أقرباء "الدواعش" معزولون في مخيمات ومحرومون من العودة... "تبرؤنا من أبنائنا لم يشفع لنا"

أقرباء "الدواعش" معزولون في مخيمات ومحرومون من العودة... "تبرؤنا من أبنائنا لم يشفع لنا"

"تبرأت من ابني وأقسمت بألا أبكي عليه حتى وإنْ شاهدتهُ مقتولاً أمام عيني، لكن كل هذا لم يشفع لي أمام الحكومة والناس"، يقول والد منتم إلى تنظيم داعش يسكن الآن في مخيم الشهامة في محافظة صلاح الدين، شمال العاصمة العراقية بغداد.

في نهاية عام 2014، طلب تنظيم داعش من سُكان الساحل الأيمن في قضاء الشرقاط التابع لمحافظة صلاح الدين التطوُّع للقتال معه. وكان أحمد الجبوري، 19 عاماً آنذاك، واحداً من المتطوعين الذين استمروا في القتال مع التنظيم.

"لا نأبه لحياة ابننا"

لا تعرف عائلة أحمد الجبوري التي تسكن حالياً في مخيم الشهامة "مصيره حتى الآن"، بحسب قول الأب، رغم أنهم لم يعودوا "آبهين" لحياته أو موته، فهم أعلنوا "البراءة" منه بسبب انتمائه إلى داعش.

يقول الوالد حردان الجبوري لرصيف22: "ما ارتكبه غيرنا من عمليات إجرامية أو انتماء إلى تنظيم داعش يجب ألا نتحمل وزره نحن، فكل إنسان مسؤول عن تصرفاته وأفعاله".

ولكن لم يشفع تبرّؤ الأهل من ابنهم في عودتهم إلى منزلهم الذي نزحوا منه عام 2015 عن طريق التهريب. مشكلتهم ليست مع الحكومة العراقية فحسب بل مع بعض العشائر التي هددتهم بالقتل إذا عادوا إلى منطقتهم.

تُشير المعلومات المتداولة في الإعلام وفي أوساط المنظمات الحقوقية إلى أن هُنالك 20 ألف عائلة قاتل أبناؤها إلى جانب تنظيم داعش وعُزلت في مخيمات في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، ومُنعت من العودة إلى مناطقها الأصلية.

هذا يعني أن العزل يشمل حوالي 100 ألف مدني، وهؤلاء جميعهم يقيمون في مخيمات تفتقد بحسب منظمات حقوقية "للحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم".

في أغسطس 2016، أصدرت الحكومة المحلية في محافظة صلاح الدين قراراً ينص على ترحيل أسر عناصر داعش خارج المحافظة لفترة تصل إلى عشر سنوات. وقيل حينذاك إن القرار اتُّخذ بضغط من مجموعات الحشد الشعبي.

لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة. يبدو أن الحكومة العراقية لا تستطيع السيطرة على المشاكل المجتمعية إذا ما حدثت أية اعتداءات على أقرباء عناصر تنظيم داعش، لذا اتخذت خطوة تُعد قاسية هي عزلهم في مخيمات مشيّدة في مناطق بأطراف المحافظات.

يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة هشام الهاشمي لرصيف22 إن "عزل عوائل تنظيم داعش في مخيمات لوحدها، انتهاك لحقوق الإنسان، وهو أمر ينتفع منه تنظيم داعش أو أي تنظيم آخر، فتلك المخيمات ممكن أن تكون أرضاً خصبة لصناعة المتطرفين".

"الجلوة" تمنع العودة

في النظام العشائري العراقي، هُناك ما يُعرف بـ"الجلوة" أي الإجلاء، وهي آلية لطرد أهل وذوي مرتكب أية جريمة، كالقتل أو تلك التي تتعلق بـ"الشرف"، من مدينتهم إلى مدينة أخرى، وهذا عائق آخر يقف في وجه أسر عناصر تنظيم داعش.

ترفض بعض العشائر، خاصة في محافظة صلاح الدين، عودة أسر المنتمين إلى داعش نتيجة الخلافات العشائرية التي ظهرت أثناء فترة سيطرة التنظيم على المحافظة وتبادل الاتهامات في ما بينها والتي وصلت حد التخوين.

أقوال جاهزة

شارك غردفي النظام العشائري العراقي، هُناك ما يُعرف بـ"الجلوة" أي الإجلاء، وهي آلية لطرد أهل وذوي مرتكب أية جريمة، كالقتل أو تلك التي تتعلق بـ"الشرف"... وهذا عائق يقف في وجه عودة أسر عناصر داعش إلى منازلهم

شارك غرد"هُجم على منزلنا مرة بعبوة صوتية وثلاث مرات بإطلاق عيارات نارية على جدرانه، كل هذا لأن قريبنا من الدرجة الثانية كان مع تنظيم داعش"... أقرباء "الدواعش" محرومون من العودة إلى منازلهم

شارك غردعراقية سبعينية: "وضعنا صعب ومأساوي، أحد أبنائي انتمى إلى تنظيم داعش لكنني وإخوته وأخواته تحملنا وزر ما فعله والناس تُهددنا بالقتل إذا ما عُدنا إلى مناطقنا. ليس بقدرتنا شيء لفعله"

الحال ذاته في محافظة الأنبار التي شهدت بداية وجود تنظيم داعش في العراق، وآخر مكان خرج منه عسكرياً، إذ تعرّضت الأسر التي عادت لمضايقات واعتداءات عدة أجبرتها في ما بعد على الهرب مجدداً باتجاه مناطق أخرى.

في قضاء هيت التابع لمحافظة الأنبار، عادت بعض الأسر التي انتمى أبناؤها أو أقاربها إلى داعش في منتصف عام 2017، لكنها لم تبقَ طويلاً في منازلها، فبعد شهر غادرت مجدداً إلى مناطق غير معلومة.

تعرّضت تلك الأسر إلى تهديدات من قبل "مجهولين" بحسب قول بعض أفرادها، تراوحت بين إلقاء قنابل صوتية على منازلها أو إطلاق النار عليها أو إرسال أوراق مرفقة برصاصة تُطالبها بترك المنطقة التي عاشوا فيها طوال عقود.

أبو سعد هو أحد هؤلاء. تحدث لرصيف22 عبر الهاتف، ويقول: "نزحنا من الرمادي إلى قضاء هيت لكننا تعرّضنا لهجمات من قبل مجهولين أربع مرات".

ويُضيف: "هُجم على منزلنا مرة بعبوة صوتية وثلاث مرات بإطلاق عيارات نارية على جدرانه، كل هذا لأن قريبنا من الدرجة الثانية كان مع تنظيم داعش".

ولأن أبا سعد ينتمي إلى عشيرة الدليم المعروفة بنفوذها المجتمعي في محافظة الأنبار، تمكن من البقاء في هيت حتى عاد إلى قضاء الرمادي وهو مركز محافظة الأنبار في سبتمبر 2017.

"وضعنا صعب ومأساوي"

تقول وحدة الجميلي وهي ناشطة في مفوضية حقوق الإنسان العراقية (مؤسسة وطنية)، إنه "ليس من الصحيح أن تتخذ الحكومة العراقية قراراً بعزل عوائل تنظيم داعش في مخيمات بعيدة عن الناس".

وتُضيف لرصيف22: "هنالك جُهد حكومي يجب أن تقوم به الحكومة العراقية من خلال تحقيق المصالحة المجتمعية وتثقيف سُكان المناطق المحررة بأن الأشخاص الذين يرتبطون بصلة قرابة مع عناصر تنظيم داعش ليس لهم أي ذنب بما فعله أقاربهم".

في نوفمبر 2016، تعرّضت أسر عناصر داعش في منطقة حمام العليل في مدينة الموصل لهجوم من قبل مواطنين، وأُحرق نتيجة ذلك الهجوم 20 منزلاً.

وتكررت مُطالبات طرد أسر داعش من مناطقهم، إذ تظاهر ما يُقارب الـ500 شخص في ناحية القيارة في مدينة الموصل في يونيو 2017 لمطالبة الحكومة بطرد أي عائلة لديها منتمٍ إلى التنظيم الذي يتزعمه أبو بكر البغدادي.

في مخيم "الجدعة" في محافظة نينوى، عُزلت أسر عناصر التنظيم في مخيمات النزوح لوحدها دون أن يُسمح لأحد بالاقتراب منها أو التحدث إليها، ولا يخرج منها أحد إلا في الحالات الاضطرارية التي تتعلق بصحته.

يوجد مخيم الجدعة في ناحية الجدعة وهي منطقة تُحيط بها الصحراء من الجهات الأربع وتعرّضت الأسر النازحة إليها إلى أكثر من اعتداء سابق على يد تنظيم داعش.

امرأة سبعينية تحدثت لرصيف22 هاتفياً بمساعدة أحد عُمال الإغاثة الذين يدخلون المخيم، عن "المأساة" التي تواجههم وانقطاع الأمل بالعودة إلى مناطقهم.

تقول أم عامر بحسب ما سمّت نفسها خلال المكالمة الهاتفية التي لم تدم لأكثر من 50 ثانية: "وضعنا صعب ومأساوي، أحد أبنائي انتمى إلى تنظيم داعش لكنني وإخوته وأخواته تحملنا وزر ما فعله والناس تُهددنا بالقتل إذا ما عُدنا إلى مناطقنا. ليس بقدرتنا شيء لفعله".


مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي