لماذا رُفعت السرية الآن؟ ولماذا نتانياهو غير راضٍ؟... إسرائيل تعلن تدمير "المفاعل النووي السوري"

لماذا رُفعت السرية الآن؟ ولماذا نتانياهو غير راضٍ؟... إسرائيل تعلن تدمير "المفاعل النووي السوري"

"لن نسمح لأحد ببناء قدرات تهدد وجودنا". بهذه الجملة علّق رئيس الأركان الإسرائيلي غادي آيزنكوت على تدمير سلاح جو بلاده، في ضربة شنتها ثماني بطائرات، ما تقول الدولة العبرية إنه "مفاعل نووي سوري كان على وشك الاكتمال"، في ليل السادس من سبتمبر 2007.

احتل الخبر صدارة اهتمامات الإعلام الإسرائيلي في 21 مارس، إثر رفع السرية عن تفاصيل تتعلق بتدمير "مفاعل الخبر"، بعد أكثر من عشر سنوات من إخفاء إسرائيل لمسؤوليتها عن تلك العملية التي قال النظام السوري بعيد وقوعها إنها استهدفت مركزاً عسكرياً مهجوراً.

وأوضح بيان أصدره الجيش الإسرائيلي أن امتلاك سوريا مفاعلاً نووياً كانت ستنتج عنه تداعيات وانعكاسات استراتيجية حادة على الشرق الأوسط مضيفاً أن "الرسالة من الهجوم على المفاعل النووي عام 2007 هي أن دولة إسرائيل لن تسمح بتأسيس قدرات تهدد وجودها. هذه كانت رسالتنا في عام 2007، وهذه هي رسالتنا اليوم وسوف تظل رسالتنا في المستقبلين القريب والبعيد".

وما أن رُفعت السرية عن تفاصيل العملية العسكرية البارزة التي حملت اسم "خارج الصندوق"، حتى راح الإعلام الإسرائيلي يتسابق في نشر كواليسها.

أنا على الهدف "أريزونا"

وأعلن الجيش الإسرائيلي مسؤوليته عن تدمير ما قال إنه مفاعل نووي سوري في محافظة دير الزور، بعد مرحلة من جمع المعلومات الاستخباراتية تولاها الموساد، وتُوّجت باتخاذ رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إيهود أولمرت القرار الحاسم بمعيّة وزير خارجيته إيهود باراك.

ونشرت المواقع الإسرائيلية فيديو التُقط من قمرة قيادة إحدى الطائرات المشاركة في العملية يوضح بدء عملية استهداف الموقع السوري. وقال القائد الذي تولى العملية "أنا الآن على الهدف... أريزونا"، ثم ألقت الطائرات حمولتها من القنابل.

وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن عملية قصف الموقع السوري لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، وأن كلمة السر كانت "أريزونا"، ليُنسف "المفاعل" بشكل كامل، كما أوضحت الصور والفيديوهات.

احتاج سلاح الجو الإسرائيلي الذي خطط للعملية على مدار شهور عديدة، إلى أربع ساعات فقط لتنفيذها، وشاركت فيها أربع مقاتلات من طراز F-15 وأربع مقاتلات من طراز F-16 (السربان 69 و119)، قامت بإلقاء نحو 17 طناً من الذخائر على الموقع الذي تقول إسرئيل إنه مفاعل بلوتونيوم بنته سوريا بمساعدة كوريا الشمالية.

وبدأت العملية في العاشرة والنصف ليلاً من يوم الخامس من سبتمبر، وانتهت في الثانية والنصف من فجر السادس من سبتمبر. وتؤكد صحيفة "معاريف" أن الطاقم المشارك في العملية لم يعلم بطبيعة المهمة إلا قبل تنفيذها بساعات للحفاظ على سريتها.

أقوال جاهزة

شارك غردأكثر من 10 سنوات مرّت وإسرائيل تتكتم على مسؤوليتها عن عملية "تدمير المفاعل النووي السوري" وليس فقط على المعلومات عنها. الآن، ما السبب في سماح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر كل هذه التفاصيل؟

شارك غرديمكن توقّع أن بنيامين نتانياهو غير راضٍ بالمرة عن توقيت نشر المعلومات حول عملية "تدمير المفاعل النووي السوري" عام 2007

وتحدثت صحيفة "يديعوت أحرونوت" مع عقيد حالي في الجيش الإسرائيلي لم تسمّه، وكان قد شارك في العملية كقائد لسرب "الرعد" الذي تكون من طائرات الـF-15. وصف العقيد لحظة التفجير بقوله: "رأيت التفجير الهائل وكيف تبددت القنابل الواحدة تلو الأخرى. كانت لحظة سعيدة بالنسبة إلي، وأدركت وقتها أننا نجحنا في المهمة".

كيف اكتشفت إسرائيل المفاعل؟

أجرى موقع "والا" لقاء مع العميد درور شالوم الذي كان ضابطاً صغيراً وقت تنفيذ العملة، وكشف له المراحل التي أدت في النهاية إلى اكتشاف المفاعل.

عمل العميد الحالي كرئيس لقسم البحوث في سوريا، ويشير إلى أنه وفريقه بدأوا في جمع معلومات تفيد بضلوع الرئيس السوري بشار الأسد في تطوير سلاح نووي.

وبحسب معلومات الإسرائيليين، اعتمد الرئيس السوري الشاب على الجانب الكوري الشمالي لإنشاء مفاعل بشكل سري للغاية. وبدأت عملية البناء في قاعدة عسكرية مهجورة في محافظة دير الزور عام 2004. وهنا بدأت عملية جمع المعلومات بصورة أكبر وتم عرض ما تم التوصل إليه على الموساد لمتابعته.

ويضيف شالوم أن العمل كان يجري على قدم وساق في قاعدة كيريا في تل أبيب لتجهيز تقارير تؤكد عملية بناء المفاعل، ولفت إلى أن العمل كان معقداً للغاية، حتى تم التأكد من الأمر بطريقة لا تترك مجالاً للشك. ونجحت إسرائيل في التقاط الصور الأولى للمفاعل عام 2006.

وتشير صحيفة "معاريف" إلى أن قائد الاستخبارات العسكرية وقتها عاموس يدلين لفت إلى أن الصور التي التقطتها إسرائيل بيّنت وجود عمال كوريين شماليين في الموقع، وهو ما أكد المعلومات الاستخباراتية عن أنه مفاعل نووي.

صور نشرتها إسرائيل لما قالت إنه تدمير "مفاعل نووي" سوري

ويعتبر رئيس الأركان الحالي غادي آيزنكوت، وكان حينذاك قائداً للمنطقة الشمالية، أن عملية تدمير المفاعل السوري هي الأهم منذ حرب 1973.

وتحدث تقرير صحيفة معاريف عن أن أحد الاعتبارات التي أولتها إسرائيل أهمية قبل اتخاذ القرار النهائي هو خوف المجتمع الدولي من التسرّب الإشعاعي من المفاعل، ويقول إن الدولة العبرية وضعت السيناريو المناسب لذلك، دون عرض تفاصيل إضافية.

وشُكّلت خلية قيادية ضمت رئيس الأركان غابي إشكنازي، والجنرال إفرايم سينيه من وزارة الدفاع، وقائد سلاح الجو إليعازار شكيدي، وكانوا يجتمعون كل أسبوع حتى بداية سبتمبر، قبيل تنفيذ العملية بخمسة أيام.

وفور تقدير الجانب الإسرائيلي أن احتمال الرد السوري ضعيف، خاصةً أن دمشق لم تكن قد أبلغت لوكالة الدولية للطاقة الذرية بمخططاتها، اتخذ القرار بتنفيذها.

وجاء في بيان الجيش الإسرائيلي: "نجحت الجهود المبذولة منذ عام 2004، بالتعاون بين كافة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، في تدمير المفاعل النووي السوري في ليل السادس من سبتمبر".

لماذا رفع السرية الآن؟

أكثر من 10 سنوات مرّت وإسرائيل تتكتم على مسؤوليتها عن العملية وليس فقط على المعلومات عنها، رغم وجود اتهامات واضحة لها بضلوعها فيها. الآن، وبعد أكثر من عقد، يتساءل كثيرون عن السبب في سماح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر كل هذه التفاصيل.

وذكرت صحيفة "إسرائيل اليوم" ما جاء في تغريدة وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك عمير بيرتس، من أن تفجير إسرائيل لـ"المفاعل النووي" كان رسالة لإيران بأن إسرائيل لن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي، وأن بلاده لن تسمح مطلقاً للذين يهددون بقاءها بامتلاك سلاح نووي سواء أكانت سوريا وقت العملية أو إيران اليوم.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي أفيغدور ليبرمان إن هنالك مَن تردد في البداية في اتخاذ قرار تدمير المفاعل السوري، لكن الجميع في النهاية اتخذوا القرار الشجاع، المتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، وأضاف: "كان لدينا خياران: هل نقبل سوريا نووية أو لا؟ وعلى كل فرد في الشرق الأوسط أن يعي الرسالة الحالية بأن قوتنا قد زادت، مع الاعتراف بأن قوة أعدائنا قد زادت"، معتبراً أن "الكل في الشرق الأوسط سيعمل جيداً لاستيعاب المعادلة".

الأمر نفسه أكده آيزنكوت الذي قال إن الرسالة واضحة بأننا لن نسمح للأعداء ببناء قدرات تهدد وجودنا، "وهو ما حدث في 2007 وستظل رسالتنا هكذا واضحة إلى الأبد لمَن يفكر في تهديد وجودنا".

واعتبر وزير الاستخبارات إسرائيل كاتس أن نجاح العملية أوضح "أن إسرائيل لن تسمح أبداً بأن تكون الأسلحة النووية في أيدي مَن يهددون وجودها... سوريا في ذلك الحين وإيران اليوم".

وحلل المحلل العسكري في موقع "والا" الإسرائيلي، أمير أورن الدوافع والأسباب التي ربما تسببت في سماح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر تفاصيل تدمير المفاعل السوري.

وقال إن الدوائر الإسرائيلية سابقاً كانت تخشى من رد فعل الأسد وكان ذلك سبباً في عدم السماح بالنشر، إلا أن الرئيس السوري اعتاد مؤخراً عدم الرد على العمليات الإسرائيلية على الأراضي السورية ويتعامل مع ذلك بأعصاب هادئة. ولفت أورن إلى أن مصدراً موثوقاً أكد أن الأسد لن يرد هذه المرة أيضاً، وربما يكتفي بإصدار بيان.

وذكر سبباً آخر لنشر المعلومات وهو أن الدوائر الإسرائيلية الاستخباراتية والسياسية والعسكرية أرادت التفاخر بإنجازها، خاصة أنه مرّ وقت طويل عليه.

وأشار الكاتب إلى أن إيهود أولمرت على وشك نشر مذكراته وهو بالطبع كان الشخصية الأولى في إسرائيل وقت تنفيذ العملية، ومن المؤكد أنه سيتطرق إليها.

نتنياهو غير راضٍ؟

نشر موقع والا نص خطاب الشكر الذي أرسله رئيس الوزراء إيهود أولمرت إلى المشاركين في العملية وجاء فيه: "قبل أسبوعين وفي الخامس من سبتمبر حققت دولة إسرائيل إنجازاً كبيراً ذا مغزى ومعنى استراتيجي. أعبّر عن خالص شكري لكل المشاركين في العملية التي حافظت على أمن الدولة".

وأضاف: "أشعر بضرورة توجيه رسالة شكر خاصة لسلاح الجو الإسرائيلي الذي نفّذ العملية بكفاءة وأتمها بنجاح وشجاعة".

وبحسب موقع "والا"، فإنه يمكن توقّع أن بنيامين نتانياهو غير راضٍ بالمرة عن توقيت النشر، خاصة أنه يعطي شعبية لأولمرت الذي يعكف على مهاجمته مؤخراً هذه الأيام، وربما يؤثر على شعبيته. فالأمر يولّد انطباعاً مفاده أن هناك قادة سابقين تحلوا بالشجاعة في اتخاذ القرارات بعكس نتانياهو الذي يكتفي فقط بإطلق التهديدات ضد "الدول الأعداء".

وخصصت القناة العاشرة الإسرائيلية تقريراً للحديث عن الفرق بين نتنياهو الذي يترأس الحكومة الحالية وبين أولمرت الذي تعامل بسرية تامة مع استهداف المفاعل السوري، وتعاون مع أجهزة الدولة المختلفة ونجحوا معاً في تنفيذ المهمة.

وقارن التقرير بين نتنياهو الذي لم يكفّ عن التهديدات والتصريحات ضد إيران منذ عام 2009 وحتى 2012، حين ألقى خطابة الشهير في الأمم المتحدة وحمل لافتة وشرح خطر القنبلة النووية الإيرانية على إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط، دون أن يفعل شيئاً، وبين أولمرت.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية رأت وقتها أن الحل الدبلوماسي والتفاوض أو فرض عقوبات على نظام الأسد ربما يفوّت الفرصة أمام إسرائيل للقضاء على الخطر، ومن ثم قررت تدمير المفاعل السوري، عكس نتنياهو الذي أعلن أن الحل العسكري مطروح عام 2012 ولكنه فجأة تراجع دون سبب واضح.

وخلص التقرير إلى أن أولمرت نجح في حشد الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والسياسية حول قرار واحد، وهدف واحد وهو تدمير "المفاعل"، لكن نتنياهو فشل في القيام بمثل ذلك.

ولفت إلى أن أولمرت كانت علاقته بالرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في تلك الفترة قوية ومتينة، ما ساعده على اتخاذ القرار دون قلق أو خوف، لكن العلاقة بين نتنياهو والرئس الأمريكي السابق باراك أوباما كانت متوترة ولم يجرؤ على اتخاذ القرار الحاسم ضد إيران.


محمد وازن

محمد وازن صحفي مصري وخبير في الشأن الإسرائيلي والعربي والدولي.

التعليقات

المقال التالي