّ السلفيون عدداً من المسيحيين إلى قوائم "حزب النور"، في ظل اشتراط المادة الخامسة من قانون مجلس النواب وجوب وجود أقباط في القوائم الانتخابية لقبول أوراقها.

كان من ضمن هؤلاء سوزان سمير، السياسية السابقة في حزب الوفد، ونادر الصيرفي الناشط الحقوقي المسيحي.

تروي سوزان سمير لرصيف22 تجربتها وتقول: "كنت سعيدة جداً بتجربتي مع الحزب السلفي، وكنت أتواصل مع قيادات الحزب بشكل مستمر إبان التجهيز للانتخابات وبالأخص دكتور أشرف ثابت، عضو الهيئة العليا".

ولكن بعد انتهاء الانتخابات تغيّر كل شيء. تروي: "فوجئت بتجاهلهم لي وعدم ردهم على اتصالاتي بل وأحياناً كنت أذهب إلى مقر الحزب فيتهربون مني، فأدركت أن الأمر كان نفعياً من أجل الانتخابات فقط، وتيقنت من أن هذا الحزب قائم على أساس ديني كما أخبرني الجميع في السابق دون أن استمع إليهم لرغبتي في خوض هذه التجربة ومحاولة تغيير نظرة الإسلاميين لنا كمسيحيين وهو ما فشلت فيه في النهاية".

نادر الصيرفي انضم هو الآخر إلى قائمة حزب النور في الانتخابات، ودافع في السابق عن خياره، إلا أنه قال الآن لرصيف22 في كلمات قليلة رافضاً أن يستطرد فيها: "هذه التجربة أفشل تجربة خضتها في حياتي ولا زلت أدفع ثمنها حتى الآن".

الجماعة الإسلامية... استباحة وتعاون

في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، اشتهرت عمليات سرقة محلات الذهب الخاصة بالأقباط من قبل أعضاء في الجماعة الإسلامية بهدف شراء أسلحة وذخائر لتنفيذ عمليات إرهابية وفقاً لما قاله نجيب جبرائيل.

وعام 1997، أعلنت الجماعة الإسلامية وقف العنف ضد الدولة. وبعد ثورة 25 يناير عام 2011، أسست قيادات الجماعة "حزب البناء والتنمية"، وفتحوا الباب أمام مشاركة الأقباط فيه إلا أن لا أحد منهم انضم إليه، بسبب تاريخهم الطويل في الاعتداء على المسيحيين.

ويقول القيادي في حزب البناء والتنمية طارق فكري إن حزبه وجماعته تخليا عن أي عنف تجاه الأقباط، وفتحا صفحة جديدة معهم بدليل مؤتمرات الحزب المدافعة عنهم مثل مؤتمر "لا للتفكير لا للتكفير" الذي عقده الحزب في مايو 2014 لرفض فتاوى استهداف الأقباط، هذا بجانب إطلاق مبادرة "أمة واحدة" الداعية للتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين عام 2012.

ولكن القيادي السابق في حزب البناء والتنمية منتصر عمران يعتبر أن الجماعة والحزب يحاولان استغلال الأقباط للهروب من حل الحزب قضائياً، من خلال تقديم مستندات هي عبارة عن بيانات ومؤتمرات عقدها الحزب في الفترة ما بين عامي 2011 و2013 ويرفضون فيها تكفير الأقباط، ويحرّمون استهدافهم أو الإساءة إليهم.

"بقيت النظرة وتغيّرت العلاقة"

يشير الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية هشام النجار إلى أن نظرة الإسلاميين للأقباط بعد ثورات الربيع العربي "لم تتغيّر"، ويقول لرصيف22: "لا يزالون ينظرون اليهم كأهل ذمة وكمواطنين من الدرجة الثانية ولا يزال موقفهم ثابتاً من قضية تولي المسيحيين أية مناصب عليا في السلطة، والذي تغيّر في العلاقة هو المصلحة السياسية إذ وجد الإسلاميون أنفسهم أمام ضرورة التعامل مع الأقباط لتسهيل نشاط أحزابهم والتلميح للغرب بأنهم تغيّروا بخلاف الحقيقة".


صحافي مصري مهتم بملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

التعليقات

المقال التالي