رفع شعار "اللاجئ إلى بيت الله" واتخذ من الكعبة ركيزة لإنشاء دولته... عبد الله بن الزبير

رفع شعار "اللاجئ إلى بيت الله" واتخذ من الكعبة ركيزة لإنشاء دولته... عبد الله بن الزبير

"أيضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟!"، عبارة خلدها التاريخ، وجاءت على لسان امرأة تجاوزت التسعين من عمرها لتشجع ولدها الشيخ السبعيني الذي جاءها معلناً خوفه من التمثيل بجثته على أيدي أعدائه بعد قتله، وذلك قبل أيام قليلة من وقوعه في أيديهم.

بداية حكاية هذا الشيخ كانت قبل سبعة عقود من إطلاق هذه المقولة، وتحديداً في العام الأول من هجرة المسلمين إلى يثرب، حين طاف أبو بكر الصديق أرجاء المدينة، والمسلمون يكبّرون من حوله، ليعلن خبر وضع ابنته أسماء مولوداً ذكراً. وكان سر الاحتفال هو دحض الادعاء بأن اليهود، جيرانهم في يثرب، سحروا لهم حتى لا يكون لهم نسل، وفقاً لما أورده ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية".

كان هذا المولود عبد الله بن الزبير بن العوام. بداية غير عادية في المدينة التي مثّلت نقطة انطلاق الدولة الإسلامية، لأبوين غير عاديين أيضاً، فالأب ابن عمة النبي محمد، صفية بنت أبي طالب، وأحد حوارييه المقربين، والأم ابنة أبي بكر، صاحب النبي وخليفته الأول، وأخت زوجته المحببة عائشة.

نسب رفيع وظروف معيّنة هيئوا الابن ليلعب دوراً هاماً على مسرح أحداث الصراع في أعقاب ما يسمى بـ"الفتنة الكبرى"، وليهدد عرش بني أمية.

محارب تحت رايات الأمويين

نشأ عبد الله في ظلال الدولة الإسلامية الوليدة في يثرب، وكان أبوه أحد أعمدتها الرئيسية، وورث الابن عنه المكانة.

كانت المفارقة أن عبد الله بن الزبير لم يُعرف محارباً في شبابه إلا تحت رايات أعدائه المستقبليين، بني أمية، فدخل ميادين الحرب مع خلافة عثمان بن عفان الذي أرسله عام 26 هجرية لاستطلاع نبأ تأخر حملته على إفريقية (تونس)، ليساعد الحملة على هزيمة جيش الحاكم الرومي "غريغوريوس" الذي استعصى عليها، حسبما ورد في كتاب "الكامل في التاريخ" لعلي بن محمد بن الأثير.

وذكر محمد بن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الطبري" أنه شارك في عزوة سعيد بن العاص لطبرستان عام 30 هجرية.

وكان لابن الزبير موقف آخر بجانب بني أمية، ورد في كتاب "التاريخ" لخليفة بن خياط. فأثناء حصار عثمان بن عفان في داره قبل قتله، أمر مَن كانوا حوله بعدم قتال الثوار، وطلب منهم مغادرة الدار، ولكن عبد الله بن الزبير أصر على البقاء إلى جواره، ومعه مروان بن الحكم الذي سيجمع كلمة بني أمية مستقبلاً للتصدي لابن الزبير.

وذكر ابن الأثير، أن معاوية بن أبي سفيان استدعى عبد الله بن الزبير عام 49 هجرية ليشارك في حملة على القسطنطينية بقيادة يزيد ابن معاوية، غريمه في قادم الأيام، ولكن الحملة لم تحقق نجاحات تذكر.

محرّض في "موقعة الجمل"

انضم عبد الله إلى أبيه الزبير وخالته عائشة بنت أبي بكر وطلحة بن عبيد الله وتوجهوا لقتال علي بن أبي طالب بعد توليه الخلافة، في الواقعة التي تُعرف بـ"معركة الجمل"، وذلك بحجة "تراخي" علي عن الثأر من قتلة عثمان. وكان كل من الزبير وطلحة يريان نفسيهما أحق بالخلافة من علي.

وكان لعبد الله دور مهم في وقوع المعركة. يروي ابن الأثير أنه في الطريق إلى الكوفة، أرادت عائشة أن تتراجع وتعود إلى المدينة فأثناها عبد الله بن الزبير عن ذلك.

وتكرر الأمر نفسه مع أبيه الزبير عندما تحدّث معه علي بن أبي طالب قبل انطلاق القتال، وذكّره بمواقفهما مع النبي، فوعده الزبير بألا يقاتله، فما كان من عبد الله إلا أن اتهم أبيه بالجبن، ودفعه إلى خوض المعركة التي قُتل فيها.

بيعة معاوية ويزيد

بعد مقتل علي بن أبي طالب وتنازل ابنه الحسن عن المطالبة بالخلافة لصالح معاوية بن أبي سفيان، لإنهاء الفتنة، واجتماع الناس على معاوية، لم يجد عبد الله بن الزبير مفراً من مبايعته، إلا أن علاقتهما لم تكن على ما يرام وشابها الحذر المتبادل.

شكّل ابن الزبير بمعية عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي حزب الرافضين لتولية يزيد من بعد أبيه معاوية، وحين اجتمع بهم الأخير عام 56 هجرية في مكة ووجد منهم إصراراً على موقفهم أخبرهم أنه سيخرج ليخطب في الناس بشأن بيعة نجله، ونادى قائد حرسه وأمره بأن يضع جنديين بجوار كل واحد من الأربعة، فإن هَمّ أحدهم بالحديث خلال خطبته يُضرب عنقه على الفور.

وخرج معاوية وهم معه، وسط الحراسة، ودعا الناس إلى مبايعة ولده وقال إن ابن الزبير وابن عمر وابن أبي بكر والحسين بايعوا فبايع الناس، كما أورد ابن الأثير في كتابه.

"كوّن أبناء الصحابة جبهة قوية لمعارضة سلطة الأمويين، انطلاقاً من مكانتهم الموروثة عن آبائهم، ومثلت تلك الجبهة تعبيراً واضحاً عن رفض أهل الحجاز لخروج الخلافة من بلادهم إلى الشام، بعد أن كانت المدينة عاصمة الدولة الإسلامية منذ أيام النبي محمد حتى خلافة عثمان بن عفان"، يقول أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة سوهاج الدكتور جمال طه لرصيف22.

الهروب من المدينة

فور تولي يزيد بن معاوية الخلافة، أرسل إلى واليه على المدينة يطلب منه أخذ البيعة له من عبد الله بن عمر والحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، ولو بالإكراه، فما كان من الأخير إلا أن هرب إلى مكة خوفاً على حياته، وأعلن من هناك موقفه من الخليفة الجديد: "إني في الطاعة، غير أني لا أبايع أحداً وأنا مستجير بالبيت الحرام"، ولحق به الحسين في الليلة التالية، كما جاء في كتاب "الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الدينوري.

وتوارت طموحات ابن الزبير السياسية، في تلك المرحلة، لأن الناس اجتمعوا حول الحسين، حتى جاءت الأنباء للحسين بتأييد أهل الكوفة له، فخرج إليهم وكانت واقعة كربلاء الشهيرة التي قُتل فيها.

يدعو لنفسه ويقتل أخاه

عقب مقتل الحسين، لم تبقَ هناك أية عقبة بين عبد الله بن الزبير وحلمه بالخلافة، فبدأ يدعو لنفسه سراً ويؤلب الناس على يزيد.

أقوال جاهزة

شارك غردتسع سنوات قضاها عبد الله بن الزبير في السلطة، مثلت تمرداً على دولة الأمويين الناشئة، وكانت مصدر قوته الرئيسي سيطرته على المركز الروحي للمسلمين، الكعبة

شارك غردشكّل عبد الله بن الزبير بمعية عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي حزب الرافضين لتولية يزيد من بعد أبيه معاوية...

ووضع والي الأمويين على مكة والمدينة عمرو بن سعيد بن العاص نصب عينيه القضاء على دعوة عبد الله بن الزبير، وأوكل رئاسة الشرطة لعمرو بن الزبير، أخي عبد الله غير الشقيق، استغلالاً لما كان بينهما من بغضاء لم تذكر المصادر التاريخية سببها.

شنّ عمرو بن الزبير حملة على أنصار عبد الله في المدينة وألقى القبض عليهم وضربهم وعذبهم بالسياط، ثم خرج على رأس قوة إلى عبد الله في مكة، ليقمع معارضته.

لكن عبد الله وأنصاره انتصروا على جيش أخيه فحبسه في مكة، واقتص منه لكل مَن جلدهم وعذّبهم في المدينة حتى مات تحت جلدات السياط، كما ورد في "تاريخ الطبري".

ويرى أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الأزهر الدكتور أيمن فؤاد أنه "منذ استقرار ابن الزبير في مكة رفع شعار ‘اللاجئ إلى بيت الله’، فسيطر على المركز الروحي للمسلمين، واستغل موسم الحج لدعوة الحجيج القادمين من الأمصار الإسلامية كافة لمبايعته بالخلافة، فكانت الكعبة هي ركيزته لإنشاء دولته في الحجاز، معتمداً على صعوبة تسيير جيش من قبل الخليفة إلى مكة نظراً لمكانتها الروحية عند المسلمين".

وقويت شوكة ابن الزبير، والتف الناس حوله، وزادت واقعة مقتل الحسين المأساوية على يد جيش يزيد بن معاوية من نقمة أهل الحجاز على الأمويين، وهو ما استغله ابن الزبير محرضاً عليهم، وكسب تأييد الشيعة أيضاً.

وقعة الحرة... سحق المدينة

حاول يزيد مدّ جسور الود مع أهل الحجاز، ورتب لقاء مع وفد من أعيان المدينة، واستقبلهم في دمشق وأغدق عليهم العطاءات، لكنهم عادوا ليقولوا إنه خليفة ماجن يعاقر الخمر ويقضي وقته في اللهو.

استشاط يزيد غضباً وعزم على "تأديبهم"، ولكنه أرسل إليهم قبل ذلك يطالبهم بالطاعة، ولما أبوا أرسل يهددهم قائلاً: "فوالله لو وضعتكم تحت قدمي، لأطأنكم... وأترككم أحاديث تنسخ أخباركم مع أخبار عاد وثمود". فثار أهل المدينة وأعلنوا خلع يزيد وهاجموا بيوت الأمويين المقيمين في المدينة، حتى لجأوا إلى بيت مروان بن الحكم فحاصروهم فيه، فأرسل المُحَاصرون إلى يزيد يستغيثون به، فكانت وقعة الحرة عام 63 هجرية.

أرسل يزيد جيشاً ضخماً إلى المدينة استباحها ثلاثة أيام مارس خلالها القتل والنهب حتى أخضعها على نهر من الدماء.

توجهت الحملة بعد ذلك للقضاء على عبد الله بن الزبير في مكة، ولكنّه استعد جيّداً وانضم إليه بعض الفارين من المدينة والخوارج مكوناً حلفاً من رافضي خلافة يزيد بن معاوية.

التقى الجمعان، واستمر قتالهما طوال شهر، ونصبت حملة يزيد المجانيق وضربت بها الكعبة، ووقع حريق فيها نتيجة قصفها بنار تحملها النبال. وذكر مسلم في صحيحه أن ابن الزبير ترك الكعبة تحترق ليراها الناس، ليحرّضهم على جند يزيد.

خلال حصار مكة، توفي يزيد بن معاوية عام 64 هجرية، فما كان من قائد الحملة حصين بن نمير إلا أن اجتمع بابن الزبير ودعاه للسفر معه إلى الشام وتولي الخلافة، فتردد الأخير في قبول العرض، وفقاً للطبري.

ويلوم بعض المؤرخين ابن الزبير على عدم قبوله هذا العرض، إذ كان سيمكنه من الانقضاض على دولة بني أمية في لحظة تاريخية لن تتكرر، إلا أن الدكتور جمال طه يرى رفض ابن الزبير الذهاب إلى الشام منطقياً، "فمن ناحية لا يستطيع ترك مكة عاصمة دولته الوليدة، ومن ناحية أخرى كانت الشام معقل بني أمية التي لا يأمن على نفسه فيها".

تنازل معاوية وخلافة ابن الزبير

استخلف يزيد ولده معاوية الثاني، الذي كان زاهداً ناسكاً، فتولى الحكم ثلاثة أشهر أو أقل، وتنازل عنه دون أن يستخلف أحداً، وانعزل في بيته يتعبد حتى مات.

بقي الناس ثلاثة أشهر بلا خليفة، ليعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة من مكة في شهر رجب من عام 64 هجرية، ويطالب المسلمين بالبيعة.

أرسل ابن الزبير رسله إلى البلاد، وأخذ بيعة أهل مصر والعراق، عدا الشيعة والخوارج، واليمن وبلاد فارس وخراسان وقبلهم الحجاز، وعيّن عليهم ولاة.

ومما قام به أنه طرد الأمويين من المدينة إرضاءً لأهلها بعد وقعة الحرة، فأوغر بذلك صدورهم، ليجتمعوا في دمشق لاختيار خليفة منهم، وكان مروان بن الحكم.

مروان بن الحكم يقوّض دولة ابن الزبير

لم يضيّع ابن الحكم وقتاً وبدأ حملته على دولة عبد الله ابن الزبير في الشام، فقاتل أنصار الأخير في معركة مرج راهط وهزمهم، وبعد إحكام سيطرته على الشام أعلن نفسه خليفة، ثم سار بنفسه على رأس جيش إلى مصر وسيطر عليها عام 65 هجرية بعد تسعة أشهر فقط من إعلان أهلها البيعة لابن الزبير.

استمر السجال بين ابن الزبير ومروان طوال فترة حكم الأخير، والتي كانت سنة واحدة فقط. انهزمت حملة ابن الزبير على الشام، وهو نفس المصير الذي لاقته حملة ابن الحكم على الحجاز، وكذلك حملته على العراق، قبل وفاة مروان وتولي الخلافة ابنه عبد الملك.

كان خروج الشام من تحت سيطرة الأمويين أمراً "غير ممكن"، وفقاً للدكتور أيمن فؤاد الذي يرى أن خلافة ابن الزبير كانت "مجرد تمرّد سيطر على المركز الروحي للمسلمين، ألا وهو الكعبة، دون قوة فعلية تمكنها من ضم الأمصار الإسلامية".

وهو ما يتفق عليه الدكتور جمال طه الذي يرى أن الشام كانت تدين بالولاء الكامل للأمويين منذ أن شارك يزيد بن أبي سفيان في فتحها ثم توطّد ذلك خلال ولاية معاوية بن أبي سفيان عليها منذ عهد عمر بن الخطاب، ويضيف: "لم تكن مصر كاملة تحت سيطرة ابن الزبير، ونفس الأمر بالنسبة إلى العراق. لم تكن دولته راسخة".

العراق... أزمات لا تنتهي

لم يستقر الأمر بين الشيعة والخوارج لعبد الله بن الزبير في العراق طوال فترة حكمه، إذ سيطر المختار الثقفي، أحد قادة الشيعة، على الكوفة وانتزعها من والي ابن الزبير وازدادت قوته حتى سيطر على معظم أنحاء العراق، عدا البصرة التي ولّى ابن الزبير عليها أخاه مصعب عام 66 هجرية. تجهز الأخير لقتال المختار الثقفي وهزمه شر هزيمة وقتله وكل مَن أسره من جيشه، عام 67 هجرية، ويقال إنهم كانوا ستة آلاف رجل، في مذبحة دموية أساءت إلى ابن الزبير.

أما الخوارج، فقد تحالفوا مع ابن الزبير في البداية ضد الأمويين، ثم اختلفوا معه بسبب موقفه من عثمان بن عفان الذي يرونه "ضالاً خائناً". وانتشر الخوارج في أرجاء دولة ابن الزبير، في العراق واليمامة وازدادت قوتهم ولم يستطع القضاء على خطرهم، واستمر في قتالهم طوال فترة حكمه.

سقوط العراق

في خضم هذا الوضع المضطرب، خرج عبد الملك بن مروان على رأس جيشه عام 71 هجرية متوجهاً إلى العراق، وكانت قوات واليها مصعب، شقيق ابن الزبير، مفرقة بين حرب الخوارج وبين الاستعداد لمواجهة ابن مروان الذي راسل أمراء جيش مصعب وأغراهم بالمال والإمارة.

ولما التقى الجيشان انفض قسم من جيش مصعب عنه، وقاتل حتى قُتل هو وولده، وسيطر عبد الملك على الكوفة وخراسان وبايعه الناس.

الحجاز... الحصن الأخير يتهاوى

لم تتوقف حملات عبد الملك بن مروان على الحجاز منذ توليه الحكم، وكانت له قوات مرابضة دوماً بجوارها، مستغلاً ضعف سيطرة عبد الله ابن الزبير خارج مكة، وكان غرضه منها أن يلهيه دوماً عن إمداد ولاته في العراق بالنجدات العسكرية.

وبعد سيطرة ابن مروان على العراق، أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي على رأس جيش عام 72 هجرية للقضاء نهائياً على ابن الزبير. وانضمت إليه قوات الأمويين المرابضة في الحجاز وسيطرت على المدينة، واتجه نحو مكة وحاصرها ونصب منجنيقاً أعلى جبل يشرف عليها.

كان آخر موسم للحج خلال سيطرة ابن الزبير على الكعبة وحصار الحجاج لمكة خير معبّر عن الصراع. فقد أحرم الحجاج ونزل مكة ليحج لكنه طلع عرفة ولم يستطع الطواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة لأن ابن الزبير منعه، فيما لم يحج عبد الله بن الزبير وأصحابه لأنهم لم يستطيعوا الوقوف بعرفة أو رمي الجمار.

واستخدم الأمويون في دعايتهم ضد ابن الزبير تعبير "الملحد"، فقد كان الحجاج يقصف مكة بالمنجنيف خلال خصاره لها وتوقف خلال موسم الحج، وبعد انتهاء الشعائر كان ينادي منادٍ الحجاج: "انصرفوا إلى بلادكم فإنا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد"، كما ذكر ابن الأثير.

ومع استمرار الحصار، زادت أسعار البضائع في مكة، وبدأت المجاعة تزحف على سكانها، حتى خرج ما يقارب عشرة آلاف منهم، ومعهم ولدا ابن الزبير حمزة وخبيب، وطلبوا الأمان من الحجاج.

وذكر إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي في كتابه "البداية والنهاية" أن الحجاج أرسل إلى ابن الزبير يخيّره بين ثلاثة: أن يذهب في الأرض حيث يشاء، أو يرسله إلى الشام مقيداً بالحديد أو يقاتل حتى يقتل. وهنا ذهب ابن الزبير إلى أمه أسماء بنت أبي بكر طالباً نصحها فشجعته وقالت له إن الشاة لا تتألم بالسلخ بعد ذبحها، فاستمر في التحصن في مكة وقتال جيش الشام.

بعد سبعة أشهر من الحصار، وفي شهر جمادي الأول من سنة 73 هجرية، لم يبقَ حول ابن الزبير سوى القليل من الرجال، وأطبق رجال الحجاج على مكة فقُتل ابن الزبير وهو يقاتل. وكبر جند الحجاج عندما علموا بمقتل عبد الله بن الزبير.

صلب الحجاج الثقفي عبد الله بن الزبير في مكة أياماً ثم "ألقاه" في مقابر اليهود، بحسب التعبير الذي استخدمه مسلم في صحيحه.

تسع سنوات قضاها عبد الله بن الزبير في السلطة، مثلت تمرداً على دولة الأمويين الناشئة، وكانت مصدر قوته الرئيسي سيطرته على المركز الروحي للمسلمين.

وبسقوط دولة ابن الزبير انتهى آخر دور سياسي للحجاز في دول الخلافة المتعاقبة.


صحافي مصري مهتم بالشؤون السياسية والثقافية والتراث.

التعليقات

المقال التالي