دراسة إسرائيلية: تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر له آثار جيوسياسية تطال حزب الله في لبنان

دراسة إسرائيلية: تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر له آثار جيوسياسية تطال حزب الله في لبنان

أثار التوقيع على صفقة الغاز، بين شركة دولفينوس المصرية والشركاء في حقلي الغاز الإسرائيليين تمار ولفياثان، حالة من السعادة الحذرة لدى الجانب الإسرائيلي. وتباينت ردود الأفعال ما بين الفرح والحذر وسط طرح العديد من التساؤلات حول توقيت الصفقة وشكوك حول احتمالية إتمامها، وإمكانية وجود تفاهمات أو اشتراطات غير معلنة بين الجانبين، عززتها فكرة عدم الاتفاق على بعض النقاط الجوهرية في الصفقة مثل طرق نقل الغاز وغيرها.

شركة دولفينوس

في هذا الصدد، أصدر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، دراسة أعدها الباحثون عوديد عيران، وعيلي راتيغ، وعوفير فينتر، تحت عنوان "صفقة الغاز مع مصر: إسرائيل تعمق مرساها في شرق البحر المتوسط" تناولت الجوانب المختلفة للصفقة، ومآلاتها على العلاقات بين إسرائيل وجيرانها ودورها في خلق تحالف إقليمي يجذب إليه قوى اقتصادية خارجية.

إلى نص الدراسة:

في التاسع عشر من فبراير، أعلن شركاء الغاز في إسرائيل عن اتفاقية لتصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى مصر بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات. الاتفاقية تم التوقيع عليها بين مالكي حقلي "تمار" و"لفياثان" وبين مجموعة دولفينوس المصرية، وتقوم على أساس مذكرة التفاهمات التي تم التوقيع عليها في أكتوبر من عام 2014. ويمكن الافتراض أن الحكومة الإسرائيلية كان لها دور مهم في إتمام هذه الصفقة، سواء عن طريق دعمها أمام الحكومة المصرية، وربما أيضاً من خلال تغطية الضمانات المطلوبة من شركة دولفينوس من أجل التوقيع على الصفقة.

استند الضوء الأخضر الذي أعطته القاهرة لتنفيذ هذه الصفقة، بعد تأخر مصري طويل، على مجموعة من الحسابات أو الاعتبارات: أولاً، رغبة مصر في تسوية التعويضات والمقدرة بنحو 1.76 مليار دولار والمطلوب من شركات الغاز المصرية دفعها لشركة الكهرباء الإسرائيلية بموجب قرار تحكيم دولي منذ عام 2015؛ ثانياً، مهّد قرار تخصيص معظم الغاز المنتج من حقل ظهر للسوق المصري الطريق أمام ضخ الغاز من إسرائيل وقبرص ودول أخرى إلى منشآت إسالة الغاز في مجمعي دمياط وإيدكو من أجل تصديره إلى أوروبا، وهي الخطوة التي تعظم من القيمة الاقتصادية والسياسية الكامنة في كون مصر هي الوحيدة في المنطقة التي تمتلك بنية تحتية لإسالة الغاز. ثالثاً، تأمين عائدات تقدّر بنحو 22 مليار دولار خلال العقد المقبل وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين مصر وأوروبا.

على الرغم من مزاياها، أثارت صفقة الغاز مع إسرائيل جدلاً شعبياً في مصر، فالعناصر الإسلامية التي يقيم معظمها خارج مصر، عارضت "استيراد غاز عربي إسلامي مسروق من دولة الاحتلال وضخ المليارات للخزينة الصهيونية"، فيما أشارت المعارضة الموجودة داخل مصر إلى المخاوف من خلق تعلق مصري بإسرائيل، وتركزت انتقاداتهم في التشكيك بالجدوى الاقتصادية للصفقة بالنسبة للشعب المصري وانعدام الشفافية في التوقيع عليها.

ورداً على ذلك، أشار المتحدثون باسم الحكومة إلى الاعتبارات التركية - القطرية المادية التي تقف وراء جزء من الانتقادات الموجهة للصفقة. وفي تصريحاتهم، قلصوا من الدور الحكومي في لعب دور الوسيط بالصفقة، وقللوا من أهميتها السياسية وأكدوا على فوائدها الاقتصادية. وأعرب الرئيس (المصري عبد الفتاح) السيسي الذي ينشغل حالياً بالمعركة الانتخابية لفترة رئاسة ثانية، عن رضاه على تصدير غاز المنطقة من خلال مصر وليس أية دولة أخرى، في إشارة إلى تركيا. وبحسب قوله، فقد حققت مصر بفضل هذه الصفقة موطئ قدم لها في شرق البحر المتوسط، وجلعت نفسها مركزاً إقليميا للطاقة وبحسب تعبيره "سجلت هدفاً كبيراً".

"الغول" أو "الهدف" الذي احتفل به الرئيس السيسي، يجعل، على ما يبدو، مصر وإسرائيل لاعبين في نفس الفريق، ويعمل على دفع أهدافهما المشتركة. وأكدت المقالات في الصحف المصرية الحكومية على المكاسب التي ستجنيها كلتا الدولتين من الصفقة، وأشارت بعضها إلى العلاقة بين التنسيق الأمني في سيناء وبين توسيع التعاون في مجال الطاقة.

أقوال جاهزة

شارك غردمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: الدول العربية التي ترتبط باتفياقات غاز مع إسرائيل ستعمل على وقف خطب حزب الله الرنانة في لبنان

شارك غردمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: ضخ الغاز من إسرائيل إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، يحول دون قدرة حزب الله وحماس على إلحاق الضرر بقدرة إسرائيل على إنتاج الغاز

شارك غرددراسة إسرائيلية: اتفاقيات الغاز التي تعقدها إسرائيل مع الدول العربية ترسخ علاقاتها مع جيرانها من خلال خلق شبكة من المصالح المتبادلة، وتفتح إمكانية لتعاون إقليمي يتجاوز قضية الغاز الطبيعي

يعطي هذا المنظور المصري عمقاً إضافياً لعلاقات السلام، ويؤكد على المصلحة المتبادلة طويلة الأجل في رعاية هذه العلاقة. كما تخلق صفقة الغاز منصة للتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف في المنطقة، والتي ستضم مصر وإسرائيل. ومع ذلك، من السابق لأوانه اعتبار هذه الاتفاقية بمثابة اختراق في مجال التطبيع. فقد تم عقد صفقات الطاقة بين إسرائيل ومصر منذ الثمانينيات، حتى أن الصفقة الحالية ليست سابقة من نوعها. بالإضافة إلى ذلك، من الصعب في هذه المرحلة، تقدير حجم ثمار الصفقة ومدى تسربها إلى الجمهور المصري العريض وقدرتها على دفعه باتجاه المزيد من التقدير والتعاطف مع السلام.

من القضايا الرئيسية التي لم يتم حلها في الاتفاقية، هي طريقة نقل الغاز من إسرائيل إلى مصر. ذكر إعلان لاحق تقدّمت به شركات الغاز إلى البورصة، أن المفاوضات جارية مع EMG لاستخدام خط الأنابيب الأصلي، الذي تم إغلاقه في عام 2011. وهذا هو البديل الأرخص والأسرع على الإطلاق، ولكنه يواجه تحديات أمنية كبيرة لأنه معرض لأعمال تخريبية في شبه جزيرة سيناء، سواء تلك الناجمة عن الدوافع الأيديولوجية أو عمليات الابتزاز التي تمارسها القبائل في المنطقة.

وإذا لم يتحقق هذا الخيار، هناك بديل آخر رخيص وهو إنشاء خط أنابيب بري بطول 100 كيلومتر من جنوب قطاع غزة، يربط بين خط أنابيب الغاز في جنوب إسرائيل وخط الأنابيب المصري في سيناء عن طريق معبر كرم أبوسالم أو معبر نيتسانا. يتيح هذا الخيار لإسرائيل الوصول إلى خط أنابيب الغاز العربي إلى الأردن (الذي يواصل طريقه إلى لبنان وسوريا)، ولكنه أيضاً عرضة لتهديدات أمنية.

وهناك بديل أكثر أمناً ولكن أكثر تكلفة يتضمن وضع خط أنابيب مباشر تحت الماء من حقل "تمار" إلى مصر بطول حوالي 300 كيلومتر. والحقيقة أن هذه الصفقة التي تم توقيعها بين الطرفين دون حل موضوع طريقة نقل الغاز، وهو البند الذي له انعكاسات كبيرة على ربحية الصفقة وسعر الغاز، يزيد من احتمال وجود اعتبارات سياسية واقتصادية لعبت دوراً في نجاح الصفقة أو في توقيتها. وبالإضافة إلى مشكلة النقل، فربما يؤدي الفشل في تسوية مشكلة الدين المستحق لشركة الكهرباء إلى صعوبة تنفيذ الاتفاق.

البديل "المصري" لنقل الغاز من إسرائيل، وفي المستقبل من قبرص وربما من لبنان، أصبح أكثر واقعية من مد خط أنابيب إلى تركيا. ويرجع ذلك إلى تطرف السياسة الإقليمية التركية، وتدهور علاقات تركيا مع أوروبا، واحتمالية تعاظم دور حزب الله بعد الانتخابات المقبلة في لبنان، والذي من المتوقع أن يمر خط الأنابيب إلى تركيا عبر مياهه الاقتصادية. يضاف إلى ذلك سياسة الطاقة الجديدة التي تنتهجها تركيا خلال العام الماضي، والتي تقوم بشكل رئيسي على خفض معدل استهلاك الغاز الطبيعي في الاقتصاد لصالح التوسع في استخدام الفحم والطاقة المتجددة (والطاقة النووية في وقت لاحق).

في المقابل، تقدم مصر لإسرائيل سوقاً محلية متنامية وإمكانية استخدام مرافق إسالة الغاز لنقله إلى أوروبا. ونظراً للمنافسة الكبيرة المتوقعة على سوق الغاز المسال في أوروبا خلال السنوات القادمة، فإن استخدام مرافق الإسالة الحالية هو البديل الحقيقي الوحيد أمام شركاء الغاز في إسرائيل إذا رغبوا في تقديم سعر تنافسي.

بالإضافة إلى ذلك بنت الأردن ومصر خط أنابيب، كجزء من اتفاق لتوريد 45 مليار متر مكعب من الغاز على فترة أطول من 15 عاماً، وُقّع في عام 2016. خط الأنابيب هذا سيمر من شمال بيت شيعان وسينقل الغاز أيضاً إلى السلطة الفلسطينية، ويسمح بتدفق للغاز أكبر بثلاث مرات من الكمية المطلوب نقلها بحسب الصفقة من الأردن، ما يفتح الباب أمام إمكانية خلق "ارتباط شمالي" مع خط أنابيب الغاز العربي الذي يمر عبر الأردن.

صفقات الغاز مع الأردن ومصر لها قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى إسرائيل والمنطقة. يضاف إلى ذلك اتفاق مستقبلي محتمل مع السلطة الفلسطينية، سوف يسمح بإمداد الغاز وربما التنقيب عن الغاز وإنتاجه من قبالة سواحل غزة. هذه الاتفاقيات ترسخ علاقات إسرائيل مع جيرانها من خلال خلق شبكة من المصالح المتبادلة، وتفتح إمكانية لتعاون إقليمي يتجاوز قضية الغاز الطبيعي، مثل استيراد وتصدير الكهرباء والمياه المحلاة.

من وجهة نظر أمنية، فإن ضخ الغاز من إسرائيل إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية يجعلها مصلحة إقليمية وليست إسرائيلية فقط. في الواقع الجديد الذي سيتم خلقه، فإن أي ضرر قد يلحق بقدرة إسرائيل على إنتاج الغاز من جانب حزب الله أو حماس سيضر أيضاً بإمدادات الكهرباء للأردن ومصر والسلطة الفلسطينية. وسيشكل هذا التهديد عاملاً هاماً للتعاون الاستخباري والأمني ​​من جانب البلدان المتجاورة للحد من أعمال التخريب ومنعها، فضلاً عن كونه حافزاً لها للتهدئة في حال نشوب حرب مع أي تنظيم من التنظيمات.

من وجهة نظر اقتصادية، فإن الشراكة بين إسرائيل وجيرانها في ما يتعلق بموارد الطاقة ستشجع دخول المزيد من المستثمرين إلى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وستوضح لهم أنه يمكن تنفيذ مشروعات واسعة النطاق للتنقيب والإنتاج، تتطلب تعاوناً إقليمياً.

قد يكون للاتفاقية أيضاً آثار على القضية اللبنانية. إذ يشكل النزاع الذي لم يحسم حتى الآن مع لبنان حول ترسيم الحدود البحرية إزعاجاً سياسياً وأمنياً لإسرائيل. فمن ناحية، هو لم تيمنع مصر أو الأردن من الدخول في صفقة طاقة طويلة الأمد مع إسرائيل. ومن الواضح أن أية مواجهة عسكرية بين إسرائيل ولبنان ستكون لها عواقب وخيمة، خاصة على لبنان، ومن بينها حظر القدرة على استغلال النفط والغاز في مياهه، كما أنها من شأنها أن تضر أيضاً بالمصالح الإسرائيلية في كل ما يتعلق بتطوير حقول الغاز القريبة من الحدود.

من المنطقي الحسم بأن التصريحات العنترية التي تصدر هذه الأيام في لبنان والرفض المتكرر لمقترحات الولايات المتحدة للتسوية، ما هي إلا مؤثرات خلفية للانتخابات القريبة في لبنان. ومع ذلك، فمن الأفضل أن تعمل الدول التي تحافظ على حوار سياسي مع لبنان، وخاصة تلك التي تشارك شركاتها في تطوير حقول الغاز، على وقف الخطب الرنانة في لبنان.


التعليقات

المقال التالي