منهم قضاة ومحتسبون وأئمة... كيف كانت الرشوة طريقاً لتولي المناصب في التاريخ الإسلامي؟

منهم قضاة ومحتسبون وأئمة... كيف كانت الرشوة طريقاً لتولي المناصب في التاريخ الإسلامي؟

كان كُتّاب يحيى بن ميمون الحضرمي الذي تولى قضاء مصر عام 723 لا يكتبون قضية إلا برشوة، فكُلّم يحيى في ذلك أكثر من مرة فلم ينكره ولكنه لم يعزل منهم أحداً. وعندما علم الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان (691 – 743) بالأمر، أمر بصرفه من وظيفته قائلاً في كتابه إلى والي مصر الوليد بن رفاعة: "اصرف يحيى عما يتولاه من القضاء مذموماً مدحوراً، وتميز لقضاء جندك رجلاً عفيفاً، ورعاً تقياً، سليماً من العيوب لا تأخذه في الله لومة لائم".

هذه الرواية التي ذكرها أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في "كتاب الولاة وكتاب القضاة" ما هي إلا مؤشر على دور الرشوة في عمل بعض أصحاب الوظائف الدينية وعلى رأسها القضاء، وهي أمر ظل حاضراً في عصور تالية، ووصل إلى ذروته في عصر المماليك، كأسلوب عمل أو كوسيلة يتوخّاها البعض لتولّي هذه المناصب.

العباسيون... قضاة يرشون ويرتشون

في العصر العباسي، بذل القاضي حسين بن محمد الهاشمي، سنة 863، مئتي ألف درهم من أجل الحصول على قضاء البصرة، فأُخُذ منه المال ولكنه لم يُقلد شيئاً، ما دعا المؤرخ ابن تغري بردي إلى التعليق في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" متشفياً: "يرحم الله مَن فعل معه ذلك وخاتله، ويرحم مَن يقتدي بفعله مع كل ما يسعى في القضاء بالبذل والبرطيل".

و"البذل" و"البرطلة" من الألفاظ الشائعة في المصادر التراثية العربية. وعلى الرغم من أن اللفظ الأول يعني لغوياً العطاء والكرم، إلا أن المقصود به في هذه المصادر هو الرشوة، وذلك على العكس تماماً من اللفظ الثاني الذي يعني صراحة الرشوة، إذ يقال تبرطل أي ارتشى، حسبما يذكر الدكتور أحمد عبد الرازق في كتابه "البذل والبرطلة زمن سلاطين المماليك".

ويشير الكندي إلى أن العصر العباسي لم يخلُ من قضاة عُرفوا بتقاضي الرشوة مثل عبد الرحمن بن عبد الله العمري الذي ولي قضاء مصر عام 801، ومحمد بن الحسن بن أبي الشوارب المتوفي سنة 960 والذي "لم يكن محموداً في ولايته ومنسوباً إلى الارتشاء في الأحكام"، وكذلك محمد بن بدر الصيرفي المتوفي سنة 941.

الإخشيديون... البذل أسهل طريق للقضاء

وتطوّرت ظاهرة الارتشاء مع الوقت، وبرزت ظاهرة بذل الرشى بهدف تولي الوظائف الدينية بشكل جلي في عهد الدولة الإخشيدية. وروى الكندي أن عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي كان مجاوراً بمكة ووصل القاهرة، فاجتمع به الشهود وحسّنوا له أن يتسلم القضاء فسعى في ذلك، فأجاب كافور الإخشيدي (905- 968) طلبه بعد أن بذل له مالاً.

واقعة أخرى رواها الكندي تتعلق بالقاضي عبدالله بن محمد بن الخصيب، قاضي مصر. يقول: "وضع كتاباً مزوراً على الخليفة في حق أبي طاهر الذهلي قاضي دمشق، فعزله كافور وأضاف قضاء دمشق إلى ابن الخصيب. ورغم أن أبي طاهر سارع بإرسال كتاب من بغداد إلى كافور موضحاً له الأمر ومبيناً له أن هذه الكتب مزورة ومدسوسة عليه، إلا أن كافور لم يرجع في قراره، بسبب تقرب ابن الخصيب منه بمال أهداه له".

أقوال جاهزة

شارك غردهل تتذمرون من الفساد ومن دور الرشوة في الوصول إلى بعض المناصب وفي إجراء بعض المعاملات وصدور بعض القرارات؟... إليكم بعض الأخبار من تاريخنا

شارك غرد"البذل" و"البرطلة" من الألفاظ الشائعة في المصادر التراثية العربية. وعلى الرغم من أن اللفظ الأول يعني لغوياً العطاء والكرم، إلا أن يُفيد معنى الرشوة، فيما يعني اللفظ الثاني صراحة الرشوة

ويبدو أن حب كافور للمال وما عُرف عنه من تناول الرشوة شجع عبد الله بن أحمد بن شعيب المعروف بابن الوليد، قاضي مكة الذي عُرف بخبرته في السعي والبذل، على المسارعة بعد موت ابن الخصيب إلى الحصول على منصبه السابق (أي قضاء مصر)، فبذل لكافور ثلاثة آلاف دينار. لكن الشهود وأعيان مصر أصروا على تولية أبي طاهر الذهلي قاضي دمشق المعزول، والذي كان قد دخل مصر عام 901 بعد عزله، وبقي فيها حتى وفاة ابن الخصيب. وعبثاً حاول كافور التخلص من هذا المأزق وذلك الإصرار، ورضخ في النهاية إلى تقليد أبي طاهر منصب القضاء مضحياً بالمبلغ المعروض عليه، حسبما روى الكندي.

الفاطميون... كبح جشع القضاة

ولم يبتعد بعض قضاة العصر الفاطمي عن تلقي الرشى، بل شاعت بينهم لدرجة أن الخليفة الحاكم بأمر الله (985 – 1021) أمر بأن يضاعف للحسين بن علي بن النعمان رزقه وإقطاعاته، حتى يحول بينه وبين أخذ الأموال بغير حق، يروي الكندي.

الأيوبيون... مناصب مسيحية بالرشوة

عرفت الرشوة طريقها أيضاً إلى الوظائف الدينية المسيحية في العصر الأيوبي. نقل عبد الرازق ما ذكره المقريزي في كتاب "السلوك في معرفة الدول والملوك" من أن سنة 1235 شهدت تنصيب الأنبا كيرلس بطريركاً على الإسكندرية لليعاقبة (فرقة مسيحية) عن طريق السعي والبذل. ويروي كيف أن حبه للرئاسة وجمع المال أثار عليه المقربين منه، فقام عليه ابن الثعبان الراهب وذكر مثالبه.

ودلل الراهب على أن "كيرلس شغل منصبه بالرشوة، وبالتالي لا تصح كهنويته"، ومالت معه جماعة وعقدوا له مجلساً بحضور الصاحب معين الدين (وزير السلطان الصالح نجم الدين أيوب) وأثبتوا عليه أموراً شنيعة وعزموا على خلعه، لولا أن قام الكُتاب والمستوفون بديار مصر وتحدثوا مع الصاحب معين لصالحه، فقبل أن يستمر على بطريركيته مقابل مبلغ من المال يحمله إلى السلطان وهكذا استطاع هذا البطريك أن يشتري منصبه مرة ثانية حتى وفاته سنة 1242.

وفي المقابل، لم تنجح بعض محاولات بذل المال من أجل تولي القضاء. ذكر عبد الرازق، مستنداً إلى رواية عبد الله بن محمد بن سالم الملقب بـ"ابن واصل" في كتابه "مفرج الكروب في أخبار بني أيوب"، أن عبد الكريم البيساني بذل أربعين ألف دينار للعزيز بن صلاح الدين في عام 1194 من أجل تولي قضاء الإسكندرية، وكان رسوله في ذلك الأمير فخر الدين جهاركس الذي بذل له أيضاً خمسة آلاف دينار.

رفض العزيز العرض في وقت كان في غاية الحاجة إلى المال، وقال للأمير فخر الدين: "أعد المال إلى صاحبه وقل له إياك والعود إلى مثلها، وعرفه أني إذا قبلت هذا منه، أكون قد بعت به أهل الإسكندرية وهذا لا أفعله أبداً".

المماليك... بيت المال والحسبة وإمامة الصلاة بالبرطلة

وفي العصر المملوكي، وصل بعض قضاة الشافعية إلى مناصبهم عن طريق البذل كبدر الدين الكردي السنجاري وبدر الدين محمد بن أبي البقاء سنة 1377، بحسب ما كتب الدكتور عبد الخالق خميس في دراسته "الفساد الإداري والمالي في مصر في عصر دولة المماليك البحرية".

وأتت أول إشارة على تولي قاضٍ مالكي لهذا المنصب بالبذل سنة 1380، حينما حاولت السلطنة عزل متوليه علم الدين سليمان البساطي المالكي عن منصبه، فبذل أموالاً للسلطنة مقابل استمراره فتحقق له ما أراد.

وشهدت مدن مصر وقائع مشابهة. تولى فخر الدين بن مسكين قضاء مدينة الإسكندرية ببذله 25 ألف درهم أيام سلطنة الناصر محمد بن قلاوون، وذلك بحسب ابن بطوطة في كتابه "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار". وذكر المقريزي أن شمس الدين أحمد بن السديد الأسنائي تولى قضاء مدينة قوص سنة 1304 ببذله مئتي ألف درهم وقيل ثمانين ألف، ذكر خميس.

غير أن بعضاً ممن تولوا هذه الوظيفة لم يبذل عليها مالاً خاصاً به، وإنما برطل بأوقاف المسلمين. ينقل الدكتور محمد أمين في كتابه "الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر 648 – 923هـ (1250 – 1517م)" عن ابن حجر العسقلاني أن "القاضي كمال الدين ابن العديم (ت 1408) لم يكتف بما خرب من أوقاف كان يديرها، وإنما تنازل لابنه ناصر الدين محمد (ت 1416) عن تدريس الخانقاوتين المنصورية والشيخونية، وأوصاه أن لا يفتر عن السعي في القضاء، فامتثل ورشى أهل الحكم حتى استقر فيه بعد أبيه، وصار يرشي الأمراء بأوقاف الحنفية ويؤجرها بأبخس أجرة، ليكونوا عوناً له على مقاصده".

ولم تخرج وكالة بيت المال من قائمة الوظائف الدينية التي طالتها الرشوة. روى محمد بن إياس الحنفي في كتابه "بدائع الزهور في وقائع الدهور" أن السلطان الغوري ولّى هذا المنصب في أوائل سنة 1512 لشرف الدين بن روق نظير خمسة آلاف دينار حتى استخف الناس عقله لبذله مثل هذا المبلغ في ما لا طائل منه.

ويستشف عبد الرازق من ذلك أن هذه الوظيفة لم تكن مربحة لصاحبها، بدليل أن الناس استخفوا عقل شرف الدين لبذله مثل هذا المبلغ الضخم عليها.

ومع ذلك شاع البذل على هذه الوظيفة في بلاد الشام. ذكر صلاح الدين الصفدي في كتابه "الوافي بالوفيات" أن الصاحب تقي الدين بن هلال توجه إلى مصر في أيام سلطنة الكامل شعبان وبذل له ثمانين ألف درهم حتى رتبه في وكاله بيت المال والحسبة بالشام، إلا أنه لم يعمر فيها طويلاً، فقد صرفه المظفر حاجي بعد توليه السلطنة سنة 1346، بعد أن بُذل عليها ألف دينار.

ولم تشهد وظيفة دينية تزاحماً عليها من الباذلين مثلما شهدت الحسبة. ذكر الدكتور محمد حلمي سالم في كتابه "اقتصاد مصر الداخلي وأنظمته في العهد المماليكي" أن المحتسب منذ عهد السلطان سيف الدين برقوق (1336 – 1399) أصبح يُعيّن بالبراطيل.

وفي عام 1406 عُيّن أربعة محتسبون خلال شهر واحد، وذلك لأن هؤلاء الأربعة تنافسوا على المنصب، فكان كل مَن أراده لنفسه يعرض مبلغاً أكبر من المبلغ الذي عرضه سابقه، فيناله ثم يقوم آخر فيصرف الذي قبله، حسبما ذكر ابن حجر العسقلاني في "إنباء الغمر بأنباء العمر".

وكمقابل للبراطيل التي كان المحتسبون يدفعونها كانت الدولة تغمض عينيها عن تصرفاتهم، فيبدأ الواحد منهم منذ اللحظة التي يتولى فيها منصبه في فرض الإتاوات على التجار والباعة لكي يعّوض ما بذله من مال، أو ما سيبذله في المستقبل من رشوة وهدايا لأتباع السلطان ليتمكن من البقاء في الوظيفة، ذكر سالم.

وبُذل على هذه الوظيفة في إحدى المرات عشرة آلاف دينار، وقد بذلها شمس الدين بن يعقوب سنة 1317 على هيئة هدايا قدمها للسلطان المؤيد شيخ، ومع ذلك لم يمكث فيها سوى ستة أشهر، كتب عبد الرازق نقلاً عن ابن حجر.

ولم يختلف الأمر في مشيخة الشيوخ التي كان لا يتولاها غير فرد واحد في الديار المصرية وكانت له الرئاسة على جميع شيوخ الخوانق في مصر والشام، ولو أنه وجد منصب شيخ شيوخ في دمشق أيضاً، بحسب عبد الرازق.

وظهرت هذه الوظيفة في عهد صلاح الدين الأيوبي حين أسس الخانقاة الصلاحية سنة 1173، وكان لا يولى على هذه الخانقاة إلا أعاظم رجال الدولة.

لكن الحال تغيّر في زمن سلاطين المماليك بعد أن سرت الرشوة إلى هذا المنصب. ففي سنة 1386، روى ابن حجر أن شهاب الدين الأنصاري سعى في هذه الوظيفة وبذل عليها ثلاثين ألف درهم، فتولاها.

وشاع البذل على التدريس في المشيخة الشيخونية التي استقر فيها ناصر الدين بن العديم سنة 1409 بعد أن سعى فيها بالأموال الجزيلة، إلا أنه لم يعمّر فيها طويلاً فسرعان ما خرج إلى الحج بعد أن استناب فيها الشهاب بن سفري، فانتهز الشرف التباني الفرصة ووثب عليها وانتزعها منه في العام نفسه، بحسب ما كتب شمس الدين السخاوي في كتابه "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع".

ولم تنجُ إمامة الصلاة التي كانت تتبع السلطان مباشرة من البرطلة. سجل المؤرخ ابن إياس حالتين في هذا السياق: الأولى سنة 1516 عندما استقر فيها شمس الدين السكندري عوضاً عن الشيخ محب الدين الشاذلي بحكم وفاته، بعد أن سعى فيها بنحو ألف ومئتي دينار؛ والثانية في نفس العام أيضاً عندما خُلع بها على شهاب الدين بن الرومي بعد وفاة السكندري مقابل ألف دينار للسلطان الغوري.

وطال البذلُ خطابة القدس الشريف. روى ابن حجر أن السائح الرملي استقر في هذه الوظيفة سنة 1399، عوضاً عن ابن غانم النابلسي، ببذل ثمانين ألف درهم.


التعليقات

المقال التالي