الوجه الآخر للدولة التي تساوي بين المرأة والرجل... كيف هي أوضاع حقوق الإنسان في تونس؟

الوجه الآخر للدولة التي تساوي بين المرأة والرجل... كيف هي أوضاع حقوق الإنسان في تونس؟

تنظر شعوب عربية عديدة إلى تونس بعين الغبطة، لجهة التطورات الكبيرة التي شهدها واقع حقوق الإنسان في البلد، في أعقاب ثورة 14 يناير 2011، والتي أنهت عقوداً من نظام الحزب الواحد والاستبداد السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان، وكسرت حالة الصمت الذي كان يلف البلاد.

هذه النظرة تبدو مفهومة نظراً لما تعيشه دول عربية في المشرق والمغرب من أوضاع متردية على صعد الحريات الفردية والعامة. لكن النظرة الخارجية لتونس على أنها جزيرة الديمقراطية والحرية في المنطقة العربية تتهاوى أمام حقيقة الوضع الحقوقي التونسي من الداخل.

فالحالة الحقوقية التونسية، وإن كانت الأفضل عربياً، وقطعاً هي أفضل بأشواط كثيرة مما كان عليه الحال في زمن الرئيسين الحبيب بورقيبة (1956-1987) وزين العابدين بن علي (1987 – 2011)، فإنها ما زالت تعاني من مشاكل عديدة تتعلق أساساً ببقايا السلطوية داخل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والميراث القانوني الاستبدادي لدولة الحزب الواحد.

بل إن المكاسب العديدة التي حققها المواطنون التونسيون بعد هرب بن علي، على مستوى الحريات الفردية والعامة وحرية الصحافة، أصبحت محل نقاش من طرف السلطة السياسية التي يمثل جزء منها النظام القديم، وجزؤها الآخر التيار الديني المحافظ.

ولم يتوقف الأمر عند نقاش مشروعية هذه الحريات من عدمها، بل تعداه للعودة إلى أساليب الماضي في سلب الحرية وممارسة الردع عن طريق القضاء والأمن، اعتماداً على قوانين قديمة متعارضة مع الدستور، والأخطر من ذلك إشاعة حالة من التخويف بالاتكاء على حالة الطوارئ المفروضة كذريعة.

النساء أكثر المستفيدين

العثرات التي تمرّ بها مسيرة حقوق الإنسان في تونس لم تمنع نساء البلاد من الاستفادة من التغيرات السياسية الجذرية التي حصلت منذ عام 2011. فقد حسم دستور البلاد الجديد مسألة المساواة التامة بين الرجل والمرأة في فصله العشرين: "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز"، والفصل 46: "تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات".

ولاحقاً، بدأت السلطات في عملية ملاءمة التشريعات والقوانين الخاصة بالمرأة مع الدستور، وبالأخص إنفاذ الفصل الدستوري الخاص بالمساواة. فقد أطلق رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في 13 أغسطس 2017، في إطار الاحتفال بعيد المرأة، مبادرة لإصدار مجلة (قانون) الحقوق الفردية والمساواة بين الجنسين، ووعد بمراجعة القوانين المتعلقة بالميراث بهدف تحقيق المساواة التامة.

كما دعا رئيس الحكومة ووزير العدل إلى العمل على تغيير القرار الصادر عن وزارة العدل التونسية سنة 1973، والقاضي بمنع زواج المرأة التونسية المسلمة بأجنبي غير مسلم، وهو ما تم فعلاً في منتصف سبتمبر من العام نفسه.

وقبل ذلك، صادق مجلس النواب على قانون جديد، في نوفمبر 2015، يعزز ولاية المرأة على أبنائها ويسمح لها بالسفر مع أبنائها القاصرين دون الحاجة إلى تصريح من والدهم.

وكانت السلطات قد رفعت بشكل رسمي، في أبريل 2014، أهم تحفظاتها على "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة" (سيداو)، وهي تحفظات سمحت لوقت طويل بعدم الالتزام ببعض بنود الاتفاقية التي انضمت إليها تونس عام 1985، ومنها حقوق المرأة في العائلة.

وما زالت الحركة النسوية التونسية تضغط على السلطات من أجل تعديل قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالميراث نحو إقرار المساواة التامة مع الرجل. ويحظى هذا المطلب بدعم غير مسبوق من المؤسسة الدينية الرسمية، لكنه يلقى معارضة شديدة من التيار الديني المحافظ.

وفي 10 مارس، نظّم "التحالف التونسي من أجل المساواة في الميراث"، والذي يضمّ أكثر من 70 جمعيّة مدنيّة تدافع عن حقوق المرأة، مسيرة حاشدة أمام البرلمان، من أجل المطالبة بسن قانون المساواة في الميراث بين الجنسين.

حرية التعبير مهددة

لكن ما تعيشه النساء التونسيات من ربيع للحريات لا يعكس الحالة الحقوقية العامة. فبالموازاة مع تدهور الوضع الأمني في البلاد وتطور الهجمات الإرهابية منذ عام 2013، أصبحت الحريات الفردية والعامة محل تهديد أكثر من أي وقت مضى، وصارت تونس تشهد الكثير من الوقائع التي تتورط فيها مؤسسات الدولة الأمنية والسجنية بانتهاكات.

أقوال جاهزة

شارك غردالنظرة الخارجية لتونس على أنها جزيرة الديمقراطية والحرية في المنطقة العربية تتهاوى أمام حقيقة الوضع الحقوقي التونسي من الداخل

شارك غردتونس هي الدولة التي سمحت للمسلمة بالزواج من أجنبي غير مسلم والدولة التي تناقش قضية المساواة في الإرث بين الجنسين... ولكن تونس أيضاً هي الدولة التي ترفع شعار الأمن القومي في مواجهة أية آراء نقدية لسلوك مؤسساتها الأمنية

وأفضى الفشل الاقتصادي لنظام ما بعد بن علي إلى موجة من الحنين للدولة السلطوية القوية المتحكمة في حياة الناس الخاصة والعامة، والتي تنظر شزراً إلى أي رأي نقدي أو تحرك احتجاجي. كما أدى صعود حركة نداء تونس إلى السلطة إلى عودة جزء مهم منظومة الحكم القديمة إلى مراكز القرار السياسي والأمني.

وتعددت حالات اعتقال ناشطين في المجتمع المدني، خاصة في صفوف الحركات التي تعارض القوانين التي طرحتها رئاسة الجمهورية، والتي تعارض التوجهات الاقتصادية للحكومة. وتنوّعت الانتهاكات بين ممارسة العنف وبين مراقبة الصحافيين والمدوّنين والتنصت عليهم.

ولم تتوانَ السلطة عن الاعتراف بذلك. فقد جاء في تصريح أدلى به وزير الداخلية لطفي براهم، في جلسة استماع بمجلس النواب في 29 يناير 2018، أن الصحافيين تجري مراقبتهم، وكشف أن الشرطة استدعت أحدهم لأن وزارة الداخلية "تنصتت على محادثة هاتفية" له مع أحد المتظاهرين.

وقالت نقابة الصحافيين في بيان إنها تلقت منذ مطلع عام 2018 "العديد من الشكاوى من صحافيين حول عودة المراقبة الأمنية لمحلات سكناهم ومقرات عملهم وخلال تنقلاتهم"، مضيفةً أنه "انطلقت بالتوازي مع هذه الممارسات حملات تشويه وتخويف وتهديد بالتعذيب والاغتصاب من قبل عناصر أمنية على شبكات التواصل الاجتماعي ضد الصحافيات والصحافيين بدون أي رادع وفي إفلات تام من العقاب".

ويقول عضو المكتب التنفيذي لنقابة الصحافيين مهدي الجلاصي لرصيف22: "اليوم يطرح الحزب الحاكم بالبرلمان مشروع قانون يتعلق بتنقيح وإتمام بعض أحكام قانون العقوبات يتعلق بتجريم ما أسماه النواب المقترحون له بـ‘القذف الإلكتروني’، وهو مشروع قانون خانق لحرية الرأي والتعبير ويعكس حنيناً إلى الاستبداد ويعكس جهلاً فظيعاً بمكاسب الثورة التونسية في مجال حرية الرأي والتعبير بدليل أن هذا المشروع يحيل إلى مجلة الصحافة لسنة 1975 التي ألغيت مباشرة بعد سقوط نظام بن علي".

وأضاف أن هذا "يوحي بأن النواب الذين اقترحوا المشروع يعيشون في عصر ما قبل الثورة، إذ يستعمل المشروع مصطلحات ألغاها الدستور التونسي الجديد مثل مصطلح ‘النظام العام’ و’الأخلاق الحميدة’ و’ثلب الهيئات الرسمية’".

الأقليات المستضعفة

لا تتوقف الانتهاكات التي تمارسها المؤسسة الأمنية عند الاعتقال والتعنيف، بل تصل حد القتل تحت التعذيب. فبعد يوم واحد من الاحتفال بالذكرى التاسعة والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، شهدت تونس في 11 ديسمبر 2017 حالة وفاة مريبة لشاب كان موقوفاً داخل مركز الحرس الوطني، في محافظة سليانة وسط البلاد.

وأشارت وزارة الداخليّة في بيان رسميّ نشر في اليوم نفسه إلى أنّ هذا الشاب "أقدم على الانتحار بواسطة خيط معطفه"، لتكشف التحقيقات القضائية لاحقاً أنه قُتل تحت التعذيب، ولتتفجر في أعقاب ذلك احتجاجات شعبية انتهت بوضع رئيس المركز الأمني وأعوانه في السجن.

ووثّقت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب أكثر من 153 حالة من الانتهاكات الخطيرة خلال عام 2017. ويقول الكاتب العام للمنظمة منذر الشارني لرصيف22 إن "سوء المعاملة والعنف والتعذيب في مراكز الاعتقال لم تتوقف بعد الثورة وهي ممارسات متواصلة داخل أماكن الاحتجاز، والدولة لا تقوم بما يلزم لوقف هذه الظاهرة الخطيرة"، مشيراً إلى أن المنظمات الحقوقية في تونس تتعرض لحملات تشويه من أطراف حزبية وإعلامية قريبة من السلطة.

وتتضاعف الممارسات المتعلقة بالتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز التوقيف الأمنية والسجنية في حالة الأشخاص المنتمين إلى مجموعات مهمشة، بمَن فيهم المشتبه بممارستهم السلوك الجنسي المثلي.

وينص الفصل 203 من قانون العقوبات التونسي على تجريم السلوك الجنسي المثلي، لكن الأمر لا يتوقف عند العقاب بسلب الحرية، فالمدانون يتعرّضون للتعذيب والإذلال من خلال الفحوص الشرجية التي لم تتوقف السلطات عن إجرائها إلا في سبتمبر الماضي، بعد احتجاجات ومطالب مدنية وحقوقية.

ولا يقتصر التمييز في تونس على الأقليات الجنسية، إذ تعاني أقلية دينية كالبهائية منذ سنوات من تمييز يمنع أعضاءها من تنظيم أنفسهم في إطار جمعية على أساس ديني.

ويقول محمد بن موسى، عضو مكتب الإعلام في المحفل الروحاني البهائي بتونس: "عقب الثورة تقدم بعض البهائيين بطلب تأسيس جمعية مدنية هدفها خدمة البلاد، جوبه بالرفض بحجة أن الجمعية تحمل اسم الجمعية البهائية، وعليه تقدم المؤسسون بدعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية للطعن في قرار رئاسة الحكومة، والقضية ما زالت جارية".

الحرب على الإرهاب كذريعة

ترفع السلطات التونسية شعارات المصلحة العليا والأمن القومي في مواجهة أية آراء نقدية لسلوك مؤسساتها الأمنية. وأدى تدهور الأوضاع الأمنية في البلد وتمدد نشاط الجماعات الإرهابية إلى عودة قوية إلى السياسات التسلطية الأمنية.

ويقول القيادي في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فتحي تيتاي لرصيف22: "شهدت العلاقة بين السلطة والمنظمات الحقوقية بعد الثورة تحسناً كبيراً وشهدنا تحسناً في تعامل مؤسساتها مع حريات الناس الفردية والسياسية، لكن بعد دخولها في مواجهة مع الجماعات الإرهابية تغيّر التعامل نحو الأسوأ، فتَحت غطاء مكافحة الإرهاب، أصبحت السلطة تتصرف بشكل عشوائي وتكيل التهم الإرهابية كيفما تريد".

منح إعلان حالة الطوارئ في البلاد والتي فُرضت في نوفمبر 2015، في أعقاب هجوم انتحاري استهدف حافلة تابعة لجهاز الأمن الرئاسي، الأجهزة الأمنية سنداً قانونياً قوياً للتعدي على الحريات العامة والفردية، إذ تمكّن حالة الطوارئ، وفقاً للقانون التونسي، السلطات من فرض حظر التجوّل ومنع الإضرابات العمالية ومنع الاجتماعات العامة، من دون الحصول على إذن من القضاء.

وقبل ذلك، كان البرلمان التونسي قد صادق، في يوليو 2015، على قانون جديد لمكافحة الإرهاب يُشكّل، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، خطراً على حقوق الإنسان، ويفتقر إلى الضمانات الضرورية ضدّ الانتهاكات.

يمنح القانون المذكور قوات الأمن سلطات واسعة للرقابة على الأشخاص، ويسمح بتمديد احتجاز المشتبه بارتكابهم جرائم إرهابية بمعزل عن العالم الخارجي من 6 أيام إلى 15 يوماً، ويسمح للمحاكم بعقد جلسات مغلقة لا يحضرها الجمهور، وللشهود بعدم الكشف عن هوياتهم للمتهمين. كما أنه يقدّم تعريفاً غامضاً للإرهاب قد يتسبب في قمع بعض الأعمال غير الإرهابية.

وعلى الرغم من تحسن الوضع الأمني بشكل ملحوظ، فإن السلطات التونسية ما زالت تمدد بشكل دوري حالة الطوارئ. ويبدو أن الأمر متعلق برغبة السلطة والمؤسسة الأمنية في الإبقاء على سند قانوني قوي للتغطية على سياستها الأمنية ولمزيد إحكام قبضتها على الوضع العام في البلاد.

ولكن في المقلب الآخر، يبدو المجتمع بمؤسساته المدنية ونقاباته العمالية أقوى من أي وقت مضى لمواجهة محاولات عودة الدولة التسلطية.


أحمد نظيف

صحافي تونسي يهتم بشؤون الجماعات الدينية والأقليات، مؤلف كتاب "بنادق سائحة: تونسيون في شبكة الجهاد العالمي". يحمل إجازة في الإعلام وإجازة في الإخراج.

التعليقات

المقال التالي