تميم ومحمد بن سلمان... تنافس على التقرّب من اللوبي اليهودي

تميم ومحمد بن سلمان... تنافس على التقرّب من اللوبي اليهودي

تثير اللقاءات التي عقدها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مع ممثلين عن جماعات ضغط يهودية مخاوف من تقديم كل من الرياض والدوحة تنازلات لإسرائيل تضر بالقضية الفلسطينية، في مقابل تحقيق مساندة الإدارة الأمريكية لأحد الطرفين في النزاع الدائر بينهما.

وكشفت تقارير عدّة أن محمد بن سلمان عقد لقاءين أحدهما مع رجال دين يهود والآخر مع ممثلين عن جماعات ضغط يهودية، وذلك في نيويورك خلال جولته الأمريكية.

الاجتماع الأول عقده ولي العهد السعودي مع ممثلين عن ستة جماعات ضغط يهودية، بعد ظهر 27 مارس، في فندق بلازا في مانهاتن لبحث الخلاف السعودي-الإيراني، مسار السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومقاربة السعودية لقضية معاداة السامية.

ينتمي ممثلو المنظمات اليهودية إلى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، ومنظمة مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى، ومنظمة الفدراليات اليهودية في شمال أمريكا، ورابطة مكافحة التشهير (ADL)، واللجنة الأمريكية اليهودية (AJC)، ومنظمة بناي بيرث. واستمر اللقاء أكثر من ساعة وفقاً لموقع ألغماينر الألماني.

وكشف موقع بلومبرغ أن ولي العهد السعودي عقد لقاء ثانياً مع رئيس "الاتحاد من أجل إصلاح اليهودية" الحاخام ريتشارد جاكوبس و"رئيس الكنيس المتحد لليهودية المحافظة" الحاخام ستيفن ويرنيك ونائب الرئيس التنفيذي لـ"الاتحاد الأرثوذكسي" آلان فاغن، في 28 مارس.

وأفاد موقع "فوروورد" التابع لجماعات الضغط اليهودية في واشنطن بأن ولي العهد السعودي لم يدعُ ثلاث من جماعات الضغط اليهودية وهي "جي ستريت" و"أمريكيون من أجل السلام الآن" وAmeinu.

وهذه المنظمات الثلاث شديدة الدعم لإسرائيل، لكنها تؤيد فكرة حل الدولتين وتروّج لأحزاب اليسار الإسرائيلي المعارضة لحزب الليكود وتناهض رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو.

وقد يكون تجنب ولي العهد السعودي دعوة هذه المنظمات عائداً إلى رغبته في عدم إغضاب اليمين الإسرائيلي الحاكم والمنظمات الست التي التقى بها، كونها منظمات تميل نحو حزب العمل والمعارضة.

كما قد يكون السبب رغبته في الابتعاد عن منظمات تؤيد حل الدولتين في هذه المرحلة، هو الذي أكد أنه لا يحاول التركيز على أي شيء قد يثير التوتر في ما يتعلق بقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ماذا يريد اللوبي اليهودي؟

ماذا تريد الجماعات اليهودية الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة من الأمير الشاب؟

تجيب صحيفة هآرتس بأن اجتماع ابن سلمان مع القيادات اليهودية يُعدّ "أمراً في غاية الأهمية" لأن السعودية تمنع بناء المعابد اليهودية ولا تسمح بظهور رموز غير إسلامية مثل نجمة داود.

وتضيف الصحيفة أن لقاءات الأمير الشاب مع قيادات دينية مؤخراً في بريطانيا وأمريكا تأتي ضمن رؤية "2030" وما تتضمنه من "تشجيع التسامح الديني" والترويج لـ"الإسلام المعتدل".

من جانبها، رأت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أن الاجتماع بحد ذاته يشكّل نقطة تحوّل للجالية اليهودية الأمريكية التي افتقرت منذ عقود إلى أية قناة اتصالات مع القيادة السعودية "المعادية تاريخياً لإسرائيل"، على حد وصف الصحيفة.

ونقلت الصحيفة عن قادة يهود في واشنطن أنهم يرون أن الاجتماع مع محمد بن سلمان علامة على جديته في توطيد العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل.

ونشرت جيروزاليم بوست مقالاً للحاخام شمولي بوتيش، الناشط في صفوف الجالية اليهودية بنيويورك، يشيد فيه بإصلاحات ابن سلمان في مجال حقوق الإنسان والانفتاح ببلاده، إلا أنه وصفها في نهاية الأمر بـ"غير الكافية".

يقول الحاخام في مقالته التي نشرها تعليقاً على لقاء الأمير الشاب مع ممثلي جماعات الضغط اليهودية إن الطريق أمامه لا يزال طويلاً وعليه إثبات حسن النية وتحسين ظروف صنع السلام عبر تطبيع العلاقات مع إسرائيل وإنه "اتخذ بعض الخطوات الإيجابية المشجعة، لكنه يحتاج إلى تحقيق القفزة النهائية والشجاعة"، وهي الاعتراف بإسرائيل.

ورأى الحاخام اليهودي في مقالته التي نشرها بعنوان "الأمير السعودي يجب أن يهزّ العالم باعترافه باسرائيل" أن اعتراف الرياض بإسرائيل سيدفع كافة دول العالم إلى وقف مقاطعتها لها وسيدفع الفلسطينيين إلى تقديم التنازلات المطلوبة وأهمها الاعتراف بيهودية الدولة العبرية.

ويضيف بوتيش، وهو من أصحاب الكتب الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة: "أصبح الجمهور السعودي أكثر تركيزاً على الداخل ويتطلع إلى تحسين رفاهيته... كان عدم وجود رد فعل لدى السعوديين على قرار الولايات المتحدة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتجاهلهم لدعوات الفلسطينيين للاحتجاج، أحد المؤشرات على حدوث تغيير في تصورهم للقضية الفلسطينية".

وتابع: "في الماضي موّل السعوديون حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، مشجّعين عنفهم ضد إسرائيل... كانوا يقوضون السلام والاستقرار في المنطقة برفضهم تطبيع العلاقات مع إسرائيل".

ماذا يريد ابن سلمان؟

ولكن ماذا يريد الأمير الشاب من إسرائيل وجماعات الضغط اليهودية؟ يجيب الكاتب في صحيفة هآرتس أنشيل بفيفير في مقال بعنوان "ولي العهد وإسرائيل: هناك أخبار جيدة وهناك أخبار مزعجة" بأن الأمير الشاب لديه هدف واحد يريد أن يحققه وهو أن يكون الشخصية الأقوى في الشرق الأوسط في العقود المقبلة. لكنّه يحذّر من أن هذا الهدف لم ينته بشكل جيد بالنسبة إلى الزعيم المصري جمال عبد الناصر والرئيس العراقي صدام حسين.

أقوال جاهزة

شارك غردليس محمد بن سلمان وحده مَن يحاول التقرب من جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة. سبقه في ذلك أمير قطر الشيخ تميم بن حمد من أجل تحسين صورة بلاده في واشنطن

شارك غردتثير اللقاءات التي عقدها محمد بن سلمان وتميم بن حمد مع ممثلين عن جماعات ضغط يهودية مخاوف... فماذا يريدان منهم؟

وإضافة إلى التقارب السعودي الإسرائيلي في ما خص التصدي لنشاطات إيران في الشرق الأوسط، تريد المملكة ألا تتم عرقلة بعض أهدافها من قبل اللوبي اليهودي.

وكتب مدير "مشروع الاستخبارات" في بروكينغز بروس ريدل أن إسرائيل تقف ضد مساعي السعودية الهادفة إلى تخفيف القيود الأمريكية عليها في ما خص مشروع بناء مفاعلات نووية على أراضيها، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو قام بضغوط ضد أي اتفاق مماثل مع المملكة، في بداية مارس.

وتطالب المملكة بحقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها إسوةً بإيران.

وقال ريدل إن حملة الضغط السعودية الهادفة إلى اكتساب بعض التكنولوجيات النووية ستواجه معارضة شديدة إذا قررت إسرائيل أنها تريد منع ذلك.

واللقاءات الأخيرة لولي العهد السعودي ليست سابقة. فقد أشارت هآرتس إلى أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وابنه محمد كانا قد استضافا في السعودية مجموعة من قادة اليهود في الولايات المتحدة.

تميم وخطوات قطرية مماثلة

ليس ولي العهد السعودي وحده مَن يحاول التقرب من جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة. سبقه في ذلك أمير قطر الشيخ تميم بن حمد من أجل تحسين صورة بلاده في واشنطن.

في فبراير الماضي، كشفت هآرتس أن عدداً من رموز اللوبي اليهودي في واشنطن زاروا قطر سراً بدعوة من أميرها شخصياً وعلى نفقته الخاصة.

ونشرت الصحيفة قائمة للمدعوين وهم رئيس "المنظمة الصهيونية في أمريكا" مورتون كلاين، ونائب رئيس "مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى" مالكولم هونلين والحاخام مناحيم جيناك من "الاتحاد الأرثوذكسي" ومارتن أولينر من الصهاينة الدينيين في أمريكا.

ونقلت الصحيفة عن جاك روزين من الكونغرس اليهودي الأمريكي أنه زار الدوحة مؤخراً بدعوة من تميم، معتبراً أنه محظوظ بما فيه الكفاية بسبب علاقته الجيدة على مدار السنين الماضية مع القطريين.

كما كشفت هآرتس أن الحاكم السابق لولاية أركنسو الأمريكية مايك هاكابي، والد المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة هاكابي، والناشط في أوساط جماعات الضغط اليهودية، زار أيضاً الدوحة بدعوة من أميرها برفقة إعلاميين مولين لإسرائيل.

ونقل تقرير هآرتس عن كلاين قوله إن الأمير تميم قرّر التقرّب من "اليمين الصهيوني" ولذلك لم يدعُ ممثلي منظمات "جي ستريت" و"أمريكيون من أجل السلام الآن" و"حركة الإصلاح".

وأفاد كلاين بأنه أجرى نقاشاً مع أمير قطر لمدة ساعتين بلغة حادة حول وجود كتب معادية للسامية في معرض الدوحة الدولي للكتاب وحول سياسة الجزيرة المعادية لإسرائيل وحول يهودية القدس. كما كشف أن المسؤولين القطرين أكدوا له أن الدوحة لم تعد تقدم أي تمويل لجماعة الإخوان المسلمين.

وختتم حديثه لهآرتس بأن أمير قطر قدّم وعداً شفهياً بإجراء تغييرات بخصوص الجزيرة، ونفى دعم حماس مؤكداً أن نشاط القطرين في غزة يتم بالتنسيق مع إسرائيل.

وفي هذا السياق، كتب المحامي اليهودي آلان ديرشفيتز، أحد أهم القانونيين في جماعات الضغط في واشنطن مقالاً في موقع ذا هيل الأمريكي، كشف فيها أنه زار قطر في يناير الماضي بدعوة من تميم وعلى نفقته لمناقشة بعض القضايا التي تثير قلق اسرائيل.

وتحدث المحامي اليهودي عن تفاصيل لقائه بأمير قطر وباقي المسؤولين في الدوحة، مشبهاً حصار قطر في الخليج بحصار العرب لإسرائيل.

وقال ديرشفيتز إن قطر أكدت له أن قادة حماس يقيمون في الدوحة بطلب من الولايات المتحدة، مضيفاً أن اتهامات السعودية للجزيرة غير صحيحة لأن القناة استضافته مرات عدّة وتحدث بحرية تامة على شاشتها، كما أشاد باستضافة قطر للاعبي كرة مضرب إسرائيليين في ظل رفض السعودية لمثل هذه الخطوات.

وشن المحامي اليهودي هجوماً قاسياً ضد السعودية بسبب الإجراءات التي اتخذتها الرياض ضد الدوحة، واصفاً إياها بأنها غير قانونية وغير أخلاقية وقائلاً إنها "جعلت من قطر ضحية مثل إسرائيل".

وحول أهداف الدوحة من دعوة قيادات اللوبي اليهودي، نشرت صحيفة هآرتس تصريحات منسوبة لوزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني يؤكد فيها أن هذه اللقاءات تُعقد من أجل خلق تحالف قوى مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والولايات المتحدة.

وقال الوزير القطري للصحيفة إن بلاده ترحب بقيادات اللوبي اليهودي في الدوحة وإن حكومته تعمل على بناء علاقات معهم، واصفاً المحادثات التي جرت مع تميم بالمثمرة.

وفي أكتوبر 2017، كشفت صحيفة ألغماينر أن الأمير تميم عقد اجتماعاً مع قيادات يهودية في نيويورك ناقشوا خلاله كيفية مساعدة قطر لإسرائيل في إعادة جثامين جنود قُتلوا عام 2014 في غزة.

ونقلت الصحيفة عن عضو "الكونغرس اليهودي" مارتن أولينر أن تميم ناقش سبل مشاركة إسرائيل واليهود في توظيف ثروات قطر، وتوظيف الإعلام القطري لخدمة قطر وإسرائيل اللتين قال إن سمات مشتركة تجمع بينهما أهمها صغر المساحة والتعرّض للمقاطعة.

حاجة لفتح قنوات؟

يرى سفير مصر السابق في واشنطن ومساعد وزير الخارجية حسين هريدي أن لقاء الأميرين محمد بن سلمان وتميم بن حمد مع أعضاء اللوبي اليهودي هو إشارة إلى أن "دول الخليج تحاول التحدّث بلغة العصر"، حسب تعبيره، لخدمة لمصالح دولتيهما.

ويدافع هريدي عن هذه اللقاءات ويعتبر أن "الدول العربية بحاجة إلى فتح قنوات تواصل مع هذه المنظمات وعدم تركها لليمين المتطرف في إسرائيل".

وذكر هريدي أن قطر والسعودية تتنافسان على إيصال رسائلهما إلى صانع القرار الأمريكي عبر جماعات الضغط اليهودية لأنها مقربة من الإدارة الحالية، مضيفاً أن الرياض والدوحة لا يجب أن ترفعا سقف التوقعات بأنهما ستؤثران في قرارات الإدارة الأمريكية عبر هذه المنظمات.

وبرأيه، "لن يتمكن أي طرف من جذب الإدارة الأمريكية إلى صفه، مهما قدّم من تنازلات، بسبب اعتبارات الأمن القومي الأمريكي".

وشكك هريدي في أن تتمكن قطر أو السعودية من إرضاء جماعات الضغط اليهودية مثل "آيباك" بسبب مغالاة المتطرفين في هذه المنظمات في مطالبهم حول القدس ويهودية إسرائيل، لكنه يعتبر أن "العمل معهم واللقاء بهم ضروري لأنه من الصعب العمل في واشنطن دون التواصل مع هذه الجهات".


صحافي مصري مختص في الشؤون الدولية وفي سياسات مصر الخارجية.

التعليقات

المقال التالي