محمد سعيد رسلان... الشيخ السلفي الذي حارب الثورات ورفض الديمقراطية والانتخابات

محمد سعيد رسلان... الشيخ السلفي الذي حارب الثورات ورفض الديمقراطية والانتخابات

إلى محافظة المنوفية، وبالتحديد إلى قرية سبك الأحد بمركز أشمون، يتوافد تلاميذ من مختلف أرجاء مصر بل ومن مختلف أنحاء العالم لتلقي العلوم الإسلامية على يد واحد من أشهر الدعاة المصريين السلفيين.

هذا التوافد كان سبباً في شهرة قرية سبك الأحد، إلى درجة أنها وُصفت بالقرية التي يسكنها الروس والأمريكيين، نظراً لعدد الأجانب المسلمين القاطنين فيها والذين يتخطى عددهم ألفي أسرة، وفقاً لأحد المواقع المتخصصة في نشر أخبار محافظة المنوفية.

الشيخ "أبو عبد الله"

هذا الداعية هو الشيخ السلفي المصري الشهير محمد سعيد رسلان الملقب بـ"أبي عبد الله". بحسب موقعه الرسمي، وُلد رسلان عام 1955 في قرية سبك الأحد بمركز أشمون بمحافظة المنوفية، ودرس الطب في بداية حياته وحصل على بكالوريوس طب وجراحة من جامعة الأزهر إلا أنه رفض العمل به وقرر التوجه إلى الدعوة الإسلامية فبدأ بتحصيل العلوم الإسلامية وحصل على ليسانس آداب من قسم اللغة العربية-شعبة الدراسات الإسلامية، ثم حصل على درجة الماجستير في علم الحديث بتقدير امتياز، وبعدها نجح في الحصول على الدكتوراه في علم الحديث بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى.

بدأ الشيخ رسلان بإلقاء دروسه الدعوية منذ ثمانينيات القرن الماضي، متخذاً من مسجده في سبك الأحد، والمعروف باسم "المسجد الشرقي"، منبراً يتحلّق حوله طلاب العلم الشرعي الإسلامي. ومع مرور الزمن راح طلابه يتكاثرون، خاصةً في ظل مواقفه التي يرى كثيرون أنها الأقرب إلى الفكر السلفي الصحيح.

لا خروج على الظالمين

للشيخ محمد سعيد رسلان مواقف شرعية ميّزته عن باقي دعاة السلفية في مصر، ولعل أبرزها رفضه التام والنهائي لفكرة الخروج على الحكام والقيام بثورات ضدهم لإسقاط حكمهم، حتى ولو كانوا فاسدين وظالمين، وذلك لكونهم ولاة أمر شرعيين لهم السمع والطاعة من جميع أبناء الشعب.

ومن هذه المنطلقات، رفض رسلان ثورات الربيع العربي ووصفها بأنها فوضى خلاقة لا تمتّ إلى الإسلام بأية صلة، في الكثير من دروسه وخطبه وكتاباته.

يرفض الشيخ رسلان أيضاً فكرة الانتخابات بكافة صورها وأشكالها ويعتبرها حراماً شرعاً، وكانت آخر فتاويه في هذا الصدد تحريمه للانتخابات الرئاسية المصرية التي ستجري قريباً، ومطالبته الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالاستمرار في حكمه دون أية انتخابات كونه ولي أمر شرعي لا يجوز الاستفتاء عليه أو التفكير في خلعه من منصبه.

ومن ضمن منهج الداعية السلفي البارز أيضاً رفض فكرة تأسيس الأحزاب والجماعات، باعتبار أن هذا الأمر يفرّق المسلمين. ولهذا دخل في عداء كبير مع كل الأحزاب الليبرالية ثم مع الأحزاب الإسلامية، عقب تأسيسها بشكل كبير بعد ثورة 25 يناير عام 2011، محرماً الانضمام إليها والتصويت لها في أية انتخابات.

وبسبب هذا الرأي، دخل الشيخ رسلان أيضاً في حرب ضروس مع جماعة الإخوان المسلمين إذ رفض منهجها وخصص عشرات الخطب والمحاضرات للتحذير مما يعتبره مخاطرها على الإسلام.

وقبل فوز مرشح الإخوان محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012، ألقى خطبة حذّر فيها الشعب المصري مما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد.

أقوال جاهزة

شارك غردالداعية محمد سعيد رسلان... ميّزته مواقف شرعية من أبرزها رفضه التام والنهائي لفكرة الخروج على الحكام ورفضه للديمقراطية والانتخابات ولثورات الربيع العربي التي وصفها بأنها فوضى لا تمتّ إلى الإسلام بأية صلة

شارك غرددخل في عداء كبير مع كل الأحزاب الليبرالية ثم مع الأحزاب الإسلامية ومع الإخوان المسلمين... الداعية محمد سعيد رسلان

ورغم كونه سلفياً في الأساس، إلا أنه رفض الجماعات والكيانات السلفية التي ظهرت في مصر عقب ثورة 25 يناير، وذلك لتأسيسها جماعات خاصة بها كـ"الدعوة السلفية" بالإسكندرية، بجانب مشاركتها في الحياة السياسية المصرية وتأسيسها للأحزاب مثل حزب النور، الذراع السياسي للدعوة السلفية. وحذّر رسلان من هذه الكيانات واتهمها بأنها تتمسّح بالمنهج السلفي وهو منها براء.

"توقعات الشيخ تحققت"

وفي ضوء هذا المنهج، بدأ الشيخ رسلان في تأسيس مدارس لنشر أفكاره، بعد أن أصبح مسجده في سبك الأحد غير كافٍ لاستيعاب كل مريديه، فأسس عدداً كبيراً من الكيانات الدعوية آخرها جامعة منهاج النبوة التي أطلقها عام 2017 لتعليم التلاميذ عن بعد علوم الشريعة الإسلامية.

كما أسس أيضاً كياناً دعوياً باسم "دار رسلان" عام 2016، بهدف تعليم الأطفال غير الناطقين باللغة العربية أصول لغة القرآن وأصول الشريعة الإسلامية.

أسئلة كثيرة تحيط بعمل الشيخ رسلان. من أين أتى بشهرته الواسعة التي تجاوزت مصر؟ وكيف أصبح له هذا الكم الكبير من التلاميذ؟ وكيف أسس مدارسه تلك ومن أين أتى بالمال للقيام بذلك؟

الداعية السلفي الشاب حسين مطاوع، أحد تلامذة الشيخ رسلان، يعتبر أن الشهرة التي وصل إليها الأخير سببها "إخلاصه في دعوته واهتمامه الشديد بقضايا الأمة والتركيز على ما يحاك لها وتحذير المسلمين من خطر بعض الجماعات وتحذيره أيضاً من خطورة ما حدث في العالم العربي من ثورات وقد حدث كل ما قاله وتوقعه فازدادت شهرته أكثر وأكثر".

أما عن كثرة تلاميذه وقدومهم من مختلف أنحاء العالم إلى قرية سبك الأحد ليدرسوا على يد الشيخ، فيرى مطاوع أن السبب في هذا الأمر هو أن علماء السنة في العالم يعرفون بعضهم بعضاً ويزكّي بعضهم بعضاً، وهؤلاء الطلاب الذين يأتون إلى الشيخ من شتى أنحاء العالم للدراسة عنده لم يأتوا إلا بتوصيات من علماء كبار قالوا لهم إن العلم في مصر يُطلب عند الشيخ رسلان، هذا بجانب سيرة الشيخ وعلمه وانتشار كتبه بشكل واسع "بفضل الله ثم إخلاصه في دعوته ومنهجه السني السلفي النقي الواضح".

ويؤكد تلميذ الشيخ رسلان لرصيف22 أن لشيخه تلاميذ من كافة أنحاء العالم وليس في العالم الإسلامي فحسب، مشيراً إلى مئات الروس والأمريكيين والمواطنين الذين ينتمون إلى دول آسيوية وأوروبية، و"رغم اختلاف جنسيتهم جمعهم الدين الإسلامي ورغبتهم في فهمه ومعرفته من الشيخ رسلان".

ويتحدث مطاوع عن تأسيس شيخه منذ 10 سنوات أول كياناته الدعوية الذي يُعرف باسم معهد إعداد الدعاة وهو معهد معتمد من الدولة وقدم مئات الدعاة الإسلاميين على مر السنوات.

أما عن تكلفة تأسيس كل هذه المدارس، فذلك يتوفّر، بحسب مطاوع، "من خلال تبرعات مريديه".

"كيل بمكيالين"؟

أما خصوم الشيخ رسلان فلهم رأي آخر. فمثلاً، يرى الداعية السلفي البارز وأحد أكثر الناقدين لمنهج وفكر الشيخ رسلان، سامح عبد الحميد، أن السبب الرئيسي وراء شهرة رسلان داخل مصر وكثرة تلاميذه بهذا الشكل هو سماح الدولة المصرية له منذ عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بممارسة دعوته بصورة طبيعية ودون أية ملاحقة من الأجهزة الأمنية.

بينما في المقابل، والكلام لعبد الحميد، جرى التضييق على مشايخ السلفية الآخرين وعلى تلاميذهم لأنهم لم يؤمنوا بما آمن به الشيخ رسلان من أن مبارك ولي أمر شرعي وطاعته واجبة ولا يجب الخروج عليه مطلقاً، في وقت كان تلاميذ رسلان يتلقون الدروس "بكل أريحية ودون أية مشاكل مع الدولة بل وبرعاية منها".

وعن كثرة الطلاب الوافدين إلى رسلان من خارج البلاد، يقول حمودة لرصيف22 إن الدولة المصرية في عهد مبارك سهّلت دخولهم كونهم لا يمثلون خطورة عليها، كما أن الدول التي ينتمون إليها تشجع بدورها فكر الشيخ رسلان وتساهم في نشر كتبه ولا تمانع في ترجمتها كونها "تؤصل للرضوخ للأنظمة وعدم السعي إلى تغيير ما هو فاسد أو فاشل... وهو ما يتمنى أن يجده أي حاكم في شعبه".

"يغنّي لكل حاكم"

ينتقد سلفيون كثيرون منهج الشيخ رسلان وأفكاره، ويقول الداعية السلفي البارز الشيخ سامح حمودة لرصيف22: "رسلان يُغنّي لكل حاكم وكل سلطة، ويُثني عليهم ويمدحهم، كما أنه لا يتكلم عن مظاهر الفساد في الدولة، بل يُحاول إيجاد الأعذار ويُداري على الكوارث، ويعتبر أن الرئيس يجب أن يستمر في السلطة إلى نهاية عمره".

ويضيف أن رسلان "يزعم محاربة العلمانية ولكنه لا يتكلم عن مظاهر العلمانية في السلطة، وكان يُكثر المديح في مبارك ونظامه ورجاله، ووصف الثوار عليه بالخوارج، وهو متخصص في هدم رموز مشايخ مصر الأجلاء ويتعدى عليهم ويفحش وذلك لأنه من المداخلة الذين يسبّون أهل العلم ويبحثون عن زلاتهم ويُضخّمون أخطاءهم".

أما القيادي في الدعوة السلفية بالإسكندرية الشيخ أحمد هلال، فينتقد رسلان بشدة ويعتبر أنه "لا يمت إلى الفكر السلفي الصحيح بأية صلة بدليل أرائه الشرعية التي لم ترد في أفكار ومناهج السلف الصالح مثل هجومه على إخوانه من المشايخ وتقليله منهم، وتقديسه للحكام بطريقة لم يقرّها الشرع".

وقال هلال لرصيف22 إن منهج رسلان خطر على الأمة الإسلامية كونه "يرسخ للرضوخ والاستسلام وهذا ما لا تقرّه الشريعة الإسلامية التي تدعو أبناءها لأن يكونوا أصحاب رأي وموقف وخاصة بشأن شريعتهم وأية محاولة للمساس بها".

وأبدى هلال استياءه الشديد من الحرب الشرسة التي شنها رسلان على كيان الدعوة السلفية وذراعها السياسي حزب النور معتبراً أنهما يسيران وفق الشريعة الإسلامية، و"كانت مشاركتهم في الحياة السياسية المصرية بهدف خدمة الشريعة الإسلامية والتمسك بها أمام أية اتجاهات فكرية تريد إقصاءها".

"ما يعيبه رفضه للديمقراطية"

يعتبر الباحث في شؤون جماعات الإسلام السياسي عمرو عبد المنعم أن فكر الشيخ رسلان "منهج سلفي جيّد وصحيح ولكنه لا يخلو من بعض الأفكار التي لا تناسب العصر الحديث ولا الواقع المعاصر".

ويشير إلى أن أهم ما يميّز فكره هو حربه الضروس على الأفكار التكفيرية، وهجومه الذي لا يتوقف على جماعات العنف المسلح وتبيانه أضرارها ومخالفتها للإسلام، الأمر الذي كان سبباً في امتناع آلاف الشباب عن الانضمام إليها.

ولكن عبد المنعم يقول لرصيف22 إن ما يعيب فكر رسلان هو رفضه للديمقراطية والمشاركة السياسية بشكل عام واعتراضه على أية معارضة للحكام مهما بلغ فسادهم، معتبراً "أن هذه الأمور أصبحت لا توافق العصر الحديث كما أنها ليست أصولاً في الدعوة الإسلامية التي ترفض فساد الحكام ولا تدعو للرضوخ إلا الله".

ويحذّر الباحث الإسلامي من أن يتحوّل تلاميذ الشيخ رسلان الكثر إلى جماعة وتنظيم جديد في مصر، الأمر الذي قد يكون سبباً في المزيد من الصدامات والمشاكل في البلاد.


صحافي مصري مهتم بملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

التعليقات

المقال التالي