مغاربة الأطراف ينتفضون على إرث الاستعمار... لن نرضى بأن نبقى جزءاً من المغرب "غير النافع"

مغاربة الأطراف ينتفضون على إرث الاستعمار... لن نرضى بأن نبقى جزءاً من المغرب "غير النافع"

لا زالت موجات الاحتجاج تضرب بلا هوادة قلب "المغرب العميق". وآخرها يدور في مدينة جرادة (شمال شرق المغرب) التي تستأثر حالياً باهتمام الرأي العام، وذلك بعد أحداث مماثلة شهدتها كل من زاكورة ومنطقة الريف.

وأججت حادثة وفاة شقيقين في أحد آبار الفحم الحجري في 22 ديسمبر 2017 غضب سكان جرادة الذين خرجوا للمطالبة بتحسين أحولهم وببديل اقتصادي، بعدما أضحت منطقتهم شبه مهجورة ومهمشة إثر قرار إغلاق مناجم الفحم الحجري عام 1998.

وتطوّرت الأحداث الأخيرة لتتخذ منحى خطيراً، بعد أن شهدت المدينة في 14 مارس اشتباكاً بين المتظاهرين ورجال الأمن أسفر عن إصابة أفراد من كلا الطرفين، وتوقيف تسعة متظاهرين سيُحالون على القضاء.

لم تكن جرادة المدينة الوحيدة التي تسجل احتجاجات باتت تُعرف إعلامياً بـ"الحراكات". فزاكورة سبقتها قبل ذلك بشهور، حين خرج أبناؤها في شهري سبتمبر وأكتوبر 2017 مطالبين بتوفير الماء الصالح للشرب بشكل يومي وبدون انقطاع، فما كان من السلطات إلا أن واجهت مطالبهم بالقمع والاعتقال الممزوجين بوعود لم ترَ النور بعد.

وقبل ذلك بنحو أكثر من عام، شهد المغرب حراكاً شعبياً جهوياً كبيراً وغير مسبوق، في منطقة الريف في شمال المغرب، إثر وفاة بائع السمك محسن فكري طحناً في شاحنة نفايات، وهو ما أغضب أبناء المنطقة فخرجوا إلى الساحات والشوارع لشهور وشهدت احتجاجاتهم اشتباكات يومية أفضت إلى اعتقال العشرات، من ضمنهم قائد الحراك ناصر الزفزافي ومجموعة من الناشطين.

جيل جديد من الاحتجاجات؟

شهد المغرب نسخة خاصة من "الربيع العربي" تختلف عما جرى في تونس ومصر. ففي يوم الأحد، 20 فبراير 2011، خرج مغاربة ينادون بإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية جذرية، ولكن النظام نجح في استيعاب هذا الحراك ببعض الإصلاحات.

وبعد أقل من سنة خفت وهج الحراك ليخلفه جيل جديد من الحراكات الشعبية، لكن هذه المرة ليس في المركز، بل في الأطراف. بدأت الحكاية من الريف وما زالت مستمرة في جرادة. فهل هي امتداد لحركة 20 فبراير؟

تستلهم الحراكات الجهوية في المغرب من تجربة حراك 20 فبراير الشعارات والهتافات النضالية ونفسها الاحتجاجي الشعبي الذي يمضي بشكل عفوي بلا رأس ولا قيادة (باستثناء حراك الريف).

لا تعبّر هذه الحراكات بالأساس عن خلفيات أيديولوجية أو سياسية حزبية ضيقة بقدر ما تنادي بتحقيق مطالب شعبية. وقد يكون الحراك الفبرايري أصلاً لهذه الحراكات المناطقية لكونه أسس لفكرة الشارع كسبيل وحيد لنيل المطالب دون غيره من الطرق، لكنه يختلف عنها في نوعية مطالبه التي تضمنت مَلَكية برلمانية ومحاربة الفساد والاستبداد، علاوة على إرساء قيم العدالة والحرية والكرامة، في حين أن مطالب الحراكات الجهوية تتركّز في ما هو اقتصادي واجتماعي محلي.

أقوال جاهزة

شارك غردأسس سوسيو-اقتصادية للاحتجاجات في المغرب... طيلة عقود من الزمن، أولت الدولة أهمية قصوى لمحور "المغرب النافع"، أي خط طنجة-الدار البيضاء، فيما سجّلت بقية المدن والمناطق تفاوتاً في نسب التهميش والفقر وغياب التنمية...

شارك غرديعتقد المحتجون في المغرب أن الاحتجاج هو الوسيلة الأنجع لإيصال صوتهم بسبب تراجع أدوار المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، ولذلك يتمسكون بالشارع...

ويرى المحلل السياسي عبد الرحيم العلام أن "الذي يحدث اليوم من حراكات جهوية ليس نتاجاً لحركة 20 فبراير"، ويضيف لرصيف22: "حراك 20 فبراير هو استئناف للاحتجاج وليس بداية له، وهو على العموم ساهم في إزالة الغطاء عن فوهة البركان الذي هو أصلاً متأجج وفي حالة غليان منذ عقود مضت وما زال مستمراً مع الحراكات الجهوية".

ويعتبر أستاذ علم الاجتماع السياسي رشيد الجرموني أن حراك 20 فبراير بمثابة امتداد للحراكات الجهوية، ويرى أنه "يعبّر عن وعي مجتمعي وعن مساءلة للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وللنموذج التنموي المعتمد في البلد طيلة عقود مضت".

ويشير الجرموني في حديثه لرصيف22 إلى أن "للتجربتين عناصر تشابه تكمن في آليات الاحتجاج ووسائلها وصمود الحراكات لمدة طويلة، فيما يكمن الاختلاف في حصور الجانب الإثني و الهوياتي والتاريخي في الحراكات الجهوية كما في حراك الريف".

لماذا تنتفض جغرافيا الهوامش؟

طيلة عقود من الزمن، أولت الدولة أهمية قصوى لمحور ما اصطُلح عليه إبان الاستعمار الفرنسي بـ"المغرب النافع" أي خط طنجة-الدار البيضاء. وسجّلت بقية المدن والمناطق تفاوتاً في نسب التهميش والفقر وغياب التنمية.

وكلما ابتعدنا عن شريط المدن الأطلسية، يمكننا تسجيل تزايد في نسب الهشاشة الاجتماعية وغياب الفرص التنموية. فالحكومة ركنت عبر سياساتها التمييزية هذه المناطق في زاوية الإهمال، لنلاحظ فيها ضعفاً في البنى التحتية والاجتماعية والخدمية من طرق ومدارس ومستشفيات، وهو ما يولّد مشاعر التفرقة والظلم التي تتحوّل إلى بارود يزيد من احتمالية انفجار مواطني هذه المناطق.

ويعود تهميش أطراف المغرب على حساب المراكز إلى فترة ما قبل الحماية الفرنسية. كان البلد مقسّماً إلى شطرين: "بلاد المخزن"، ويُقصد بها المناطق التي فرض فيها السلطان سلطاته السياسية والمالية والدينية كاملة بواسطة قادته وأعوانه، و"بلاد السيبا" أي المناطق المهمشة التي كانت تدير شؤونها بنفسها بواسطة القبيلة والأعراف المحلية.

ثم جاءت مرحلة الحماية الفرنسية بدايات القرن العشرين، واعتمد فيها المستعمر الفرنسي نفس التقسيم المجالي لكن بتسميات مختلفة بين "مغرب نافع" وآخر "غير نافع". وكان الأول يغريه لأنه غني بالثروات الطبيعية والمعدنية، وهو ما جعله يستغل موارده ويستثمر فيه بقوة من خلال بناء المؤسسات الإدارية والبنى التحتية المتطورة، أما الثاني فلم يولِ له أولوية لأنه يشمل المناطق الريفية والمقفرة التي تُعتبر بمثابة بؤر للمقاومة.

وبعد استقلال المغرب مضت الحكومات المتوالية على خطى الاستعمار و النتيجة هي: هوة متزايدة ببن الهوامش والمراكز.

ينطلق رشيد الجرموني من هذه الخلفية التاريخية ليقول إن "الجيل الجديد من الشباب لم ولن يسكت عن هذا التهميش السوسيو-مجالي وبدأ يعبّر عن غضبه عندما يقارن وضع منطقته بأوضاع المناطق الأخرى. ومن هنا راح يطرح سؤالاً: لماذا نعيش في هذا الواقع المظلم؟ لماذا مصيرنا توريث الفقر بينما هناك مناطق تنعم بثمار التنمية؟".

ويفسّر المحلل السياسي عبد الرحيم العلام استمرارية الاحتجاجات في المناطق الطرفية بغياب الثقل الأمني فيها بسبب وجود عدد قليل من رجال الأمن بخلاف المدن والمناطق المركزية التي يحضر فيها الزخم الأمني والبوليسي بشكل قد يسهل فيه إخماد الاحتجاجات بشكل فوري.

ما يجمع بين هذه الحراكات الجهوية هو انحصار مطالبها في ما هو اقتصادي واجتماعي، وفي ذات الوقت يطبعها خطاب ذو حمولات سياسية غير مؤدلج أو متحزّب، لكنه مناهض للدولة، ليس لشخصيتها المعنوية بل لسياساتها التي يرى المحتجون أنها تفقيرية وتجويعية وتستهدف تهميش مناطقهم.

من هنا، ما دامت مطالب هذه الحراكات في مجملها سلمية وتنحصر في ما هو سوسيو-اقتصادي محض، لماذا تتعاطى السلطة معها بالعنف والأساليب البوليسية؟

العصا في مواجهة عدوى الاحتجاج

تتعاطى الدولة في المغرب مع تظاهرات الحراكات الجهوية بلغة مثقلة بالتخوين والعمالة وبمعجم من الاتهامات الجاهزة تارة، وتارة أخرى تتعامل مع المحتجين باللين وتقترح الحلول السياسية وتعرب عن استعدادها للجلوس معهم على طاولة الحوار. لكن في الغالب الأعم تتعاطى مع هذه الحراكات بعنف وعسف بوليسي ينتهك حقوق المتظاهرين.

في هذا السياق، يقول المحلل السياسي عبد الرحيم العلام إن "الأنظمة السياسية غير الديمقراطية تلجأ عادة إلى العنف لأنها لا تحتمل عدم طاعة المحتجين للسلطة، وطبيعي جداً أن تقوم السلطات في المغرب بمثل هذه التصرفات القمعية لأننا إزاء دولة غير ديمقراطية رغم أنها تسعى لأن تكون عكس ذلك".

كثيراً ما يجري تفسير لجوء الدولة إلى الحل البوليسي في إطفاء نيران الاحتقانات الشعبية بخوفها من انتشار عدوى الاحتجاج إلى مناطق أخرى وهو ما يشكل بالنسبة إليها تهديداً. لذلك، غالباً ما تتعامل الدولة مع الاحتجاج بكثير من التعنت والمماطلة، وأحياناً بالتجاهل، في محاولة منها لثني المحتجين عن استمرارهم في الخروج إلى الشوارع.

هذا ما حصل في حراك الريف في أوج مراحله (يناير-يوليو 2017)، وفي انتفاضة العطش بزاكورة (بدايات شهر أكتوبر 2017) وجرادة (مارس 2018).

ويؤكد العلام لرصيف22 أن "الاحتجاج في آخر المطاف يحقق جزءاً من المطالب. ولكن قد تتعنت السلطة ولا تستجيب فوراً حتى لا تعطي للاحتجاجات مشروعية في الاستمرار".

وأضاف العلام: "مع ذلك يحقق المواطن المكاسب من التجارب الاحتجاجية وأهم مكسب هو كسر حاجز الخوف في نفسيته، وهو بذلك ينشر عملياً العدوى في الآخرين".

الحكومة تعد... فلماذا يتمسك المحتجون بالشارع؟

يعتقد المحتجون أن الاحتجاج هو الوسيلة الأنجع لإيصال صوتهم بسبب تراجع أدوار المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني. لذلك يتمسكون بالشارع ولا ينسحبون منه إلا بعد تحقيق الحكومة لوعودها.

"يتمسك المحتجون بالشارع لأنه آخر حل" يقول العلام، ويضيف: "لو أن المؤسسات الوسيطة تقوم بدورها لما تصاعد وهج الاحتجاج".

ويلفت الباحث في العلوم السياسية رشيد لزرق إلى أن "تنصل الحكومة من مسؤوليتها وَلَّدَ غياب ثقة المتظاهرين بها وهو ما جعله يتشبث بالشارع".

لا تقف الحكومة صمّاء بل وعدت بتحقيق مطالب المحتجين وشرعت في تحقيق ذلك. وكمثال على ذلك بدأت الحكومة عملياً في تنفيذ بعض المشاريع التنموية في مناطق الريف وأعطت وعودها باستكمال إنشاء سد محلي بنواحي زاكورة، وهي حالياً تدرس إمكانية إيجاد بديل اقتصادي عن آبار الفحم الحجري. فهل تلتزم الحكومة بالوفاء بوعودها؟

يرى العلام أن الحكومة تعالج فقط الأزمات الظاهرة والطافحة في المشهد، أي أنها لن تستجيب إلا للسكان الذين يستعرضون مطالبهم ويستطيعون فرض وجودهم وإيصال احتجاجتهم إلى الإعلام والضغط على المؤسسات الوسيطة، وهو ما نراه في الحراكات البارزة دون غيرها.

ويقول رشيد لرزق لرصيف22 إن احتواء غضب المحتجين يقتضي "تنزيل البرامج التنموية وتفعيلها بشكل ملموس"، مضيفاً: "لكن تظل المزايدات السياسية والحسابات الضيقة بين الموالاة والمعارضة أحد عوائق تنزيل هذه المخططات".

ويتفق لزرق مع معظم المراقبين لملف الاحتجاجات على أن "الجهوية المتقدمة هي الحل الأنجع لهذه الأزمات"، لكن ذلك حل يحتاج إلى سنوات طويلة لتطبيقه، فما هي الحلول الفورية؟

برأي الجرموني، على الحكومة أن تبني جسور الثقة مع المحتجين، وكمثال على ذلك الإفراج عن المعتقلين والبدء في تحقيق مصالحة مع أبناء الهوامش خصوصاً في منطقة الريف، والشروع في تنزيل المخططات التنموية بشكل عاجل وفوري، "وهذا بحد ذاته بمثابة مخرج من الأزمة".


صحفي و كاتب مقالات في الصحف والمواقع العربية كصحيفة رأي اليوم الإلكترونية وألترا صوت والسفير العربي، حاصل على باكالوريوس (ليسانس) صحافة.

التعليقات

المقال التالي