احتجاز الرئيس الفرنسي السابق... لعنة التمويل الليبي تلاحق ساركوزي

احتجاز الرئيس الفرنسي السابق... لعنة التمويل الليبي تلاحق ساركوزي

"بين مؤتمر يشارك فيه في دبي حول التعليم وبعض المقابلات المجدولة التي يجريها في مكتبه الباريسي ومشاركة له في نشاط قريب في لندن، كانت أجندة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي على موعد مع نوع آخر من اللقاءات صباح الثلثاء في 20 مارس".

هكذا نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسيّة خبر إيقاف الرئيس الفرنسي السابق احترازياً في المديرية المركزية للشرطة القضائية في نانتير، في ضاحية باريس الغربية، في إطار التحقيق حول شبهات تمويل ليبي لحملته الانتخابية عام 2007، بحسب ما أكد مصدر مقرب من التحقيق ما تناقلته الصحيفة الفرنسية وموقع "ميديابارت" الفرنسي.

وبحسب "لوموند"، ستكون هذه المرة الأولى التي يتمّ الاستماع فيها إلى شهادة ساركوزي من قبل المكتب المركزي لمكافحة الفساد والتجاوزات المالية والضريبية، وذلك منذ فتح التحقيق في أبريل 2013.

انزعاج القذافي فضح ساركوزي

تعتبر هذه التحقيقات حساسة كونها تطال أكثر الفضائح المالية ضخامة في فرنسا منذ عقود، وهي تأتي بعد إصرار ساركوزي، الذي تولى الرئاسة بين عامي 2007 و2012، على نفي الاتهامات الموجهة إليه واصفاً إياها بـ"الشاذة".

بدأت القصة عام 2011، مع مطالبة سيف الاسلام القذافي حينها ساركوزي بـ"إعادة الاموال التي أخذها من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية"، قائلاً "نحن موّلنا حملة ساركوزي ولدينا إثباتات حول ذلك".

تزامن ذلك مع انزعاج عائلة القذافي من قرار فرنسا الانخراط في حملة "الناتو" للإطاحة بالزعيم الليبي بعد بدء التحركات ضدّه، الأمر الذي عقّد العلاقات التي تعزّزت بين القذافي وساركوزي بعد فترة وجيزة من تولي الأخير الرئاسة الفرنسية، ودعوته الزعيم الليبي إلى فرنسا والترحيب الحارّ به ومنحه أوسمة رفيعة.

بعد تصريح سيف الإسلام القذافي بعام، وأثناء حملة ساركوزي الانتخابية لولاية ثانية، نشر موقع "ميديابارت" وثيقة ليبيّة موقعة من رئيس الاستخبارات الليبية السابق موسى كوسا تشير الى منح 50 مليون يورو (54 مليون دولار بالسعر الحالي) لحملة ساركوزي.

ويُعتبر مثل هذا المبلغ أكثر من ضعف حدّ تمويل الحملة الانتخابية القانوني، والذي كان 21 مليون يورو في ذلك الوقت، كما أن الدفعات المزعومة تنتهك أيضاً القواعد الفرنسية ضد التمويل الأجنبي والإفصاح عن مصدر تمويل الحملة، بحسب القضاء الفرنسي.

وفي العام 2013، تمّ توجيه تهم تبييض أموال وتهرب ضريبي ضمن عصابة منظمة وتزوير إلى كلود غيان، المدير السابق لمكتب ساركوزي، بعدما تمّ التأكيد على صحة المستندات التي كان غيان وساركوزي قد زعما بأنها "مزورة".

دور رجل الأعمال اللبناني

اتخذت القضية منحى جديداً عام 2016، حين كشف رجل الأعمال اللبناني زياد تقي الدين أنه سلّم ثلاث حقائب من المال لغيون، عندما كان يشغل منصب وزير الداخلية، قبل الانتخابات الرئاسية عام 2007 في مناسبتين مختلفتين، ثم لساركوزي شخصياً في مرحلة ثالثة.

أقوال جاهزة

شارك غردعام 2012، نشر موقع "ميديابارت" وثيقة ليبيّة موقعة من رئيس الاستخبارات الليبية السابق موسى كوسا تشير الى منح 50 مليون يورو لحملة ساركوزي

شارك غردكشف مصدر مقرّب من التحقيق لوكالة "رويترز" أن وزير الداخلية في حكومة ساركوزي بريس هورتفو، وهو صديق الرئيس الفرنسي السابق منذ ثلاثين عاماً، يخضع بدوره للتحقيق بشأن التمويل الليبي

وقال تقي الدين، في مقابلة مسجلة مع موقع "ميديابارت"، أنه أعطى غيون، الأمين العام للإليزيه خلال ولاية نيكولا ساركوزي ووزير الداخلية لاحقاً، ثلاث حقائب من المال الليبي.

وقدّر رجل الأعمال اللبناني، المقرب حينها من القذافي، قيمة الأموال المقدمة بـ5 ملايين يورو، لافتاً إلى أنه تسلم الأموال التي حملها إلى ساركوزي من مسؤولين في جهاز الاستخبارات الليبي.

وبحسب "لوموند"، فقد أتت تلك التصريحات لتؤكد ما قاله مدير الاستخبارات الليبي السابق عبد الله السنوسي، في سبتمبر 2012، أمام المدعي العام للمجلس الوطني الانتقالي الليبي.

ولم تكن تلك كل الإشارات حول تورط ساركوزي مع القذافي، فقد كشفت مذكرات وزير النفط الليبي السابق شكري غانم، الذي توفي عام 2012 في ظروف لا تزال غامضة، والتي حصلت عليها الجهات القضائية الفرنسية وجود مدفوعات إلى نيكولا ساركوزي.

من جهته، صرّح بشير صالح، مهندس علاقات القذافي مع فرنسا الذي أصيب مؤخراً بنيران خلال هجوم في جوهانسبرج، لصحيفة "لوموند" ما مفاده "قال القذافي إنه موّل ساركوزي وادعى ساركوزي أن ذلك خطأ. وأنا أصدق القذافي في ذلك".

وفي يناير الماضي، أوقف رجل الاعمال الفرنسي من أصل جزائري ألكسندر الجوهري في لندن بناء على مذكرة اعتقال اوروبية صادرة عن القضاء الفرنسي، لاتهامه بـ"تبييض أموال" في إطار التحقيق حول التمويل الليبي المحتمل لحملة ساركوزي.

هل يوجد أدلة جديدة؟

كشف مصدر مقرّب من التحقيق لوكالة "رويترز" أن وزير الداخلية في حكومة ساركوزي بريس هورتفو، وهو صديق الرئيس الفرنسي السابق منذ ثلاثين عاماً، يخضع بدوره للتحقيق بشأن التمويل الليبي.

بعد كل ذلك هل يعني قرار وضع ساركوزي رهن الاحتجاز أن القضاة قاموا بجمع أدلة جديدة على التمويل غير القانوني للحملة من أجل تحديه مباشرة؟ وهل قررت السلطات الليبية أخيراً التعاون؟ تطرح "لوموند" تلك الأسئلة لتشير إلى أن مصادرها أبلغتها أن  العديد من الشخصيات الليبية السابقة في عهد القذافي كشفت  أيضاً عن أدلة جديدة على وجود شكوك تمويل غير مشروعة.

هكذا يواجه ساركوزي التحقيق، والاحتجاز لمدة 48 ساعة حسب مصادر التحقيق، في قضية شغلت الرأي العام الفرنسي والعالمي منذ عام 2011، من دون أن تكون الوحيدة إذ جرت ملاحقته في وقت سابق نتيجة اشتباه القضاء باستعانته بشركة "بغماليون" لاستخدام نظام فواتير مزورة بهدف إخفاء تجاوز السقف القانوني للنفقات في حملته الانتخابيّة. وباتت القضية تُعرف بـ"قضية بغماليون".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي