أمل هباني... 15 اعتقالاً حصيلة معاركها ضد النظام السوداني حتى الآن

أمل هباني... 15 اعتقالاً حصيلة معاركها ضد النظام السوداني حتى الآن

"ليست المرة الأولى، لكنها الأعنف". هكذا تصف أمل هباني اعتقالها الأخير. للمرة الـ15، تختبر الصحافية والناشطة الحقوقية والسياسية السودانية آلة القمع السودانية، في بلد تتزايد فيه الانتهاكات والتضييق على الحقوق والحريات، ‏وترتفع وتيرة القسوة والعنف، ويزيد عدد المعتقلين في سجونه يوماً بعد يوم.

يوم خروج امل من السجن

عاد اسم أمل هباني إلى الضوء مؤخراً بعد اعتقالها من قبل النظام في 16 يناير الماضي، ثم الإفراج عنها في 18 فبراير. كانت أمل تقوم بتغطية صحافية لمسيرة سلمية ضد الغلاء، دعا إليها الحزب الشيوعي السوداني، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار.


وتعتبر أمل أن مطالب المتظاهرين عادلة فما يحدث في السودان مؤخراً، وفق ما قالت لرصيف22، هو "انهيار اقتصادي شامل".

"وصل التدهور منتهاه"

"تعرّضتُ للاعتقال 15 مرة بسبب آرائي وأفكاري ومواقفي التي أكتبها في الصحف أو بسبب نشاطي الحقوقي، كما تعرّضت للفصل من العمل، والإيقاف عن الكتابة في الصحف اليومية، والتهديد بالقتل، وغيرها الكثير من المضايقات والانتهاكات"، تروي الناشطة السودانية.

وتؤكد أن ما تعرّضت له ليس حالة خاصة بل يتعرّض لمثله عشرات الرجال والنساء الذين يعملون من أجل التغيير السياسي والاجتماعي في السودان، "فهناك مَن اعتُقلوا وعُذبوا وحوربوا في أرزاقهم واضطروا للفرار من السودان أمام بطش السلطة بهم"، تقول.

أمل التي تقول إنها تتعرّض لمراقبة هاتفها وتتلقى بشكل مستمر رسائل تهديد، تعرّضت مراراً للضرب والإهانة والمنع من السفر. لكنها على الرغم من ذلك تعتبر أن الفترة الحالية هي الأسوأ على السودان.

وتقول: "السودان الآن في حالة انهيار سياسي واقتصادي تام. بدأ التدهور منذ مجيء هذا النظام عام 1989، ‏وهو بدأ كنظام ديني مهووس لا يختلف أبداً عن حركة طالبان وتنظيمي القاعدة وداعش، إذ حطّم مؤسسات الدولة، واستبدل قيم ‏المواطنة في الدولة المدنية بقيم الخرافة في الدولة الإسلامية، والقيم العشائرية والقبلية، بالإضافة إلى تفشي الفساد".

وتضيف: "وصل التدهور منتهاه بإعلان الميزانية الجديدة، لعدم وجود إنتاج يدعم الاقتصاد في دولة يشقها أطول نهر في العالم وكل أراضيها صالحة ‏للزراعة واستخراج الذهب والمعادن، لكن الحكومة، بدل أن توقف فساد منتسبيها الذي يعتبر السبب الرئيسي ‏لهذا الانهيار، تستهدف المتظاهرين، الذين يمارسون حقهم الطبيعي في الاعتراض على زيادات تذبح المواطن السوداني".

بعد إعلان الحكومة ميزانية العام الجديد، وإرسالها إلى البرلمان مطلع يناير، رُفع الدعم عن الدولار فارتفع سعره ثلاثة أضعاف ليفوق الـ18 ‏جنيهاً سودانياً. كما رُفع الدعم عن القمح، ليصل سعر رغيف الخبز إلى جنيه سوداني، بعد أن كان هذا المبلغ يشتري ثلاثة ‏أرغفة.

وارتفعت أسعار السلع، خصوصاً الأدوية بشكل جنوني، وفقدت الحكومة السيطرة على ‏الدولار في السوق الموازي، حتى وصل إلى مشارف الخمسين جنيهاً سودانياً.

وبعد ذلك، اتخذت الحكومة ‏حزمة إجراءات اقتصادية فلاحقت تجار العملة واعتقلت العشرات منهم، "والآن لا يستطيع المواطن سحب أمواله المودعة في المصارف، لأن إجراءات الحكومة تسبب ‏في أزمة في السيولة"، تقول أمل.

في ظل هذه الظروف، خرجت التظاهرة الاحتجاجية التي كانت أمل تقوم بتغطيتها. وأثناء عملها، تفاجأت بتقدّم قوة عسكرية باتجاهها هي وزميلها عمر عشاري. وتروي: "بدأوا بضربنا وحاصرونا، ضربوا عمر بعصا كهربائية حتى وقع على الأرض. قلت لهم لا تضربوه ‏بالكهرباء! فالتفوا ‏حولي وهم يصرخون: أمل هباني تصوّرنا... أمل هباني تصوّرنا... وهجموا عليّ وضربوني ‏بعصي عادية وكهربائية".

لم يتوقف الأمر هنا. اقتادوها إلى عربة تابعة لهم. وأثناء ذلك، شاهدتها ناشطة سياسية اسمها ‏صفية عبد الحميد فوقفت أمامهم لمنعهم من ضربها فانهالوا على الأخيرة بالضرب واعتقلوها معها، إلا أنهم أطلقوا ‏سراحها في مساء اليوم نفسه.

أقوال جاهزة

شارك غردالناشطة السودانية أمل هباني: "التدهور بدأ منذ مجيء هذا النظام عام 1989، ‏وهو بدأ كنظام ديني مهووس لا يختلف أبداً عن حركة طالبان وتنظيمي القاعدة وداعش..."

شارك غردالناشطة السودانية أمل هباني تروي لرصيف22 قصة اعتقالها للمرة الـ15، وقصص اعتقال الناشطين السودانيين وتعذيبهم بسبب مطالبتهم بالحد من الغلاء وبالسماح للمرأة بارتداء البنطال وبأمور أخرى

تعذيب في المعتقل

وصلت أمل إلى مكاتب الأمن مرهقة، وكانت تسعل بشدة، وبدأت تشعر بزيادة في نبضات قلبها وصعوبة في التنفس، فطلبت منهم إحضار طبيب لكنهم لم يستمعوا إليها.

وبعد اعتقالها بأيام قليلة، راحت تنتشر أخبار عن تعرّضها للتعذيب والضرب والمنع من رؤية طبيب.

تؤكد أمل هذه الأخبار وتشير إلى أنها تعرّضت للضرب بالهراوات والعصي الكهربائية. وتقول: "تدهورت صحتي في الأيام الأولى نتيجة الضرب وأصبت بالتهاب حاد في الصدر والأذن. فقد ضربوني بالكهرباء على عنقي وأذنيّ، وكان ضغطي يرتفع وينخفض. وكنت قد أصبت بمرض ارتفاع ‏ضغط الدم أثناء سجني في قضية نشر في يوليو الماضي".

وتضيف لرصيف22: "أتى أطباء عامون إلى المعتقل واستمعوا ‏إلى الشكاوى وأعطونا مسكنات وأدوية خفيفة. وبعد أسبوع، أصبت بدوار شديد ونزيف، كنت أخشى أن تكون ‏حالة إجهاض، لكنه توقف بعد أربعة أيام. ‏ثم نُقلت إلى مستشفى الأمل التابع لجهاز الأمن والمخابرات الوطنية".

خلال أكثر من شهر في المعتقل، تنقلت أمل بين زنزانتين أولاهما تصفها بأنها "ضيّقة وكنا ستّ نساء نكتظ فيها، والتهوئة سيئة والمكيف يبرد جداً أو يرتفع جداً". وجدت النساء مرتين عقرباً داخل الزنزانة، وفي المرة الثانية رفضن البقاء فيها وطالبن بتحويلهنّ إلى زنزانة أخرى، فتم نقلهنّ، و"هكذا أصبحنا تسع نساء داخل زنزانة تشبه القبر لا نخرج منها إلا للصلاة ودخول الحمام، ولا يفتح بابها إلا للطعام، الذي هو وجبة سيئة في أواني بلاستيكية غير صحية".

وتروي أمل: "لم نكن نقابل من هنّ خارج الزنزانة، لكننا كنا نسمع كحة الأستاذة سارة نقد الله، الأمينة العامة لحزب الأمة التي كانت مريضة بالقلب وتدهورت صحتها جداً داخل الزنزانة. كما أصيبت هنادي فضل، وهي عضوة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بداء التيفوئيد، ودخلت الناشطة النسوية ناهد جبر الله في إغماءة بسبب انخفاض السكر ثلاث مرات، وكادت تفقد حياتها لولا مساعدة معتقلات لديهنّ خلفيات طبية. وتدهورت صحة كثيرات من المعتقلات، وكنا نسمع أحياناً نحيب معتقلة مرضعة تضطر إلى سحب اللبن من ثديها حين يأتي وقت الرضاعة. باختصار كانت أوضاعاً مزرية ومسيئة لإنسانيتنا".

مناهضة "قانون النظام العام"

نشاط أمل السياسي والحقوقي كان حافلاً بتجارب الاعتقال والتضييقات. عام 1998، تخرّجت من كلية الآداب-قسم الإعلام في جامعة ‏الخرطوم، ونالت درجة الماجستير في الإعلام، وتخصصت منذ ذلك الوقت في كتابة العمود الصحفي.

اعتبرت أن الكتابة مشروع للتغيير الاجتماعي وإسهام في خلق مجتمع حداثي أكثر تحضراً وتمدناً. وعام 2000، تعرّضت للفصل من عملها من شركة كانت تعمل فيها، تزامناً مع عملها ككاتبة صحافية بسبب كتابتها قصة قصيرة بعنوان "الشغالة وأنا"، عن الحقوق التعاقدية لعاملات المنازل.

وعن تحوّلها إلى النشاط السياسي، تقول: "من خلال عملي الصحافي، اطلعت على حجم الفساد والظلم الذي يمارسه النظام الحاكم في السودان على الشعب، واتجهت في مواقفي وكتاباتي للشأن السياسي على خلفية الحقوق المجتمعية للنساء والرجال والمجموعات الإثنية والعرقية".

هكذا، امتد نشاطها ليشمل التحرك في الفضاء العام كمدافعة عن الحقوق والحريات، لقناعتها بأن "الكتابة الصحافية وحدها لن تحدث التغيير".

وتروي: "عملت كثيراً في مجال الإصلاح القانوني وحرية التعبير، ورفع الظلم عن النساء من خلال مناهضة القوانين المذلة للمرأة، خصوصاً قانون النظام العام، الذي يعتبر الأكثر انتهاكاً، بسبب تدخله في الخصوصية والحرية الشخصية عبر مواد تتعلق بالزي الفاضح وحيازة المواد الفاضحة، وتصل العقوبات فيه إلى الجلد والغرامة والسجن".

ساهمت أمل عام 2008 في تأسيس صحيفة "أجراس الحرية" التي حملت شعار "صوت المهمشين والديمقراطيين والمجتمع المدني". وعام 2009 كوّنت مع عدد من المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان مبادرة "لا لقهر النساء"، وهدفها إسقاط قانون النظام العام الذي ترى أنه "يشرّع العنف المتمثل في انتهاك الدولة ومؤسساتها لحقوق النساء.

شكلت المبادرة مجموعة ضغط تعمل من خلال الوقفات الجماهيرية والتظاهرات وكافة أشكال المقاومة السلمية، للمطالبة بإسقاط قانون النظام العام وقوانين أخرى يعتبرونها محقرة للنساء، وتجعلهن مواطنات من الدرجة الثانية، مثل قانون الأحوال الشخصية السوداني.

حين تشكّلت المبادرة، كان النظام يحاكم الصحافية لبنى أحمد حسين، بتهمة ارتداء "الزي الفاضح"، بسبب ارتدائها "البنطلون"، وهو لباس ممنوع على المرأة السودانية، وتُعتقل كثيرات دورياً بسبب ارتدائه.

في العام نفسه، كوّنت مع عدد من الصحافيين والصحافيات "شبكة الصحافيين السودانيين"، وهي مجموعة ضغط مهنية تطالب بحرية الصحافة ومواجهة القمع الأمني العنيف للصحف اليومية ووسائل الإعلام والتواصل.

وبحسب أمل، "تعمل الشبكة كهيئة مستقلة للدفاع عن حقوق الصحافيين، ومناهضة التدخل الأمني في شؤون الصحافة".

وعام 2010، تقدمّت الناشطة السودانية مع أخريات بمذكرة إلى وزارة العدل من أجل إلغاء قوانين النظام العام، فتم اعتقالهن وتعرضن للضرب والإهانة من قبل الأجهزة الأمنية التي ألقت القبض عليهن.

ثم في عام 2011، أغلقت السلطات صحيفة "أجراس الحرية"، بعد انفصال جنوب السودان، إذ اعتبرت أن الصحيفة ‏لم تعد سودانية. كما أوقفت صدور أربع صحف أخرى حينذاك، بدعوى انتماء مالكيها إلى دولة جنوب ‏السودان، ما يسقط عنهم الحق في إصدار صحف في جمهورية السودان.‏

في ذلك العام، وقبل إغلاق الصحيفة بشهر تقريباً، اعتُقلت أمل مع الصحافية السودانية فاطمة غزالي، ‏لنشرهما مقالات عن فتاة سودانية اتهمت عناصر من جهاز الأمن السوداني باغتصابها‎.‎‏ وانتشر على ‏الإنترنت فيديو للناشطة صفية إسحق تحكي فيه عن تفاصيل القبض عليها وتعرضها للاغتصاب.‏

جوائز وتكريمات

حصلت أمل عام 2009 على جائزة منظمة اليونيسف لكتاباتها عن حقوق الطفل. كما حصلت عام 2015 على جائزة جانيتا ساقان ‏التي تمنحها منظمة العفو الدولية للنساء المدافعات عن حقوق المرأة والطفل.

وكرّمت أمل منظمات وطنية، مثل مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، الذي أغلقته ‏السلطات الأمنية لاحقاً، وذلك عن مجهوداتها وكتاباتها في سبيل مناهضة قانون النظام العام والدفاع عن الحقوق والحريات، خصوصاً حقوق المرأة والطفل وحرية الصحافة والتعبير.

كما كرّمتها شبكة ‏صحافيون من أجل حقوق الإنسان، وهي منظمة سودانية تعمل من كينيا، بسبب حظر عملها داخل السودان، كالكثير من الجمعيات والمنظمات التي لا تعجب السلطات.

تؤكد أمل أن السلطة، ممثلةً في أجهزتها الأمنية، تقوم بانتهاكات واسعة حالياً بقمع واعتقال مئات النساء والرجال الذين ما زال معظمهم معتقلاً منذ يناير الماضي، كما تمارس هجمةً ‏شرسةً على الصحف وتمنعها من تداول أخبار ارتفاع الأسعار والاحتجاجات والتظاهرات.‏

وتؤكد أن اعتقالها شكّل لها دفعةً جديدة في الطريق الذي اختارته، وزادها ثقةً في نفسها وفي ما تفعله من أجل "تغيير المجتمع نحو التحضر والتمدن والإنسانية".

وتختم: "أجمل ما في اعتقالي الأخير هو حملة التضامن الواسعة جداً التي حظيت بها وزميلاتي المعتقلات. وعلى مستوى شخصي، أظهرت لي مدى محبة كثير من السودانيين لي وتقديرهم ودعمهم لنشاطي".


التعليقات

المقال التالي