السعودية والإخوان المسلمون... من مرحلة الدعم والحماية إلى مرحلة الاجتثاث

السعودية والإخوان المسلمون... من مرحلة الدعم والحماية إلى مرحلة الاجتثاث

بعد أقل من أسبوع، من المقابلة الصريحة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع المذيعة الأمريكية نورا أودونيل، في برنامج 60 دقيقة، والتي تعهد فيها بالقضاء الكامل على ما تبقى من فكر جماعة الإخوان المسلمين في مدارس السعودية، تحركت وزارتا التعليم والشؤون الإسلامية بشكل سريع لتحويل تلك التعهدات إلى أفعال.

ابن سلمان أكد أن المدراس السعودية تعرّضت لغزو من عناصر الإخوان، وأن البعض منهم ما زال موجوداً فيها.

وكانت وزارة التعليم قد شرعت، قبل عدة سنوات، في إعادة صياغة مناهجها التعليمية لمحو أي تأثير لجماعة الإخوان المسلمين فيها، كما أنها تعمل على إبعاد كل مَن يتعاطف مع الجماعة، في أي منصب بالقطاع التعليمي، وخاصة في الجامعات ذات التوجه الديني.

وتنص خطة الوزارة الجديدة على تنقية المناهج التعليمية من الفكر الإخواني، عن طريق أعادة صياغتها بشكل كامل وإزالة الفكر المتطرف منها، واستبعاد كوادر الجماعة عن المؤسسات التعليمية، ووضع خطة لملاحقة فكر الجماعة في كافة الأماكن.

قبل أيام، كشف المتحدث باسم الوزارة مبارك العصيمي أن الوزارة استبعدت عدداً من المنتسبين إليها من معلمين وأعضاء هيئة تدريس، لتأثرهم بأفكار جماعات محظورة ومصنفة إرهابية، منها جماعة الإخوان المسلمين وغيرها، مؤكداً في بيان رسمي على أن "قرارات الإبعاد لا تتم جزافاً"، وإنما بتنسيق مع الجهات الأمنية وبعد التحري والتحقق، لافتاً إلى أن "مَن يثبت تورّطه يُستبعد على الفور".

وكشفت مصادر في وزارة التعليم لرصيف22 أنها تعكف حالياً على مراجعة الكتب الموجودة في المكتبات الجامعية، لمصادرة الكتب المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المتشددة.

وكان وزير التعليم قد أصدر في ديسمبر 2015، قراراً يقضي بسحب نحو 80 كتاباً من المكتبات التابعة للوزارة، منها كتب سيد قطب وحسن البنا ويوسف القرضاوي.

تعاون وزاري

وعلى خط موازٍ، كشفت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد عن أنها بدأت في أبعاد الأئمة والخطباء الذين يثبت أن لهم صلة بالإخوان أو تعاطفاً معهم أو ميولاً لأفكارهم.

وبحسب نائب وزير الشؤون الإسلامية توفيق السديري، أبدت وزارته استعدادها للتعاون مع وزارة التعليم من أجل مراجعة المناهج الدراسية، "للتأكد من خلوها من أفكار جماعة الإخوان".

يعترف الخبير في التعليم فهد الزويد بصعوبة نجاح خطة الوزارة، لكونها تحتاج إلى سنوات طويلة، ويقول لرصيف22: "كانت كتب سيد قطب تُدرَّس في الجامعات السعودية، وتُعتبر جزءاً من الثقافة الإسلامية لعقود، ولن يكون من السهل إزالتها من العقول في يوم وليلة، ولا حتى في أشهر. الأمر يحتاج إلى سنوات طويلة قبل إعادة المنطق إلى العقول".

ويشدد الزويد، وهو مدير مدرسة ثانوية في العاصمة الرياض، على أن أهم مظاهر تأثير الإخوان المسلمين في المناهج، كانت تتجلّى في إظهار سيد قطب والبنا على أنهما "شهيدين"، وفي تقديمهما كـ"بطلين"، والإشادة بكتبهما، ويضيف: "سيكون من الصعب بعد عقود من التمجيد، إقناع الجميع بأن الإخوان كانوا على ضلال مبين".

ويلتقي مع هذا الرأي الناقد والأديب الدكتور سعيد السريحي. ففي مقالة كتبها في صحيفة عكاظ السعودية، قال إن "المهمة ليست بالسهلة اليسيرة بعد أن تمكن هذا التفكير خلال ما يزيد على ثلاثين عاماً من التغلغل في مفاصل التعليم، بدءاً من المناهج والنشاطات الصفية واللاصفية وانتهاءً بجذب كثير من كوادر التعليم الذين تحولوا إلى أدوات لبث هذا الضرب من التفكير بين الطلاب والطالبات، بدءاً من المراحل الأولى للتعليم وانتهاء بالتعليم الجامعي"، إلا أنه أضاف: "على الرغم من صعوبتها، لا يجب أن تتأخر عاماً واحداً".

القصة منذ البداية

في أكتوبر الماضي، أكدت هيئة كبار العلماء السعودية أن الخلاف مع الجماعة ليس في المسائل البسيطة فقط، بل "الخلاف معهم في المنهج قبل أن يكون في المسائل".

لم يكن التغيّر السعودي الجذري في التعاطي مع الإخوان وليد اليوم. في مارس 2014، قطعت السعودية كل الحبال مع الجماعة، بعد أن صنفتها بشكل رسمي، وعبر مرسوم ملكي، جماعة إرهابية، وجرّمت التعامل معها.

بدأت العلاقة بين السعودية وجماعة الإخوان المسلمين قبل ثمانين عاماً، وتحديداً عام 1936، عندما التقى حسن البنا وعدد مع أتباعه بالملك عبد العزيز.

أقوال جاهزة

شارك غردبدأت العلاقة بين السعودية وجماعة الإخوان المسلمين قبل ثمانين عاماً، وتحديداً عام 1936، عندما التقى حسن البنا وعدد مع أتباعه بالملك عبد العزيز...

شارك غردالسعودية تعمل على اجتثاث الفكر الإخواني... "كان من حيلهم التلبس بالسلفية في إطار حزبي يخدم أجندتهم ويوسع انتشارهم"

منذ ذلك الوقت، مرّت علاقة السعودية بالإخوان بالكثير من المحطات. وفي ورقة بحثية كتبها عبد الله بن بجاد العتيبي، تطرّق الباحث السعودي في الحركات والتيارات الإسلامية إلى محطات العلاقة بين الجانبين، موضحاً أنها شهدت خلافاً مبكراً عندما دعم الإخوان الثورة في اليمن عام 1948، في وقت عارضتها السعودية بشدة، فبدأ الملك عبد العزيز يأخذ حذره من حسن البنا الذي توفي بعد ذلك بعام.

وبعد ثورة يوليو 1952، حارب الرئيس المصري جمال عبد الناصر الإخوان المسلمين، واعتقلهم وأعدم قياداتهم، ففر كثيرون منهم إلى السعودية، في عهد الملك سعود، وبنت المملكة علاقات جيدة مع أفراد من الجماعة، وليس مع التنظيم ذاته، ثم في عام 1971، أقام الإخوان مؤتمراً في مكة في موسم الحج.

وينقل العتيبي عن مرشد الإخوان عمر التلمساني حديثاً يسيء للسعودية، وللملك عبد العزيز، يزعم فيه أنه كان يخاف من قوة الجماعة، ومن تمسكها بالدين الصحيح.

برغم ذلك، استوطن كثير من الإخوان السعودية. وعمل المرشد العام للجماعة مأمون الهضيبي في قسم الحقوق العامة وقسم الحقوق الخاصة بوزارة الداخلية السعودية.

ويقول العتيبي: "سعت السعودية إلى استقطاب الإخوان للتخفيف من التشدد الديني فيها وتطوير الخطاب الديني المحلي، ولمحاربة المد الناصري الذي ناصبها العداء الصريح، ولتأكيد مكانتها كقائدة للعالم الإسلامي"، ويضيف: "كان للإخوان، أهداف أخرى فسعوا للسيطرة على التعليم والجمعيات الخيرية، والمؤسسات الإسلامية الكبرى ذات الأدوار السياسية، بهدف التغلغل في كل أعصاب المجتمع".

ويكشف العتيبي أن الإخوان في السعودية انقسموا بين بنائيين نسبةً إلى البنّا وقطبيين نسبة إلى سيد قطب، والبعض يطرح تقسيمهم حركياً إلى ثلاثة تيارات هي إخوان الحجاز، وإخوان الرياض، وإخوان الزبير.

وحمل عام 1979 بذرة خلاف قوي بين الطرفين بسبب موقف الجماعة الضبابي من حادثة احتلال جهيمان العتيبي وعدد من أتباعه الحرم المكي، إذ لم تصدر بياناً ينتقد ما حدث.

وبدأ الخلاف الحقيقي بين السعودية والإخوان، منذ أن دعمت الجماعة احتلال صدام حسين للكويت، رافضةً الاستعانة بالتحالف الغربي، وهو المناخ الرفضي الذي أسفر عن بروز تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن.

منذ ذلك الوقت، شهدت العلاقة بين السعودية والإخوان سلسلة من التذبذبات تراوحت بين التنسيق والتعاون تارة والقطيعة والمواجهة تارة أخرى، إلى أن اندلعت الأزمة الخليجية ووصل الخلاف إلى ذروته بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة، وقطر من جهة أخرى.

ويحدّد الكاتب عبد العزيز قاسم أربعة أسباب لوصول الخلاف بين السعودية والإخوان إلى القطيعة التامة، أولها الخلاف أثناء حرب الخليج الثانية حين "فوجئنا بموقفهم الغادر وهم يقودون التظاهرات في العواصم العربية دعماً لصدام"؛ والثاني تفرُّع الجماعات الجهادية المتطرفة من الجماعة؛ والثالث علاقتها "القديمة" بإيران؛ والرابع موقفها أثناء الربيع العربي و"دوره في ما يحدث في المنطقة العربية من قلاقل، بسبب رغبتها الجامحة في الوصول للسلطة".

توترات مبكرة

الإشارات إلى توتر علاقة المملكة بالجماعة ليست جديدة. فقد سبق أن اعتبر وزير الداخلية السعودي الأسبق الأمير نايف بن عبد العزيز عام 2002 أن "الإخوان المسلمين هم سبب بلاء الأمة ويقفون خلف أغلب المشاكل والإفرازات في السعودية والدول العربية والإسلامية".

واجهت أفكار الإخوان منذ وقت طويل معارضه في السعودية وخاصة من كبار العلماء الذين كانوا متمسكين بالفكر الوهابي. ويرى البعض أن المتأثرين بالفكر الإخواني كيّفوا إخوانيتهم مع الظروف السعودية وأنتجوا فكراً جديداً هو الفكر السروري، ومنه ظهرت الصحوة الإسلامية.

ويعتبر رئيس تحرير صحيفة الشرق السابق قينان الغامدي أن السرورية هي ذاتها جماعة الإخوان المسلمين، ولكن باسم مختلف، ولها الهدف ذاته، ويقول لرصيف22: "تغلغل فكر الإخوان في التعليم بالسعودية بشكل عميق، منذ أربعين سنة، تحت اسم الفكر السروري الذي أسسه محمد سرور زين العابدين. هذا هو الفكر الذي انتشر انتشاراً هائلاً في السعودية، وهو امتداد للفكر الإخواني، بعد أن غُلّف بالمذهب السلفي السائد في السعودية. ولهذا تقبله الناس أكثر من الفكر الإخواني".

ويضيف: "محمد سرور انشق عن الإخوان وأسس تنظميه الخاص بثوب السلفية، وكان هدفه الوصول إلى السطلة بمختلف درجاتها، وصولاً إلى حكم البلاد من خلال عودة الخلافة. هذا هو هدفهم الأسمى".

ويؤكد الغامدي، وهو ذو توجه ليبرالي على أن قيادات التيار السروري هم مَن أطلق مفهوم الصحوة الإسلامية.

"هو فكر الصحوة ذاته"، يقول الخبير في الجماهات الإسلامية أحمد موكلي، مضيفاً أن جزءاً من فكر الإخوان تلبّس بلباس السلفية، وهم السرورية، حتى يلقى قبولاً في المجتمع السعودي الذي يهتم بأمر العقيدة.

ويضيف لرصيف22: "كان من حيلهم التلبس بالسلفية في إطار حزبي يخدم أجندتهم ويوسع انتشارهم وهذا ما تحقق لهم فانتشروا انتشاراً حزبياً مغطى بغطاء السلفية التي ليس من أبجديتها التعامل الحزبي واستغلال العاطفة الدينية بل الاهتمام بالعلم الشرعي والمناصحة بالطرق الشرعية وليس مناصحة التهيج التي يستخدمونها في استغلال عاطفة الناس الدينية لتهييج المجتمع".

بحسب موكلي، انتشر المتأثرون بفكر الجماعة في مفاصل التعليم السعودي العام والجامعي وكذلك في الحلقات والمراكز الصيفية "فهم مَن صنع محتوى مناهج التعليم في بدايته كمحمد قطب في وزارة  التعليم وجامعة أم القرى، وسيطروا على مفاصل جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية إذ هم الذين ألفوا وصاغوا مناهجها ونشروا كتبهم وأفكارهم فيها، وهم الذين اختاروا أساتذتها من الدول العربية وفق منهجهم، وهم مَن صنع المراكز الصيفية واستغل برامجها في كسب ولاءات الطلاب بالأناشيد وغيرها من البرامج".

والمراكز الصيفية كانت تجمعات تمتد لأسبوع لطلبة المعاهد الدينية التي تتبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكان يتم خلالها إلقاء محاضرات دينية، بهدف تنشئة المشاركين تنشئة دينية صرفة.

ويقول الخبير في التعليم وليد الحمدان، وهو مدير مدرسة ابتدائية، إن دخول المتأثرين بفكر الإخوان المسلمين إلى التعليم السعودي كان ممنهجاً.

ويضيف لرصيف22: "المتابع للمناهج التعليمية يدرك مدى اختراقها من قبل الحزبيين"، مبيّناً أن ذلك تم "من خلال تمجيد شخصيات ما وترشيحها كقدوات للطالب وكذلك توجيههم نحو أهداف بعض الجماعات أو إضعاف المنهج بتفريغه من محتواه التربوي والفكري".

وتابع: "هدف المتحزب هو تحويل ولاء الطالب إلى فكره وحزبه فالفصل بين الشعب وقادته هدف أساسي لهم، مع نشر فكر التذمر والإحباط والتركيز على سلبيات الوطن والقادة وذكر إيجابيات مَن يريدون ويوالون".

وبرأي الحمدان، فإن "الخطر الأكبر هو في محاولتهم زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، بهدف الوصول إلى هدفهم، وهو السلطة، من باب عودة الخلافة، والتي بشر بها عدد من المنتمين لهم".


خالد الشايع

محرر وصحافي سعودي.

التعليقات

المقال التالي